كاميرا وصوت وتحدي.. صحفيات موريتانيا يتجاوزن القيود الاجتماعية لإثبات الذات 

في بلد لا تزال فيه المرأة تكافح لتأخذ مكانها الطبيعي في الفضاء العام، تخوض الصحفيات الموريتانيات معركة يومية لإثبات الذات في مهنة تُعرف بـ”مهنة المتاعب”. فالعمل الإعلامي في موريتانيا لا يواجه تحديات مهنية فقط، بل يتقاطع مع إرث ثقافي واجتماعي لا يزال يُقيّد دور المرأة، ويضع أمامها حواجز صلبة، من التكوين الهش، إلى النظرة النمطية، مرورًا بعقبات الوصول إلى مواقع القرار.

ورغم هذه الصعوبات، لم تستسلم كثيرات منهن، بل واجهن الواقع بإصرار، وواصلن المسير بشغف لا يهدأ، منصة “هنَّ”، تستعرض نماذج نسائية موريتانية صنعت بصمتها الخاصة في المشهد الإعلامي، وتجاوزت الصور النمطية لتؤكد أن الصوت النسائي لم يعد هامشيًا؛ بل بات حاضرًا بقوة، يصوغ الخبر، ويصنع التأثير.

تصميم لا يعرف التراجع

آمنة زيدان، صحفية في قناة “الصحراء 24”، تروي كيف واجهت تحديات مضاعفة؛ صعوبة المهنة من جهة، والتقاليد الاجتماعية والثقافية التي تحد من حرية المرأة المهنية من جهة أخرى.

ولمنصة “هنَّ”، تقول آمنة: “واجهت انتقادات واتهامات ظالمة بسبب المظهر، لكنني لم أيأس. فالتكوين المستمر والمواكبة هما المفتاحان للنجاح في هذا المجال. عملت بجد لاكتساب الخبرة والثقة بنفسي. الصحافة تعطي بقدر ما تُعطى من احترام ووقت”.

“الصعوبات التي تواجه المرأة في هذا المجال تبدأ من ضعف التمدرس، وانعكاساته على إمكانية اختيار هذا التخصص، خاصة في ظل غياب كليات إعلام محلية. حتى من تكمل دراستها وتدخل المهنة، تصطدم بواقع هش في التدريب، وبإكراهات اجتماعية أخرى. كل ذلك يحد من فرص التوظيف والترقية لاحقًا”، توضح زيدان.

وتؤكد آمنة أن تجربتها كانت محفزة رغم كل العوائق، حيث أن “كل مهمة توكل إليك هي فرصة لإثبات الجدارة، والثقة التي تمنحك إياها المؤسسة تتطلب منك شخصية مهنية موثوقة. وهذا لا يتحقق إلا عبر التكوين المستمر والعمل على الذات”.

بين شغف المهنة وتحديات الواقع

بدأت ليلى سيدي عالي، الصحفية في إذاعة موريتانيا، مسيرتها من قناة “شنقيط”، حيث عملت على إعداد وتقديم نشرات الأخبار، ثم انتقلت إلى الإذاعة، لتعمق تجربتها الصحفية أكثر.

وتبدأ ليلى سرد تجربتها لـ“هنَّ”، من ذلك اليوم الذي “قادتني رغبتي في خوض تجربة إعلامية جادة إلى العمل في مؤسسة عريقة كإذاعة موريتانيا. الطريق لم يكن سهلاً. التحديات تبدأ من طبيعة العمل نفسه الذي يتطلب تنقلًا دائمًا، واستعدادًا دائمًا لملاحقة الأحداث، ناهيك عن صعوبة التوفيق بين المسؤوليات المهنية والأسرية”.

وترى ليلى أن المرأة في المؤسسات الإعلامية كثيرًا ما تُحصر في تنفيذ المهام، دون الوصول إلى مراكز صنع القرار، “أنا أعمل على إثبات جدارتي والتوازن بين كوني امرأة عاملة وربّة أسرة. الإصرار والالتزام هما سر النجاح، وما زلت أطمح لتحقيق المزيد في مسيرتي”.

صوت نسائي متحدٍ للتحرش والنظرة المجتمعية

حياة السيد، صحفية في التلفزة الموريتانية، تحكي عن شغفها بالإعلام منذ الطفولة، وتصميمها على أن تكون صوتًا لمن لا صوت له، رغم التحديات.

وتوضح السيد، في تصريح لمنصة “هنَّ”، أن ضعف التكوين في مجال الصحافة، ومتطلبات العمل من جهد ووقت، “كلها كانت عوائق حقيقية، لكن التحدي الأصعب كان في نظرة المجتمع لظهور المرأة الصحفية، إضافة إلى التحرش؛أحيانًا من الزملاء أو المدراء؛ والذي يشكل أحد أبرز التحديات المسكوت عنها”.

وتعتبر حياة أن فرص العمل في المجال الصحفي للمرأة “ليست متاحة بسهولة. في أحيان كثيرة، حيث تُربط هذه الفرص بالزبونية، أو تطرح مقابل تنازلات غير مقبولة”.، مضيفة أنه ورغم ذلك “نحن اليوم نرفض المساومة على حقوقنا، ونطالب بمكانتنا دون خجل أو تردد”.

وتؤمن حياة أن النجاح لا يتحقق إلا بالتوازن، و“التوفيق بين العمل والواجبات الأسرية ضروري للمرأة الإعلامية. لا يجب أن نسمح لنظرة المجتمع أن تحدّ من طموحاتنا”.

طريق محفوف بالعقبات 

رغم الخطوات التي قطعتها المرأة الموريتانية في مجال الصحافة خلال العقود الأخيرة، لا تزال الطريق محفوفة بالعقبات؛ فالمرأة الصحفية في موريتانيا تواجه مزيجًا من التحديات المهنية والمجتمعية، تبدأ من ضعف التكوين وغياب مؤسسات أكاديمية متخصصة في الإعلام، ولا تنتهي عند عوائق الترقية، التحرش، والنظرة التقليدية التي تُقيّد حضورها المهني.

ومع أن عدد الصحفيات في تزايد مستمر، إلا أن حضورهنّ في مواقع اتخاذ القرار داخل المؤسسات الإعلامية لا يزال ضعيفًا، كما أن الكثير منهن يعملن في ظروف غير مستقرة، مع فرص محدودة للتدريب والتطوير المهني.

ومع ذلك، فإن الإصرار الذي تبديه نساء مثل آمنة، وليلى، وحياة، يعكس إرادة جيل جديد من الصحفيات الموريتانيات، يسعين لإعادة تعريف صورة المرأة في الإعلام، ليس فقط كمنفذة، بل كقائدة ومؤثرة ومغيرة.

وتجمع الصحفيات اللاتي حدثتهنّ هذه المنصة، على أن دعم الصحفيات وتمكينهنّ وتوفير بيئة مهنية عادلة هو حجر الأساس لبناء إعلام أكثر توازنًا وشمولًا، إعلامٌ يعكس تنوع المجتمع الموريتاني، ويمنح المرأة المساحة التي تستحقها لتكون صوتًا فاعلًا في صناعة الرأي العام.

اقرأ أيضا

  • اللاإنجابية.. نساء يتمردن على غريزة الأمومة في مواجهة مع المجتمع

    "لا أتصور نفسي صحبة رضيع طوال الوقت، أتكلف بكل تفاصيل يومه، جهد كبير جدا لا أجدني مستعدة له، بل لست على استعداد لأحمل ثقلا لتسعة أشهر، وأشتغل، وأسافر… لدي طموح أكبر من إنجاب أطفال أهديهم حياتي التي بنيتها بعناء، وجهد"، هكذا بدأت أسماء تفسر قرارها في ما بات يعرف بـ"اللاإنجابية"، وهو قرارٌ طوعي بعدم إنجاء…

    سناء كريم|

  • جحيم شركات “الكابلاج”.. بديل للبطالة ينهك صحة المغربيات 

     "صحتي مشات"، تقول صفاء بصوت منهك، يعتريه حزن وحنق كبيران، قبل أن تظهر الشابة ذات الـ29 سنة أوراق الفحوصات والشواهد الطبية التي تؤكد إصابتها بمشاكل في الظهر والعمود الفقري، بعد أربع سنوات من العمل في إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية، والموجهة لصناعة السيارات بمدينة القنيطرة. الشابة الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع، تحكي…

    هاجر اعزة|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • أميرة محمد: وضع حرية التعبير في تونس أخطر مما كانت عليه في عهدي بن علي وبورقيبة

    منظمات دولية وجمعيات محلية مستقلة في تونس، تنبه إلى تصاعد  مستوى قمع الإعلام وحرية التعبير، وتعبّر عن تخوفها من المحاكمات القضائية لصحفيين وإعلاميين ومعلقين، بسبب الرأي الذي بدأ منسوب حريته يتناقص في البلاد.  وتأتي هذه المتابعات قبل الانتخابات الرئاسية الأولى، في فترة ما بعد الـ25 جويلية 2021، وفي ظل توجه ممنهج لتقويض القضاء، سجن عشرات…

    ريم بلقاسم|

  •  “مواطنون من الدرجة الثانية”.. معاناة ذوات الإعاقة من الوصم والإقصاء في سوق العمل

    "عندما أرسل سيرتي الذاتية إلى الشركة، ينبهر المدير عند رؤيتها لأول وهلة، لكن ما إن يراني شخصيًا حتى يتغير كل شيء. يُطلق كلمات الإعجاب: 'برافو، سنتصل بك قريبًا'، لكن ذلك 'القريبًا' لا يأتي أبدًا، تاركًا خلفه شعورًا مريرًا بالرفض، خاصة عندما ترى علامات ذلك الرفض في نظرات المدير وهو يقلبني منذ دخولي المكتب، ينظر إلى…

    أميمة عدواني|

  • يوميات حراك “جيل زد”يوم عند الشـرطة:”نعرف أين تأكلين وتجلسين!”

    كان التوقيت قبل غروبِ يوم السبت الـ27 سبتمبر، مساءٌ سيشهد واحدًا من أكثر فصول التاريخ المغربي المعاصر صفاءً وصدقًا، "حراكُ GenZ212"، كنت أنا حينها هناك، قبل الموعدِ المحددِ مع شباب الوطن، لنكتب تاريخ الوطن بأنفسنا. حين جاءت الشرطة وأرغمت الناس على المغادرة، كنتُ أجلس حينئذٍ في حديقة عمومية قريبة من مكان الاحتجاج، عندما جاؤوا إلي…

    Hounna | هنّ|

  • من غرفة العمليات إلى كابوس العدوى بـ”السيدا”: مأساة طفلة تهز المغرب

    في صباح يوم كان يُفترض أن يكون عاديًا، دخلت طفلة في الثالثة عشرة من عمرها إلى أحد مستشفيات العاصمة الاقتصادية للمغرب، الدار البيضاء لإجراء عملية بسيطة على مستوى الأذن. كانت تشكو من آلام حادة، ووالدها لم يتردد في البحث عن علاج لها. لم يكن الأب ولا أحد آخر يعلم أن هذه اللحظة ستتحول إلى بداية…

    Hounna | هنّ|

  • تطبيقات النقل بالمغرب.. زبونات وسائقات في مواجهة المخاطر

    استيقظت إكرام متأخرة عن موعدها المعتاد، فاندفعت من فراشها بسرعة، ترتدي ملابسها على عجل، تسرع في ترتيب حقيبتها قبل أن تخرج من بيتها، تنزل درجات السلم بخطوات متلاحقة، لعلمها أن كل دقيقة تأخير قد تعقد يومها.  قررت طلب سيارة عبر تطبيق النقل "إن درايف"، إلا أن شعورا بالخوف يرافقها في كل مرة تركب فيها، فالرحلة…

    عفراء علوي محمدي|

  • الفيديوهات

  • “لم نتوصل بالدعم”..نساء الحوز يكشفن الوجه الآخر لإهمال ضحايا الزلزال

    يبدو أن بلدة مولاي إبراهيم بإقليم الحوز، جنوب مدينة مراكش، لن تتعافى قريبا من تبعات الزلزال الذي بعثر سبل العيش هناك، خاصة أن أغلب سكان البلدة كانوا يعيشون على نشاط السياحة الداخلية التي يجلبها ضريح مولاي إبراهيم، فالتجارة والإيواء وخدمات أخرى توفرها الساكنة، خاصة نسائها، توقفت اليوم بشكل كلي، ولا أمل يلوح في الأفق لعودة…

  • محاكمة عسكرية للمعارضة التونسية شيماء عيسى

    لم تغلق المحكمة العسكرية بعد، ملف محاكمة شيماء عيسى، المعارضة التونسية والقيادية في جبهة الخلاص الوطني، فقد تم تأجيل جلسة، محاكمتها إلى 10 أكتوبر، القادم.