تتصدر قضايا النفقة أجندة المحاكم والمنظمات الحقوقية في موريتانيا، إذ تمثل إحدى أكثر القضايا إثارة للنزاعات داخل الأسرة، ما يجعلها عاملًا أساسيًا في استقرارها أو تفككها. ومع أن الشرع والقانون يلزمان الزوج بالإنفاق على زوجته وأبنائه بمجرد إبرام عقد الزواج الصحيح، إلا أن ضعف آليات التنفيذ والتهرب من المسؤوليات يزيدان معاناة النساء والأطفال.
صعوبة اقتطاع النفقة
ترى أمنة المختار، رئيسة منظمة “النساء معيلات الأسر”، أن “اعتماد قانون يجرم العنف ضد المرأة والفتاة، بما في ذلك العنف الاقتصادي المتمثل في حرمان النفقة، يجب أن يكون أولوية قصوى”.
وأشارت في تصريح لـ”هنَّ”، إلى أن مدونة الأحوال الشخصية “لم تُعرض بصيغتها النهائية رغم تحيينها منذ أكثر من 12 عامًا”، مطالبة بوجود قضاة متخصصين في قضايا الأسرة، وغرفة خاصة لهذه النزاعات، وإشراك منظمات المجتمع المدني ذات الخبرة في هذا المجال.
كما نبهت إلى “صعوبة اقتطاع النفقة من الرجال العاملين في القطاع غير المصنف، حيث لا توجد آلية قانونية لإلزامهم بالدفع، ما يترك النساء والأطفال في مواجهة الفقر والحرمان”.
أرقامٌ مهولة!
في عام 2024، وثقت “منظمة النساء معيلات الأسر”، 2783 نزاعًا أسريًا، وهو رقم كبير يعكس هشاشة العلاقات الأسرية وكثرة الخلافات التي تصل إلى أروقة المحاكم أو الجهات الحقوقية. وإلى جانب ذلك، سجلت المنظمة ” 2123 قضية مطالبة بالنفقة”، ما يشير إلى أن كثيرًا من النساء والأطفال يجدون أنفسهم محرومين من أبسط حقوقهم المعيشية بعد الانفصال أو الخلاف الأسري.
كما رُصدت 12 قضية متعلقة بإثبات نسب أطفال، وهو مؤشر آخر على تفاقم مشكلات الانفصال والطلاق غير المنظم.
أما على صعيد العنف، فقد وثقت المنظمة 1272 حالة عنف أسري تمارس ضد النساء داخل بيوتهن، إضافة إلى 1048 حالة اغتصاب، من بينها 556 حالة لواط ذكور، وهو ما يعكس اتساع دائرة الانتهاكات الجنسية لتشمل النساء والأطفال على حد سواء. ولم تتوقف الجرائم عند هذا الحد، إذ سجلت المنظمة 5 حالات اغتصاب وقتل زوجات، وهي من أبشع صور العنف الموجه ضد المرأة.
كما كشفت الأرقام عن 640 حالة زواج قاصرات، وهو رقم صادم يعكس استمرار ظاهرة الزواج المبكر وما تحمله من آثار سلبية على التعليم والصحة النفسية والجسدية للفتيات. وإضافة إلى ذلك، رصدت المنظمة 27 طلبًا تقدمت به أمهات للحصول على إذن سفر لأبنائهن، كان من بينها 10 طلبات بغرض العلاج و17 طلبًا لقضاء العطل، وهو ما يوضح حجم القيود المفروضة على النساء في ما يتعلق باتخاذ القرارات المتعلقة بأطفالهن.
أم وحيدة لستة أبناء.. “أحاول أن أكون لهم الأب والأم”
لالة سيدة في الأربعين من عمرها، وجدت نفسها فجأة مسؤولة عن أسرة كبيرة بعد أن طلّقها زوجها العامل في مجال البناء، تاركًا لها ستة أطفال دون نفقة أو حتى تسجيل في الحالة المدنية.
“أبنائي لم يدخلوا المدرسة لأن والدهم لم يسجلهم في الأوراق الرسمية… لا يعرفون غير البيت وضيق العيش”، تقول لالة لمنصة “هنَّ”.
اضطرت لالة إلى تعلم خياطة الملاحف لتأمين قوت يومها وعيالها، ورغم أنها لم تذهب إلى المدرسة يومًا، إلا أنها تعمل ساعات طويلة لتأمين القليل. تقول وهي تدمع، “أحاول أن أكون لهم الأب والأم، لكن يدي قصيرة، لا أستطيع دفع رسوم المدارس ولا حتى شراء الدواء”.
ومع غياب أي مساندة من طليقها أو عائلته، لجأت لالة إلى منظمة “النساء معيلات الأسر”، آملة في أن يساعدها القانون على انتزاع حق أبنائها في النفقة. لكنها، مثل آلاف النساء، تصطدم بواقع قانوني معقد وضعف آليات التنفيذ.
من شريك الحياة إلى التهديد بالقتل!
ميمونة، امرأة موريتانية تزوجت عام 2011 من رجل يعمل ميكانيكي سيارات، ورغم أن وضعهما المادي كان صعبًا، إلا أنهما اتفقا على فتح دكان صغير. لم يمض وقت طويل حتى حملت بمولودها الأول، لكنها اضطرت للعودة إلى العمل في الدكان بعد 45 يومًا فقط من الولادة، لتساعد زوجها في بناء مشروعهما المشترك.
بجهدها وعرقها، ساهمت في تطوير الدكان حتى أصبح مصدر دخل معتبر، لكنها فوجئت بعد سنوات بأن زوجها استقر في دكار عقب جائحة كورونا، تاركًا لها مسؤولية البيت والطفل.
في شهادتها لمنصة “هنَّ” تقول ميمونة بمرارة: “كل ما بنيته معه طيلة 12 عامًا، بجهدي ووقتي، تخلى عني فيه… لم يعد يرسل لنا مصاريف ولا يسأل عنا”.
الأصعب من ذلك أنها تتعرض اليوم للتهديد من زوجها، الذي يتهمها زورًا بسرقة أمواله، بل ويقول لها إنه قصد مشعوذًا أخبره أنها “تأخذ ماله دون علمه”
وتضيف ميمونة “لا أملك حتى ثمن إيجار بيت… وهو يهددني بالسجن أو القتل، بينما يمنعني من أشياء بسيطة طلبتها لأجل ابننا”.
وتحمل ميمونة في هاتفها عشرات الرسائل التي توثق طلباتها البسيطة لشراء طعام أو دواء، وهي اليوم لا تريد سوى حقها وحق ابنها في النفقة، بعد أن كرست 12 عامًا من عمرها للعمل مع زوجها بلا مقابل.
الموقف القانوني.. ضعف التنفيذ
المحامية عائشة السالمة توضح أن مدونة الأحوال الشخصية واضحة في المادة (55) بخصوص النفقة، غير أن “المشكلة تكمن في ضعف التنفيذ”، وتضيف أن المادة (400) من القانون الجنائي، تنص على أن التخلي عن الأسرة – بما في ذلك الامتناع عن النفقة – قد “يؤدي إلى السجن شهرين، لكنها غير مطبقة فعليًا”.
وترى أن تفعيل هذه المواد القانونية “سيشكل خطوة حاسمة لضمان حقوق الأسر والحد من معاناة النساء والأطفال”.
تفقير النساء وتجهيلهنّ
من جانبها، تعتبر الناشطة نورة طلبة أن “منع النفقة جريمة ضد المرأة والإنسانية لأنها تؤدي إلى تفقير النساء وتجهيلهنّ، وتجعل اعتمادهنّ على الرجل مطلقًا”.
وتشير إلى أن بعض العادات الاجتماعية تعتبر مطالبة المرأة بالنفقة “عارًا على أسرتها، ما يدفع الآباء والأشقاء لتحمل مسؤوليات الزوج”.
وترى نورة في تصريح لـ”هنَّ”، أن النفقة يجب أن تُعتبر “حقًا عامًا للطفل، لا يتوقف على شكوى المرأة”، مؤكدة على أهمية حملات التوعية وتطوير آليات تُمكّن الدولة من اقتطاع النفقة من جميع العاملين، حتى في القطاع غير المصنف.
بين النصوص القانونية وواقع التنفيذ.. فجوة تعمّق معاناة الأسر
تؤكد المعطيات أن النفقة تمثل عنصرًا أساسيًا في حماية الأسرة وضمان حقوق المرأة والطفل، غير أن الواقع يُظهر وجود فجوة بين النصوص القانونية من جهة، وآليات التطبيق من جهة أخرى، ما يضع العديد من الأسر في مواجهة الفقر والحرمان.
وتشير الإحصائيات والشهادات إلى أن هذه الإشكالية ليست حالات فردية، بل ظاهرة متكررة تعكس أزمة بنيوية في قضايا الأسرة، حيث تؤدي إلى آثار اجتماعية واقتصادية خطيرة، منها حرمان الأطفال من التعليم والرعاية الصحية، وتعرض النساء لأوضاع هشة اقتصاديًا واجتماعيًا.
وعلى الصعيد القانوني، تنص مدونة الأحوال الشخصية والقانون الجنائي بوضوح على “إلزام الزوج بالنفقة وتجريم التخلي عن الأسرة”، لكن ضعف آليات التنفيذ، خاصة بالنسبة للعاملين في القطاع غير المصنف، إضافة إلى محدودية الوقت المخصص لهذه القضايا داخل المحاكم، يحد من فعالية النصوص ويؤخر وصول المتضررين إلى حقوقهم.
كما تسهم بعض الممارسات والتقاليد الاجتماعية في مضاعفة التحديات، من خلال النظر إلى مطالبة المرأة بالنفقة باعتبارها مساسًا بمكانة أسرتها، الأمر الذي يضعف من قدرتها على المطالبة بحقوقها، ويكرس التبعية الاقتصادية للنساء.















