قانون جديد في فرنسا.. “دفاع شرعي” أم ترخيص لقتل العرب والأفارقة؟

في ظهيرة يوم صيفي حار، تجمّعت حشود ضمّت عائلات وأطفالاً، إلى جانب عدد من السياسيين والسياسيات والنشطاء والناشطات، أسفل العمارات السكنية في أحد أحياء مدينة “إيفري سور سين”  بالضاحية الجنوبية للعاصمة باريس. كانت وجوه الحاضرين والحاضرات تحمل مزيجاً من الغضب والإنهاك؛ إذ جاء هذا التجمّع بعد خمسة أيام فقط من حادثة شهدها المكان ذاته يوم 21 يوليو، حين تدخّلت قوات الأمن لفضّ تجمّع للسكان كانوا يتناولون طعام العشاء في الهواء الطلق. 

ووفقاً لإفادات الأهالي وكما يظهر على عدّة فيديوهات تم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع ورصاص “الفلاش بول”  لتفريق الحاضرين والحاضرات، في تدخّل عنيف طال النساء والأطفال وأدّى إلى إغماء إحدى الساكنات.

في هذا التّقرير، نغوص في كواليس ملف العنف البوليسي المتصاعد، ونُسلّط الضّوء على الكيفية التي يُقنّن بها النّظام الفرنسي العنف الممنهج ضد المنحدرين والمنحدرات من أصول عربية وإفريقية.

عنف مؤسساتي متوارث في الأحياء الشعبية

“لقد اعتدنا على هذا النوع من التدخّلات العنيفة، لكنّها كانت تحدث ليلا. أمّا أن تقع في وضح النهار، فهذا هو الأمر الأكثر صدمة. كان هذا يتكرّر كل عام خلال شهر رمضان؛ كانوا يستهدفون الشباب ليلاً ويستفردون بهم حتى لا يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم، ولم تكن هذه التدخلات تطال الأطفال أو النساء أو ذوي الاحتياجات الخاصة. لكن ما جرى اليوم يُعدّ سابقة من نوعها” بهذه الكلمات بدأت إحدى الساكنات تفسير ما حدث، مُبرزة التحوّل اللافت لممارسات الشرطة في تعاملها مع السكّان.

ووسط هذا المشهد المشحون، تقدّم عضو “تجمع الأحياء” (L’assemblée des quartiers) سمير إلياس، وهي منظمة سياسية للأحياء الشعبية أسّست سنة 2023 ، ليتحدث عبر مكبر الصوت. وفي الصفوف الأمامية، افترش العشرات من الأطفال الأرض، موجهين أنظارهم نحو المتحدث ومتابعين لمجريات اللقاء باهتمام بالغ؛ وهم نفس الأطفال الذين كانوا شهود عيان على أحداث ذلك المساء العنيف. وبصوت حازم، قال سمير في كلمته:

“أنا أبلغ من العمر 53 عاماً..وما حدث ذلك اليوم هو ما يحدث منذ 50 عاماً.. لقد تم التخلي عن هذه الأحياء منذ نشأتها.. لقد فعلوا ذلك بآبائنا، وفعلوه بجيلنا، وها هم يكررونه اليوم مع أبنائنا.. هناك أكثر من 1000 قتيل في الأحياء سقطوا على يد الشرطة، مع إفلات تام من العقاب، وبحماية من سياسيي اليسار واليمين والوسط على حد سواء.”

ووسط تصفيق الحاضرين والحاضرات أكّد إلياس على فوضوية وعنصرية الشرطة، قائلا،  “نحن لا نتعامل مع ما يطلقون عليهم ‘حراس السلام’، هذا غير صحيح؛ نحن نتعامل مع حراس الفوضى. لديهم منهجية واضحة يطبقونها، وهذا النهج ليس وليد اليوم. يجب أن نعتبر أنفسنا محظوظين لأنه لم يسقط أي قتيل، ولأنه لم تقع أي إصابات خطيرة. ولولا التصرف الرشيد لسكّان وساكنات الحي، لأخذت الأمور أبعادا أسوأ بكثير.”

فالشرطة، حسب قوله، “لم تأتِ للقبض على تجار مخدرات كما ادّعت، هذا يتجاوز إطار حفظ الأمن، ليصل إلى تطبيق منهجية تعتمد على سياسة “العقاب الجماعي” الذي يطال الحي بأكمله، وهو ما يعيد للأذهان سياسات تُمارس على عدّة أحياء أخرى بالضواحي منذ إنشائها”.

إنّ ما يصفه السكّان هنا بـ”العقاب الجماعي” يعكس واقعاً هيكلياً ممتدّا منذ عقود. ففي سياق تحليل هذا العنف الموجّه ضدّ الأحياء الشعبية، توضّح المحللة السياسية الفرنسية فاطمة واساك في كتاباتها أن الشّباب المنحدرين من الهجرة يعيشون كطبقة تقبع تحت “سيطرة دائمة”، ممّا يفرز تداعيات نفسية واجتماعية عميقة. 

تتجسّد هذه المعاناة في تجربة “الحكرة” (الاحتقار) اليومية، حيث يُمارس ضدّهم رعب وإذلال مؤسسّاتي ممنهج يهدف إلى تذكيرهم بمكانتهم في الهرم الاجتماعي، ممّا يولّد لديهم أزمة نفسية قاسية وشعوراً تامّاً بالانسداد وانعدام الأفق. وتؤكّد فاطمة واساك أنّ هذا المأزق يتعمّق من خلال سياسة “اقتلاع الجذور” التي تحرم هؤلاء السكان من الشّعور بالانتماء للأماكن التي ولدوا وكبروا فيها، وتجعلهم يعيشون في حالة من التّيه الدّائم.

تتقاطع هذه القراءة مع قراءة الفيلسوف الألماني أكسال هونيث في كتاب “مجتمع الاحتقار”. فبالنسبة لهونيث، لا يمكن للفرد بناء هوية سليمة والمشاركة الكاملة في المجتمع إلّا إذا كان “معترفاً به”.  

لكن هذا الإذلال المؤسّساتي في الأحياء الشعبية يمثّل حرماناً ممنهجاً من الاحترام القانوني والتقدير الاجتماعي، كما يسلب أفراده من حقهم الأساسي في الاعتراف المتبادل؛ أي الاعتراف بهم كمواطنين كاملي الحقوق.

من الميدان إلى البرلمان: تغيير في قواعد الإثبات

تُعبّر المستشارة الإقليمية للمقاطعة التي وقع فيها الحادث لمياء كرواني، لمنصّة “هنّ” عن صدمتها البالغة من عنف التدخل الأمني قائلة: “إيفري ليست ساحة حرب.. وما حدث أمر لا يُعقل”.

واستنكرت المستشارة بشدّة لجوء الشرطة للقوّة المفرطة ضد تجمّع عائلي، متسائلة عن مبرّرات هذا الهجوم: “لقد استُخدم رصاص ‘الفلاش بول’ والغاز المسيل للدموع ضد أمّهات وجدّات وأطفال كانوا متجمّعين يقضون وقتاً ممتعاً في نهاية اليوم وسط موجة الحر التي نعيشها. لقد تجرأوا على فعل ذلك بحجة أنهم شعروا بالتّهديد… لكن تهديد من مَن؟ وبماذا؟ من أطفال وأمهات يتناولون عشاءهم أسفل العمارة؟”.

لم تقف لمياء كرواني عند حدود هذه الحادثة، بل ربطتها بالنقاشات الحالية داخل أروقة السياسة الفرنسية حول مشاريع القوانين التي توسّع من صلاحيات الشرطة، محذّرة من العواقب الكارثية في حال تمريرها. وقالت بنبرة قلقة: “بمجرد أن يصادق البرلمان على هذه القوانين، ستأخذ مثل هذه الحوادث أبعادا أخطر، فسيكون بإمكانهم إخراج أسلحتهم النارية وإطلاق النّار، تماماً كما فعلوا بالغاز أو الفلاش بول… إعطاء هذا الحق لعناصر الشرطة، هو بالنسبة لي بمثابة إعطاء تصريح بالقتل'”.

لا يأتِي تحذير المستشارة من فراغ؛ فـ”التصريح بالقتل” الذي تخشاه يتجسّد في مشروع قانون يهدف إلى إقرار “قرينة الدّفاع الشرعي” لصالح قوات الأمن. فبينما كان سكان “إيفري” يتناقشون حول قسوة التدخلات الأمنية في أحيائهم، كانت الجمعية الوطنية الفرنسية تشهد نقاشات موازية لتمرير هذا التّشريع المثير للجدل.

يستند هذا المقترح إلى تعديلات سابقة أُقرّت سنة 2017 (المادة L.435-1)، والتي وسّعت بالفعل من الحالات التي يُسمح فيها للشرطة باستخدام السلاح، خاصّة في حالات “رفض الامتثال”. أما المشروع الجديد، فيأتي ليذهب أبعد من ذلك، ناقلاً عبء الإثبات في حوادث إطلاق النار من الشرطي إلى الضحية.

وفي هذا الصدد، يشرح عضو الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب عبد العزيز بن عبد الرحمن، طبيعة التغيير الذي يحمله المشروع الجديد موضّحا أنّه في الوضع الحالي “عندما يتسبّب شرطي في مقتل شخص إثر استخدام سلاحه، تلتزم الدولة بتقديم الإثبات على أنّ إطلاق النار كان تدبيراً ضرورياً. أمّا بموجب القانون الجديد، فإنّ عبء الإثبات سينتقل ليقع على عاتق عائلات الضحايا، مما سيجعل التحقيقات في هذه الحوادث مجرد “إجراءات شكلية””. 

يُصنّف عبد العزيز بن عبد الرحمن هذا التعديل ضمن ما يعتبره “إعطاء رخصة للقتل لرجال الأمن”، وهو الوصف ذاته الذي تستخدمه المعارضة في الساحة السياسية الفرنسية. وفي السياق ذاته، تقدّم المحامية مارغو بولييزي، والتي شاركت في هيئات دفاع في عدّة قضايا متعلقة بالعنف البوليسي، قراءة قانونية لمنصّة “هنّ”، مشيرة إلى أنّ “تطبيق هذا القانون سيعني عدم فتح تحقيقات فورية ضد أفراد الشرطة بعد حوادث إطلاق النار، حيث سيُعتبر الشرطي “غير مسؤول جنائياً” منذ البداية”. 

وتُضيف “أنّ الساعات الأولى تُعد حاسمة في مسار التحقيق، وأنّه في حال عدم وضع الشرطي رهن التوقيف، فهناك احتمال كبير باختفاء كافة الأدلة. وهذا التوجّه يمثل “انزلاقاً سلطوياً” يحول دون كشف الحقيقة ويضع العراقيل أمام السلطة القضائية”.

جذور “قرينة الدفاع الشرعي”: إرث اليمين المتطرف

في تحليله لهذا التطوّر، يؤكد عبد العزيز بن عبد الرحمن أنّ “التشريع الجديد ليس مجرد استجابة لمطالب أمنية، بل هو انعكاس مباشر للمناخ السياسي الحالي، فهذا القانون يأتي في ظروف امتداد اليمين المتطرف الذي وضع اللبنات الأولى لهذا القانون الذي يشرعن القتل تحت غطاء الدفاع عن النفس من طرف رجال الأمن”.

يربط عبد العزيز  بن عبد الرحمن هذا التوجه بالحسابات السياسية الراهنة، معتبراً أنّه “نتاج تقارب اليمين واليمين المتطرف خصوصا وأنّ فرنسا مقبلة على استحقاقات انتخابية في السنة المقبلة”. وهو ما تتوافق معه مخاوف المستشارة الإقليمية لمياء كرواني، التي حذّرت من أنّ طرح هذا القانون يتزامن بشكل مقلق مع “صعود الفاشية”. 

تؤكد لمياء كرواني، أنّ هذا التقارب السياسي لتمرير التشريع سيدفع ثمنه سكان الأحياء الشعبية، ذلك أنّهم “سيُستخدمون كوقود للمدافع… ولكن هذه المرة، بطريقة قانونية”.

تعود فكرة إقرار “قرينة الدفاع الشرعي” لصالح قوات الأمن بجذورها المباشرة إلى الأدبيات السياسية لليمين المتطرف في فرنسا، وتحديداً إلى المقترحات التاريخية التي طالما نادى بها مؤسّس حزب “الجبهة الوطنية” جان ماري لوبان . ومنذ تسعينيات القرن الماضي، جعل لوبان من هذا المطلب ركيزة أساسية في خطابه، معتبراً أنّ الشرطة بحاجة إلى “حصانة قانونية” تحميها من المساءلة القضائية إثر التدخلات الميدانية. وهو الإرث السياسي الذي ورثته ابنته مارين لوبان  وحزب “التجمع الوطني” الحالي؛ وقد شكّل هذا المقترح وعداً رئيسياً في برامجهم الانتخابية خلال الاستحقاقات الرّئاسية والتشريعية المتتالية طوال العقد الماضي.

اكتسب المقترح ذاته اليوم، زخماً غير مسبوق بفضل الضّغوط المكثّفة التي تمارسها نقابات الشرطة اليمينية القوية في فرنسا مثل نقابة “أليانس”، خاصّة بعد الاحتجاجات التي أعقبت مقتل الفتى “نائل” على يد الشرطة سنة 2023. وهذا الضغط أدّى إلى تبني أطراف من اليمين التقليدي، مثل حزب “الجمهوريون”، هذا المقترح وطرحه بقوة داخل الجمعية الوطنية.

تعقيد مسار التقاضي والنساء في الواجهة

في العقدين الأخيرين، شهدت فرنسا حوادث متعدّدة قُتل فيها أشخاص برصاص الشرطة أو نتيجة تدخلات أمنية عنيفة، ولا تزال عائلات هؤلاء الضحايا تقاتل حتى اليوم من أجل كشف الحقيقة وتحقيق العدالة. هذا الواقع دفع العديد من العائلات إلى واجهة النضال لتشكيل لجان وقيادة حملات واسعة للضغط على السلطات. ولعلّ من أشهر هذه القضايا قضية الشاب “أداما تراوري”، الذي توفي أثناء اعتقاله من قبل الشرطة سنة 2016، وهي المعركة القضائية والإعلامية التي مازالت تقودها شقيقته “آسا تراوري”، لتصبح أحد رموز النضال ضد عنف الشرطة والمطالبة بالحقيقة.

يتزايد القلق اليوم من أن ينعكس هذا التغيير القانوني المُقترح بشكل مدمر على مسار التقاضي الذي تسلكه العائلات. وفي الصدّد ذاته، تروي أمل بنتونسي، التي فقدت شقيقها “أمين” إثر إصابته برصاصة في ظهره من قبل شرطي سنة 2012، تفاصيل معركتها القضائية التي استمرّت لسنوات حتى انتهت أخيراً بإدانة الشرطي بالقتل. 

وتُشير أمل بوضوح إلى خطورة الوضع الحالي قائلة: “لو كان هناك افتراض للدفاع الشرعي في ذلك الوقت، فأنا مقتنعة بأنّنا لم نكن لنحصل أبداً على هذه الإدانة”.  يؤكّد هذا التشريع حسب أمل على أنّ عنف الشرطة بات مشكلة هيكلية، فـ”عندما يختار المشرع تعزيز الحماية القانونية لمطلق النار حتى قبل أن تثبت العدالة الحقائق، فإنه يبعث برسالة مقلقة للغاية. لم يعد الأمر يتعلق فقط ببعض التجاوزات الفردية، بل بخيار سياسي يغير بعمق توازن دولة القانون لدينا”. 

 تصف أمل المسار القاسي الذي تفرضه هذه القضايا، حيث يُستبدل الحداد فوراً بمعركة قضائية قد تدوم لعشر أو خمسة عشر عاماً. هذا المسار يتطلّب دفع أتعاب المحامين، وتمويل الخبرات، وقراءة آلاف الصفحات من الإجراءات، ممّا يدفع العديد من العائلات للاستدانة، بل إنّ بعضها يتخلى عن متابعة الملفات لانعدام الموارد. وتوضح أمل على أنّه “مع هذا القانون، سيصبح عبء الإثبات في المستقبل أثقل بكثير. سيتعين على العائلات إثبات المزيد، بموارد أقل بكثير، في مواجهة جهاز دولة يمتلك موارد هائلة”.

وفي خضم هذه المأساة، تُلفت أمل الانتباه إلى تصدّر النساء لقيادة هذه المعارك القانونية، موضّحة أنّ الأمهات والأخوات يرفضن أن يُختزل أبناؤهن أو إخوانهن في مجرد “ملف أو حادثة عرضية”. ويجدن أنفسهن مضطرات، رغم محنهن، للتخصّص في الإجراءات الجنائية والقانون. وتقول: “نحن نُجبر على أن نصبح قانونيات، ومسؤولات تواصل، ومتحدّثات، وناشطات، في حين كان ينبغي ببساطة أن نعيش حدادنا… لم نشارك أبداً عن اختيار، بل لأننا لم نكن نملك خياراً آخر للحصول على الحقيقة”.

هذه العدالة  التي انتزعتها عائلة بنتونسي بشقّ الأنفس  لم تتحقّق لعدد كبير من الضّحايا وعائلاتهم، فقضيّة الشابة “رايحانا” (21 عاماً) مثلا، التي قُتلت برصاص الشرطة بباريس سنة 2022 بينما كانت راكبة السيارة تعرّضت لتفتيش، تبقى شاهداً على تعقيد هذه الملفات. 

تُجسّد شهادة شقيقتها حجم المعاناة المستمرة التي تعيشها العائلة، فبعد مرور سنوات على الفاجعة، مازالت العائلة تدور في حلقة مفرغة من الانتظار، إذ لم تُعقد أي محاكمة للشّرطي مطلق النار، بل وصدر قرار بحفظ القضية لصالحه. 

تصف شقيقتها هذا الوضع بـ”التّعذيب النفسي اليومي” الذي يمنع العائلة من عيش فترة الحداد، وتؤكّد أنّ حيواتهم توقّفت منذ تلك اللحظة، مضيفة: “نقول لأنفسنا إن الشّرطة تقتل، وهم محميون… لم نحصل على أي إجابة أو عدالة، بل وتلقينا رسالة من الشرطي الذي قتلها يخبرنا فيها أنّه غير مستعد للاعتذار”.

لم تقتصر معاناة العائلة على غياب المحاكمة، بل شملت سلسلة من الخروقات الممنهجة وطمس الأدلّة. فقد حُرمت العائلة من أي دليل مرئي بعد أن أُبلغت بأنّ كاميرات المراقبة في الشارع، وكذلك كاميرات الشرطة، كانت “مطفأة” يوم الحادثة، وأنّ شجرة كانت تحجب رؤية الكاميرا الوحيدة التي كانت تعمل في مسرح الجريمة. 

وإلى جانب غياب الأدلّة المادية، واجهت العائلة منذ الساعات الأولى حملة إعلامية حاولت شيطنة الضحية وتصويرها كـ”جانحة” ذات سوابق عدلية، وهو ما نفته شقيقتها بشدة، مؤكّدة أنّها كانت محاولة متعمّدة لتوجيه الرّأي العام واحتكار الرّواية لتبرير الجريمة.

كما تسلّط شقيقة رايحانا الضوء على الاستنزاف المادي والنفسي الذي تفرضه هذه القضايا. فكما هو حال العديد من العائلات، وجدت نفسها مجبرة بين عشية وضحاها على الغوص في تعقيدات الإجراءات الجنائية، لتواجه محامين يستنزفون أموال العائلة المحدودة دون الدّفاع عن قضيتهم الحقيقية، كما حاولت محاميتهم الأولى توجيه الاتهام لسائق السيارة وتبرئة الشرطة، مما كلّفهم مبالغ طائلة جمعوها بصعوبة. 

وأمام تشريع “الدفاع الشرعي” الجديد، تُبدي شقيقة رايحانا صدمتها من الرسالة غير الإنسانية التي تمرّرها الدولة، متسائلة باستنكار عمّا إذا كانت السلطات تسعى لتشجيع الشرطة على القتل وإغلاق الباب نهائياً أمام أي أمل للضحايا، مؤكّدة في الوقت ذاته إصرارها على مواصلة المعركة وعدم الاستسلام حتى انتزاع العدالة لشقيقتها.

من يستهدف هذا التشريع؟

لا يمكن قراءة هذا التشريع بمعزل عن الواقع الاجتماعي والعنصرية البنيوية التي تؤطّر عمل الشرطة الفرنسية. فقد أظهرت البيانات الموثّقة أنّ عدد القتلى برصاص الشرطة تضاعف ستّة مرّات بين سنتي 2017 و2022 تحت مبرّر “رفض الامتثال”. 

هذا التصاعد الدموي تعزّزه تقارير مؤسّسة “مدافع الحقوق” (Défenseur des Droits) الرسمية، التي تكشف عن استهداف عنصري صريح، ذلك أنّ الشباب الذكور الذين يُنظر إليهم كـ”سود” أو “عرب” يتعرّضون لعمليات تفتيش الهوية بنسبة تصل إلى 20 مرة أكثر من بقية أفراد المجتمع الفرنسي. 

هذا الاستهداف الممنهج تؤكّده أيضاً البيانات المستقلة، كتلك التي وثّقها مرصد “باستا” (Basta!) لضحايا التّدخلات الأمنية. إذ تبرز الإحصائيات “بروفايلاً سوسيولوجياً” (شخصية اجتماعية) متكرّراً بشكل مأساوي في قاعدة بيانات القتلى، فالأغلبية السّاحقة من الضحايا هم من الذكور الذين تقلّ أعمارهم عن 27 عاماً، ممّن يحملون أسماء ذات رنين مغاربي أو إفريقي، ويقطنون في الأحياء الشّعبية لكبريات المدن مثل باريس، ليون، ومرسيليا. 

كما أنّ هذه التدخلات القاتلة لا ترتبط في الغالب بجرائم عنيفة أو تهديد حقيقي للأمن حسب الإحصائيات، بل تقع إثر مخالفات بسيطة أو مجرد عمليات تفتيش هوية روتينية. وبناءً على هذه الأرقام تربط المستشارة الإقليمية لمياء كرواني بين التشريع الجديد وهذه الفئات المستضعفة، محذّرة من أنّ القانون “يستهدف المجموعات المنحدرة من الهجرة والمقيمة في الأحياء الشعبية”. 

وتقوم كرواني بمقارنة مرعبة حول تطور آليات القمع، فبينما كانت عمليات “التفتيش على أساس الملامح” (Contrôle au faciès) في السابق تنتهي غالباً بتعرّض الموقوفين لإصابات، ستُصبح مع إقرار تشريع “قرينة الدفاع الشرعي” تودي بعواقب مميتة. “بعبارة أخرى، سيُصبح مجرد الاشتباه المبني على الملامح مبرّرا قانونيا لإطلاق النار”، حسب قولها.

بعد رفض العريضة الشعبية، كيف الصمود ؟

شقّ مشروع القانون طريقه في قراءته الأولى، حيث تم تمريره بأغلبية 35 صوتاً مقابل معارضة 21 صوتاً. وقد عارض هذا المسار التشريعي حراك مدني واسع، تجسّد في إطلاق عريضة إلكترونية بمبادرة من عصام وسامية الخلفاوي، عائلة الشاب “سهيل” الذي قُتل بمارسيليا سنة 2021.

ورغم أنّ العريضة المناهضة للقانون حقّقت نجاحاً قياسياً بجمعها 732 ألف توقيع، إلاّ أنّ لجنة الشؤون القانونية بالجمعية الوطنية قرّرت رفض مناقشتها في قاعة الجلسات قبل إغلاق الدورة الصيفية. هذا الإجراء وصفته المستشارة لمياء كرواني بأنّه “تجاهل” لأصوات المواطنين والمواطنات الذين حشدوا جهودهم للدفاع عن الحريات العامة، و “فرصة ضائعة للديمقراطية التشاركية” .

أمام هذا الانسداد المؤسساتي الداخلي، يُوجّه الحقوقي عبد العزيز بن عبد الرحمن نداءً صريحاً للجمعيات الحقوقية لتكثيف جهودها الميدانية. كما يطالب المؤسسات الرسمية في دول المنشأ بالتحرك العاجل والضغط لمتابعة ملفات الحوادث المميتة، داعياً إيّاها إلى أن “تكف عن التعامل مع الجالية المغاربية كبقرة حلوب تستفيد من عملتها ولا تهتم بما قد يتعرّض لها أبناء هذه الجالية من تعسّف”.

في انتظار تطوّرات سياسية جديدة، يبقى الرهان الأكبر على التضامن المحلي والتنظيم الذاتي. وهو ما لخّصه سمير إلياس في رسالته المباشرة لسكان حي “إيفري” المحتشدين، داعيا إيّاهم نحو التكاتف كطوق نجاة وحيد، واختتم كلمته برسالة صمود قوية: ​”لا تعوّلوا إلاّ على أنفسكم، فمن الضروري إعادة تشكيل اللجان. نحن هنا لدعمكم وسنقف دائماً إلى جانبكم.. إنّ الأحياء تمثّل شبكات تضامن ذات تاريخ عريق، وليس فقط في ما يتعلّق بالعنف البوليسي، بل لطالما كانت في صميم معارك انتزاع الكرامة.”

تأتي هذه الدعوات كاستجابة حتمية لواقع مرير؛ إذ يُلخّص مسار التّشريع الجديد في فرنسا تحوّلاً مقلقاً يُشرعِن العنف البوليسي تحت غطاء “الدّفاع الشرعي”، ناقلاً عبء الإثبات من جهاز الشّرطة إلى عائلات الضّحايا. 

هذا التوجُّه، المدفوع بتقارب سياسي مع اليمين المتطرّف، يُعمّق جراح الأحياء الشعبية ويجعل من الشّباب المنحدرين من أصول مغاربية وإفريقية أهدافاً مستباحة قانونياً، ممّا يفرض على العائلات تحمّل العبء الأكبر في معارك قضائية طويلة ومكلّفة لانتزاع العدالة في ظلّ انسداد مؤسسّاتي واضح.

اقرأ أيضا

  • مغربية تُرحَّل في خضم علاجها من السرطان.. فضيحة تهز نظام التعاقد الموسمي في إسباني

    في صباح اليوم الرابع من شهر يونيو الجاري، كانت زينب، عاملة زراعية مغربية، تودّع حقول الفراولة الإسبانية في مدينة هويلفا ليس لأنها أنهت موسم العمل، بل لأن أحدهم قرر أن رحلتها يجب أن تنتهي هنا. لم تغادر بإرادتها، ولا أنهت عقدها بسلام. زينب، التي شُخّصت حديثًا بسرطان عنق الرحم في مرحلته الرابعة، أُجبرت على ركوب…

    Hounna | هنّ|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • مهاجرات دول جنوب الصحراء: بين العنصرية والإقصاء ومحاولات الاندماج

    أصبحت قضية التعامل مع المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء في المغرب موضوعا يطفو من حين لآخر على سطح النقاش العام، بين خطاب رسمي يؤكد على قيم الانفتاح والالتزام بالاتفاقيات الدولية، وواقع اجتماعي أكثر تعقيدا يطغى عليه أحيانا سوء الفهم والصور النمطية. وتجد النساء الإفريقيات المهاجرات أنفسهن في قلب هذا الواقع، حيث تتقاطع تحديات…

    عفراء علوي محمدي|

  • “15/09- سبتة”.. ليلة الهروب الجماعي من المغرب

    "ابنتي تحلم بالذهاب إلى أوروبا لكن لم أتخيل أنها ستجرب هكذا" كانت صرخة  الأم تعلوا على صوت صفارات الإنذار وهدير محركات سيارات الشرطة في مدينة الفنيدق المغربية، المعروفة أيضًا باسم "كاستيِّخو". المرأة، التي تفضل إخفاء اسمها، تحمل هاتفها الخلوي وترفعه عالياً، تظهر من شاشته صورة لفتاة قاصر. إنها ابنتها. اسمها هاجر، وتبلغ من العمر 16…

    سعيد المرابط|