واحد وأربعون سنة تمر على سن قانون الأسرة في الجزائر ، معركة نضالية امتدت منذ سنة 1984 ،تراوحت بين مطالب الإلغاء أو التعديل ، عرفت انفراجا سنة 2005 عبر تغييرات اعتبرها البعض غير كافية والبعض الآخر خطوة ايجابية نحو تحقيق المساواة وضد التمييز في ظل سياق اجتماعي تتصادم فيه المطالب الحقوقية مع التقاليد والأعراف في البلاد .
” قانون العار، la loi de l’infamie , مش la famille”
تتردد كل سنة على المسامع في الأوساط النسوية عبارة ” قانون العار، la loi de l’infamie , مش la famille” ، في كل مناسبة للتنديد “بالظلم ” الذي يكرسه القانون عبر مواده القانونية : هو” قانون يتعارض مع الدستور الجزائري والاتفاقيات والمواثيق الدولية التي وقعت وصادقت عليها الجزائر، هو قانون يكرس امتيازات غير شرعية وهيمنة رجالية على النساء” تقول الناشطة النسوية أمال حجاج ل” هن” .
” لا يعترف قانون الأسرة بالمساواة في العديد من مواده، سواء في المساحات الخاصة والعامة، في الزواج كما في الطلاق، في الولاية على الأطفال وحضانتهم، الميراث وحرية التنقل. تقول آمال حجاج، رئيسة منظمة الجريدة النسوية، التي تناضل مع غيرها من الجمعيات النسوية منذ سنوات لإجراء تعديلات على القانون.
أصدرت مؤسسة الجريدة النسوية الجزائرية السنة الماضية بيانًا سطرت فيه قائمة تضمنت الآثار الناجمة عن 40 سنة من تطبيق هذا القانون، حيث سلط البيان الضوء على سلسلة من المواد القانونية التي تحتوي تمييزا تواجهه النساء في الجزائر، أبرزها، وضعية الأمهات المطلقات اللاتي يفقدن حق الحضانة عند إعادة الزواج، تعرض النساء للعنف في ظل تعدد الزوجات. اشتراط وجود ولي لإتمام الزواج المدني.
كما يُبرز البيان عدم اعتراف القانون بولاية الأم على قدم المساواة مع الأب، صعوبة حصول النساء على حقوقهن في الملكية والميراث في غياب وريث ذكر ، كما أكد البيان تجاهل النصوص حقوق الأمهات العازبات وترك ثغرات قانونية تُستغل لتزويج القاصرات.
وعدل القانون سنة 2005 دون مساس بالبنية التقليدية للعائلة، حيث أقام المساواة في ما يتعلق بسن الزواج حيث رفع سن الزواج للفتيات إلى 19 سنة ، ألغى الزواج بالوكالة وواجب الطاعة للنساء ومبدأ رب الأسرة. كما أبقى على تعدد الزوجات لكن أخضعه لشرط قبول الزوجة الأولى و منح المرأة الحق في الخلع مقابل مبلغ مادي تعويضي تدفعه للزوج.
وتنادي منظمة العفو الدولية بالجزائر مع مجموعة من المنظمات النسوية بضرورة تغيير القانون قائلة ” على مدار 40 عامًا، ورغم بعض التعديلات التي حسّنت وضع النساء جزئيًا، لا تزال الجزائريات يعانين من التمييز، ومن غياب الحماية الكافية من العنف. أربعون سنة من انتهاك الحقوق، ومن المعاناة التي تم التغاضي عنها.
” لقد حان الوقت للاعتراف بعمق هذا الظلم التاريخي والاستجابة للمطالب المتكررة بالتغيير. حان وقت إنهاء هذا المسلسل من التمييز والعنف المُؤسَّس قانونيًا” تضيف امنستي.
الولاية، الميراث، والحضانة: ما هي أولويات التعديل ؟
خلافا للمغرب الذي تعكف حكومته، حاليا، على إعداد مشروع مدونة الأسرة في صيغتها الجديدة طبقا للتعديلات المقترحة ، لا تُناقَش أية إصلاحات ملموسة لقانون الأسرة في الجزائر حالياً. يقتصر النقاش بين فعاليات المجتمع المدني والمنظمات النسوية حول ضرورة احداث اصلاحات على القانون ، حيث تتراوح المطالب بين الإلغاء أو التعديل .
وتضع مجموعة من النسويات في الجزائر جملة من الأولويات التي ترغب أن تشملها تعديلات القانون، مثل: المساواة في الولاية والحضانة، والحق في الزواج دون ولي، وضمان المساواة في الميراث وحرية التنقل.
تؤكد الناشطة النسوية “سيليا. ب ” لمنصة “هن” أنه من الضروري ضمان حقوق النساء في سوق العمل، خاصة في ظل تزايد مشاركتهن في مختلف المجالات الاقتصادية ، “بما أنكِ تتحدثين عن القوانين، أعتقد أن كل ما يتعلق بحقوق النساء في سوق العمل هو أمر أساسي وحيوي اليوم. لأننا نرى النساء أكثر فأكثر في مختلف الفضاءات الاقتصادية، ويبدو لي أنه كلما توفرت لهن الحماية القانونية ، استطعن تدبير أمورهن وتحقيق استقلاليتهن” .
وعن أولويات التعديل ترى سيليا ” من حق المرأة أن تخرج من الزواج بدون عنف، لأنه حق إنساني، لكن عندما ننظر للواقع اليوم، نرى أن معظم النساء لا يلجأن للخلع إلا بعد معاناة طويلة .. الخلع بالنسبة للكثير من النساء ليس خيارًا سهلاً أو متاحًا دائمًا، بل هو غالبًا حل أخير في وجه العنف. عندما تقول النساء إن “السكين وصل إلى العظم” ، فهن يعنين أنهن استنفدن كل الوسائل الأخرى.
وتضيف سيليا: “هناك أيضًا موضوع حساس جدًا، وهو عدم المساواة في الميراث، الذي يولّد شكلًا من أشكال العنف الاقتصادي. فنرى نساءً مسنّات لم يسبق لهن العمل في حياتهن، يُحرمن من نصيبهن في الميراث، ليجدن أنفسهن في الشارع. وهنا لا نتحدث فقط عن التهميش، بل عن تعرّضهن للعنف أيضًا.”
من جهتها، ترى الناشطة النسوية رونق ناصري أن بعض المواد القانونية، لو خضعت للتعديل، لأحدثت تغييرًا جذريًا في حياة النساء. وتوضح قائلة: “الأولوية بالنسبة لي تتعلق بكل ما يخص حضانة الأطفال. فعلى الرغم من أن الأم قد تحصل على الحضانة، إلا أنها لا تملك صلاحية إدارة الشؤون المالية لأطفالها. يضاف إلى ذلك مسألة الوصاية على النساء، التي تظل إشكالية كبيرة، لأن قانون الأسرة ما يزال يُعامل المرأة كقاصر طيلة حياتها.”
وتسعى بعض الجمعيات إحداث إصلاحات على قانون الأسرة مثل المناصرة التي قدمتها منظمة سيداف – مركز الإعلام والتوثيق لحقوق الطفل والمرأة – عام 2021 لتغيير الفقرة الأولى من المادة 66 من قانون الأسرة، التي تنص على إسقاط الحضانة عن الأم المطلقة في حال تزوجت مرة أخرى بغير قريب مِحرِم.
وتعود رونق للحديث عن أولويات التعديل، حيث تؤكد على الأهمية البالغة لتعزيز النصوص القانونية المرتبطة بالعنف، وخصوصًا الاعتراف بالاغتصاب الزوجي، قائلة: “للأسف، هو شائع جدًا في مجتمعنا، ومع ذلك لا يُطرح للنقاش بشكل كافٍ.” وتصرّ رونق على ضرورة تغليب الصالح العام، مضيفة: “لا ننطلق جميعًا من السياقات والظروف نفسها، فما يُعد أولوية بالنسبة لي قد لا يكون كذلك بالنسبة لنساء أخريات، وهذا أمر طبيعي.”
من جهة أخرى، وفيما يتعلق بضرورة تعديل القانون، ترى المحامية زميت عائشة في تصريح لمنصة “هنّ” أن: “قانون الأسرة الجزائري، مثل أي قانون وضعي، يحتوي على عدة نقائص، ويجري العمل في كل مرة على تحسينه ليتماشى مع تطور المجتمع، مع المحافظة على مصدر تشريعه.”
ويعزو حقوقيون أن البطء في إحداث تغييرات على مستوى القانون الذي يحكم مفاصل الأسرة الجزائرية إلى عدة أسباب من أبرزها غياب الإرادة السياسية.
نضال الحركة النسوية الجزائرية تجاه قانون الاسرة ..هل هو كاف ؟
حققت الحركة النسوية في الجزائر مكسبا مهما سنة 2015، من خلال المساهمة في تعديل قانون العقوبات وإقرار نص قانوني يجرّم العنف والتحرش ضد النساء ، رغم أن المطالب كانت تهدف إلى سن “قانون إطار” شامل يناهض العنف ضد النساء .
العملية لم تكن سهلة، خصوصاً في ظل اتهامات من التيار الإسلامي، بمحاولة تخريب الأسرة الجزائرية، منذ ذلك الحين تسعى المنظمات النسوية إلى الضغط من أجل إجراء تعديلات على عدة قوانين تمس المرأة .
بين مكتسبات الماضي و خبرة الجيل السابق تؤكد سيليا ، أنه من الضروري ابتكار وسائل جديدة للنضال تتماشى مع السياق الحالي ” نواجه لحظة معقدة فيها قمع واضح، أصبح فيه مجرد التجمّع أمر صعب. هذا الوضع فرض ظهور أشكال جديدة لحضور الحركة النسوية، مثل العمل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت منصات مهمة لنشر الوعي والمحتوى النسوي، خصوصًا بعد جائحة كوفيد” .
وتردف سيليا قائلة: “صحيح أننا لم نعد نستطيع دائمًا النضال في الفضاءات العامة كما كنا نفعل من قبل، لكنني أعتقد أننا اليوم ننتج الكثير من المحتوى التوعوي الذي وصل إلى جمهور أوسع، لأشخاص ربما لم يسبق لهم الاطلاع على قانون الأسرة أو لم يجدوا من يشرحه لهم.”
وتختم بالقول: “من المهم أن نواصل التذكير بما يحدث حاليًا، لأننا في كثير من الأحيان ننشغل بالتفكير في المستقبل وننسى التحديات الراهنة.”
من جهتها، تقارن رونق الحركة النسوية في الجزائر بالحركات النسوية في بلدان أخرى، سواء في إفريقيا أو في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي تتشابه في السياق. وتقول: “ألاحظ وجود شرخ كبير داخل الحركة النسوية نفسها. فرغم أن الهدف العام مشترك، إلا أن هناك تفرعات وانقسامات، وكل مجموعة فرعية ترفض التعاون مع الأخرى، مما يعيق التقدّم الجماعي.”
وتضيف رونق: “من جهة أخرى، لا يمتلك الجيل الجديد نفس التكوين أو الخلفية التي تمتع بها الجيل السابق. بالمقابل، نلاحظ أن النشاط الرقمي أصبح يشكّل جانبًا جديدًا ومهمًا في الحركة النسوية، لكنه في الوقت نفسه يساهم في خلق انقسام داخلها؛ إذ نجد جيلًا شابًا منخرطًا تمامًا فيه، مقابل آخرين يقاطعون هذا الشكل من النضال، رغم أنه يتيح لنا الوصول إلى جمهور واسع وبناء تأثير حقيقي.”
وتختم حديثها قائلة: “أعتقد أن أول ما يجب أن نبدأ به هو بناء قاعدة مشتركة وتوحيد الجهود من أجل تحقيق النتائج المرجوّة.”
وتخلص حقوقيات إلى القول إنّه بعد أربعة عقود من الجدل والمطالبة بالتغيير، ما يزال قانون الأسرة الجزائري ساحةً لتصادم مستمر بين تطلعات الحركة النسوية نحو المساواة الكاملة وبين ثقل الأعراف والتقاليد المجتمعية. فرغم التعديلات التي أُدخلت سنة 2005، إلا أنها لم تمس جوهر المواد التمييزية في القانون. وتشدد الحقوقيات على أنّ بطء الاستجابة لمطلب الإصلاح الجذري يعكس غياب إرادة سياسية حقيقية لإحداث تغيير يواكب تحولات المجتمع الجزائري ويعترف بالمكانة التي تستحقها المرأة فيه.














