قابلاتُ الصحراء.. ملائكةُ رحمةٍ يمشين على الرمال في ظروفٍ لا ترحم

في موريتانيا وفي مخيمات اللاجئين الصحراويين، لا تتوقف معركة خفض وفيات الأمهات عند بناء المراكز الصحية أو توفير الأدوية، بل تبدأ من تغيير أفكار راسخة حول تعليم الفتيات، الزواج المبكر، وحق النساء في الرعاية الصحية، وفي قلب هذه المعركة تقف القابلات، وهنّ يقدن تغييرًا اجتماعيًا لا يقل أهمية عن عملهن داخل غرف الولادة، نساء لا ليحملن سلاحًا بل سماعة طبيب، وجهازًا لقياس الضغط، وخبرةً قد تصنع الفارق بين الحياة والموت؛ إنهن قابلات الصحراء، اللواتي يخضن كل يوم معركة صامتة لإنقاذ الأمهات والمواليد.

الطريق نحو ولادة آمنة

يرنّ هاتف محمول من الجيل القديم بصوت حاد إلى جانب إبريق شاي يغلي على موقد جمرٍ، تلتقطه فاطمتو، ومن دون مقدمات، تطرح سؤالين: ما ضغط الدم؟ وما درجة اتساع عنق الرحم؟ تدون الإجابتين في دفتر ملاحظاتها، وترتدي مئزرها الوردي، وتضع في حقيبتها سماعة الطبيب، وشريط قياس الضغط، ومخروطًا من الألمنيوم، ثم تغادر منزلها ماشية عبر الشوارع الرملية المغبرة في وسط مدينة كيفه، شرقي موريتانيا، متجهة إلى المستشفى المركزي. 

وعلى بعد مئات الكيلومترات، في مخيمات اللاجئين الصحراويين شرق الجزائر، تنتظر مريم تحت شجرة طلح سيارةً رباعية الدفع ستقلّها عبر طرق هذه المنطقة من الصحراء القاسية، لم تكد تباشير الفجر الأولى تلوح حتى أصبح اليوم مناسبًا لزيارة ثلاثة مراكز صحية. 

وراء كل واحدة منهما قصة تحدٍ؛ فاطمتو ومريم ممرضتان وقابلتان قانونيتان، كسرتا قيودًا اجتماعية وعائلية حالت طويلًا دون تعليم الفتيات، لتشقّا طريقهما نحو مهنة لا تقتصر على استقبال الحياة، بل تمتد إلى حماية النساء من الموت الذي يرافق الحمل والولادة في هذه الفيافي الموحشة، وما بدأ حلمًا شخصيًا بمستقبل أفضل، تحول اليوم إلى رسالة لإنقاذ أخريات.

في هذين المنطقتين، تكشف معدلات وفيات الأمهات أثناء الحمل والولادة عن أرقام صادمة؛ ففي المخيمات رغم غياب أرقام الوفيات في صفوف الأطفال والأمهات، يعاني ما يصل إلى 39 بالمائة من الأطفال بالمخيمات من فقر الدم حسب أرقام الأمم المتحدة، بينما تفقد 582 امرأة حياتها في موريتانيا مقابل كل مئة ألف ولادة.

وتكمن الأسباب الرئيسية في نزيف ما بعد الولادة ونقص الإمكانيات اللازمة لعلاجه، غير أن هناك عوامل متعددة تغذي هذه المأساة الصامتة التي تعانيها النساء في هذين المكانين؛ فإن الفقر وضعف البنية التحتية بمخيمات اللاجئين هي سبب هذا الوضع.

أما في موريتانيا، فتؤدي أشكال التمييز القائم على النوع الاجتماعي، والمستندة إلى معتقدات ثقافية ودينية تكرّس قهر النساء وتهميشهن وإقصاءهن، دورًا أساسيًا في ترسيخ هذه الأرقام التي تعجز وحدها عن وصف الواقع، ومن أبرز الأمثلة على ذلك الزواج القسري والمبكر.

تنزل مريم من السيارة وتتجه إلى مبنى ذي سقف من الزنك، تحيط به الرمال، على أطراف مخيمٍ من بيوت الطين والخيام. وهناك، في غرفة صغيرة تضم مكتبًا وسريرًا للفحص، تستقبل النساء وتتابعهن قبل الولادة وبعدها. 

واليوم تنتظرها أمينة وعلية، وهما شابتان حاملان في شهريهما الخامس والسادس، تقيس لهما ضغط الدم، وتصغي إلى نبض الجنين، وتطعمهما، بينما يتبادلن أطراف الحديث عن تفاصيل الحياة اليومية. وبعد أن تودعهما، تتصفح بعض اللوحات البلاستيكية المزودة برسوم توضيحية ذات طابع تقليدي، إيذانًا ببدء مهمة تمنحها شعورًا عميقًا بالرضا؛ ورشة توعوية حول تنظيم الأسرة لمكافحة الزواج والأمومة المبكرين.

تقول مريم لمجموعة من الرجال والنساء الجالسين على الحصير يستمعون إليها: “الزواج المبكر يخرج الفتيات من المنظومة التعليمية، لأنهن يُجبرن على البقاء في المنزل للحمل والقيام بأعمال الرعاية”.

وتوضح القابلة أن مؤسسة الزواج تفرض على الفتيات إقامة علاقات جنسية مع بالغين، ثم يدخلن مرحلة الحمل من دون أي متابعة أو رعاية صحية، ويضعن مواليدهن في قراهن بمساعدة القابلات التقليديات. 

وترى أن هؤلاء القابلات لا يملكن الوسائل ولا الخبرة الكافية لمواجهة المخاطر والمضاعفات التي قد تظهر قبل الولادة أو أثناءها أو بعدها. وتؤكد أن صحة الفتيات وحياتهن تصبحان في خطر منذ اللحظة التي يُتفق فيها على تزويجهن. وتحذر قائلة: “لقد أدى هذا الوضع إلى أن تضع عدد من القاصرات حدًا لحياتهن؛ في كثير من الدول”.

المخاطر والمضاعفات

ارتفاع ضغط الدم، والنزيف، والسكري، والخراجات، والناسور، والالتهابات، وهبوط الرحم، كلها أسباب قد تودي بحيوات النساء أثناء الولادة أو بعدها. وهي مضاعفات كان بالإمكان الحد منها بدرجة كبيرة لو توفرت المعلومات، والرعاية السابقة للولادة واللاحقة لها؛ لكن في هذه المناطق، يبقى الآباء هم أصحاب القرار في ما يتعلق بصحة الزوجات والأطفال.

وفي وموريتانيا، يرفض كثير من الرجال أن تفحص زوجاتهم الحوامل لدى طبيب رجل، بحجة أن ذلك يمس شرف الأسرة وكرامة المرأة. وتقول فاطمتو، التي درست التمريض في تونس، ثم تخصصت في مرافقة نساء القرى أثناء الولادة: “هنا تحديدًا يمكن للمرء أن يحدث تحولات اجتماعية حقيقية، وأن يكسر الأنماط الجامدة والمحرمات، ويشكك في الامتيازات التي يتمتع بها الرجال على حساب النساء”.

وأدى الانقطاع عن الدراسة وضعف الآفاق التعليمية إلى خلو الجامعات تقريبًا من النساء، فلم يعد سوى عدد قليل منهن يحصلن على شهادات تؤهلهن للعمل في القطاع الصحي. 

ويكشف غياب الطبيبات وأخصائيات أمراض النساء والولادة أن سلسلة أشكال القهر التي تتعرض لها المرأة لا تنتهي عند الزواج القسري، بل تمتد إلى تقويض مشروع حياتها بأكمله. وفي مفارقة مأساوية، أدى نقص الكوادر الصحية النسائية إلى دفع الرجال، بوصفهم أرباب الأسر وصناع القرار، إلى منع زوجاتهم من إجراء فحوصات ما قبل الولادة في المراكز الصحية، وإجبارهن على الولادة داخل المنازل بمساعدة القابلات التقليديات، مع ما يترتب على ذلك من مخاطر جسيمة.

ويضاف إلى ذلك البعد الكبير بين المدن والقرى، وغياب وسائل النقل، وهو ما يمثل عقبة أخرى أمام تحسين هذا الواقع. ولمواجهة هذه التحديات، أطلقت وزارة الصحة الموريتانية، بدعم من مؤسسة “إكسبيرتيز فرانس”، وبالتعاون مع منظمات محلية شريكة، برنامجين يهدفان إلى خفض معدلات الوفيات وتحسين البنية التحتية والخدمات الصحية، بما يضمن رعاية أولية وخدمات صحة جنسية وإنجابية ذات جودة.

وتوضح سارا بيتزوكارو، منسقة المشروع في موريتانيا، أن البرنامج يهدف إلى “تحسين صحة الأمهات وحديثي الولادة والأطفال، وتعزيز الصحة الجنسية والإنجابية، من خلال تطوير النظام الصحي وبنيته التحتية، والعمل بالشراكة مع المجتمعات المحلية”، وهو نهج يسهم في الحد من العنف ضد النساء وتعزيز المساواة بين الجنسين.

هذه القابلة الموريتانية، فهي واحدة من مئات النساء اللواتي تحدين هذا النظام؛ حيث درست في نواكشوط وتونس، ثم انتقلت إلى مدينة كيفة، في ولاية العصابة، لمرافقة النساء القرويات ومساعدتهن أثناء الحمل والولادة. 

تؤمن في عملها اليومي بأن التعليم، حين يقترن بالموارد والبنية التحتية، يمتلك قدرة حقيقية على إحداث التغيير. وفي كيفة، جرى تأهيل مراكز صحية، وإنشاء وحدات للرعاية السابقة واللاحقة للولادة، إضافة إلى قاعة ولادة مجهزة بالمعدات اللازمة، مع توفير برامج للتكوين.

وتقوم كل من فاطمتو في موريتانيا ومريم في مخيمات تندوف بحملات توعية للأسر حول أهمية متابعة الحمل طبيًا. وساهم ذلك في أن تتم نحو 100 بالمائة من الولادات الجديدة، على يديهما داخل مراكز صحية وتحت إشراف مختصين. 

وتشعران بفخر كبير بهذه النتائج، مؤكدات على أنهن لا يغادران إلى بيوتهما قبل التأكد من حصول جميع النساء على الرعاية والاهتمام اللذين يستحققنهما، تقديرًا للجهد الكبير الذي يبذلنه للوصول إلى المستشفى.

فمع كل رنين هاتفٍ قبل الفجر، وكل حقيبةٍ تُحمل فوق الكتف، وكل رحلةٍ عبر الرمال، تبدأ معركة جديدة لإنقاذ أم وطفل، بالنسبة لفاطمتو ومريم، ليست القابلة مجرد مهنة، بل وعدٌ بالحياة في أماكن ما تزال الولادة فيها معركةً يومية مع الفقر والعزلة والتمييز. 

اقرأ أيضا

  • حرمان من الإرث والأرض.. أكثر من نصف نساء تونس يتنازلن عن حقهنَّ لفائدة الذكور 

    نجحت هاجر ميداسي، في التحول من امرأة منقطعة عن الدراسة في سن مبكر؛ إلى واحدة من أكبر فلاحات منطقتها بالجنوب الغربي للبلاد التونسية، وذلك خلال بعض السنوات فقط من العمل في القطاع الفلاحي. فبعد أن مكنها جدها من هبة عبارة عن أرض فلاحية بمنطقتهم الواقعة في إحدى معتمديات ولاية قفصة، قررت أن تشتغل بكل جهدها…

    ريم بلقاسم|

  • عاملات النظافة بالمركز الاستشفائي الجامعي بفاس ينتفضنَ من أجل حقوقهنّ 

    منذ سنوات تخوض بشرى، عاملة نظافة بالمستشفى الجامعي CHU وكاتبة داخل نقابة مكتب عاملات النظافة بالمستشفى وزميلاتها معارك متتالية، من أجل الإنصاف والكرامة ومن أجل حقوقهنّ ومستحقاتهنَّ، ففي يوم الـ16 من يونيو الجاري، وأمام المركز الاستشفائي، اصطفّت العاملات تحث أشعة الشمس، يرفعنَ لافتات وشعارات تحمل معها سنوات من التهميش وأوضاع مهنية يصفنهَا بالقاسية.  نساء يقضين…

    Hajar|

  • من ورقة الامتحان إلى ورقة الاتهام.. طالبة تونسية تواجه تهمة التشهير لأنها قالت الحقيقة 

    في قاعة امتحان جامعية، حيث يُفترض أن تُقاس قدرات الطلبة لا مدى صمتهم، وقعت حادثة جعلت من مرام الجبري، طالبة بالسنة الثالثة بـ”كلية العلوم القانونية والاقتصادية والتصرف” بمدينة جندوبة (أقصى الشمال الغربي)، ضحية مزدوجة؛ أولًا للتحرّش داخل مؤسسة تعليمية، وثانيًا لمحاولة إسكاتها قانونيًا من خلال شكاية بالتشهير والثلب تقدم بها الأستاذ الذي اتهمته، أمام فرقة…

    Hounna | هنّ|

  • “شردونا وانتزعوا منا حقوقنا”.. صرخة عاملة مغربية بمصنع للنسيج في مكناس 

    "مازلت صامدة، رغم أنهم شردونا وانتزعوا منا صفات الأمومة، أنا هنا قوية، فلو جردونا حتى من ملابسنا، ومزقوا كل أفرشتنا المهترئة، سنبقى أوفياء لقضيتنا. أنا مازلت صامدة وقوية، رغم كل المؤامرات التي يدبرها النظام الرجعي، البيروقراطية النقابية والباطرونا.. سأعود إليكم لأعانقكم، فأعذروني إن تأخرت عنكم لأن الجلاد يتلذذ بمعاناتنا، نحن العاملات لا نملك سوى صمودنا…

    شادي بخاري|