تُشكل تجارة الملابس المستعملة المعروفة محليًا في موريتانيا باسم “فُوكُوجَايْ”، جزءًا بارزًا من النشاط التجاري ،توفر للكثيرين متطلباتهم من اقتناء ملابس بأسعار منخفضة، مقارنة بالملابس الجديدة المستوردة.
وفي قلب العاصمة الاقتصادية نواذيبو، وتحديدًا في شوارعها الحيوية وأسواقها المفتوحة، تنتشر بائعات الملابس المستعملة، إنهنَّ بصمةٌ يومية من بصمات النشاط التجاري غير الرسمي في موريتانيا.
هذه التجارة، التي باتت جزءًا من المشهد الحضري، لا تمثل مجرد بيع وشراء، بل تحكي قصص كفاح نساء وجدن في هذا النشاط مصدر رزق يضمن لهن ولأسرهن الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.
تجارة الملابس المستعملة
تُعد الملابس المستعملة “فُوكُوجَايْ”، خيارًا مفضّلًا لدى فئات واسعة من المجتمع، نظرًا لأسعارها المناسبة وتنوعها، وتشكّل هذه التجارة مصدر دخل مباشر للعديد من النساء اللواتي يعملن على الأرصفة أو في بسطات بسيطة، مستندات على رأس مالٍ محدود، وطموح كبير في تحسين أوضاعهن المعيشية.
في وسط نواذيبو، تتخذ هذه التجارة طابعًا يوميًا منتظمًا؛ إذ تبدأ البائعات يومهن في ساعات مبكرة، يفترشن الأرصفة أو ينظمن بضائعهن في مساحات ضيقة، على أمل تحقيق ربح يومي يكفي لتغطية احتياجات الأسرة.
آمنة، واحدة من هاته النسوة اللاتي يعشن من بيع “فُوكُوجَايْ”، امرأة لم تختر الشارع، لكنّها اختارت أن تقاوم من أجل بيتها، فهي أم لأربعة أطفال، في منتصف الثلاثينيات من عمرها.
في مدينة نواذيبو، تحكي آمنة لمنصة “هنَّ”، عن تجربتها مع هذه المهنة قائلةً: “يبدأ يومي قبل الفجر، أستيقظ على صوت المنبه، أحاول أن أستجمع طاقتي ليومٍ طويل. أوقظ أطفالي بهدوء، أساعدهم في ارتداء ملابسهم، وأحرص أن يخرجوا إلى المدرسة بابتسامة… حتى لو كنتُ أخفي قلقي خلفها”.
وبعد أن يغادر أبناؤها، تحمل آمنة كيس الملابس الكبير على رأسها، وتنطلق في رحلة البحث عن ما يسد رمقهم، “أحيانًا أشعر بثقله على كتفي أكثر من رأسي، ليس لأنه مليء بالملابس فقط، بل لأنه يحمل مسؤولية بيتٍ كامل… أمشي إلى السوق بخطوات أعرفها جيدًا، وأبحث عن مكاني المعتاد على الرصيف” توضح آمنة.
وتضيف آمنة في حديثها لـ”هنَّ”، “أفرش قطعة بلاستيكية على الأرض، وأبدأ في ترتيب البضاعة قطعةً قطعة. أقوم بتوضيب الفساتين بيدي، أعلق بعضها على حبل صغير، وأضع ملابس الأطفال في الأمام. أتعامل مع تلك القطع كأنني أرتب بيتي، لأن هذا العمل هو الذي يحفظ بيتي قائمًا”.
“أبيع المعاطف وأنا أرتجف”
تسرد آمنة أنها لم تخطط يومًا للعمل في الشارع، ولا كان يخطر على بالها أن تصبح بائعةً لـ”فُوكُوجَايْ”؛ تلك الملابس المستعملة التي نشطت تجارتها بموريتانيا في أواخر سنوات السبعينات من القرن الماضي؛ ولكن “حين مرض زوجي وفقد عمله، وجدت نفسي أمام خيار واحد، أن أتحرك”، تقول آمنة لـ”هنَّ”.
في حديثها لـ”هنَّ”، تتذكر آمنة بداية خوض التجربة، “اشتريت ‘بَُُالوطَة’، (حزمة ملابس) صغيرة بالدَّين. كنت خائفة جدًا في البداية. لم أعتد الجلوس في الشارع، ولم أكن أعرف كيف أنادي على الزبائن أو أساوم في الأسعار. كنت أشعر أن العيون كلها تنظر إليّ. لكن الحاجة كسرت الخوف داخلي”.
وتقول آمنة، “أبيع الفساتين وملابس الأطفال بأسعار بسيطة، لأن زبائني مثلي، يبحثن عن الأرخص ليسترن بيوتهن. أحيانًا يكون اليوم جيدًا، أعود ومعي ما يكفي لشراء الطعام وربما سداد جزء من الدّيون. وفي أيام أخرى، أجلس ساعات طويلة دون بيع، فأعود إلى البيت مثقلة بالقلق؛ كيف سأدفع الإيجار؟ ماذا لو مرض أحد الأطفال؟”.
وتوضح آمنة خوفها وآلامها لهذه المنصة حيث أن “أكثر ما يؤلمني هو البرد، أبيع المعاطف للناس، وأنا أرتجف خلف بضاعتي. وفي الازدحام أخاف من السرقة، أراقب القطع باستمرار، لأن خسارة قطعة واحدة قد تعني خسارة ربح يوم كامل”.
“أنا لا أطلب الكثير. لا أريد إلا مكانًا صغيرًا، سقفًا يحميني من الشمس والمطر، ومساحة أعمل فيها دون خوف من الطرد أو المضايقات. أريد أن أكبر في عيون أطفالي كامرأة كافحت بشرف، لا كامرأة جلست على الرصيف مرغمة”، تقول آمنة بحزن وحسرة.
التحديات التي تواجه البائعات
تعاني البائعات اللاتي يعرضن سلعهنَّ على الأرصفة، من غياب فضاء منظم وآمن، فهنّ يعملن داخل فضاء غير مهيأ، حيث تفتقر الأرصفة إلى أبسط مقومات البيع المنظم، من مظلات تحمي من حرارة الشمس، إلى أماكن تخزين آمنة للبضائع.
كما أن غياب موقع رسمي مخصص لهن يجعلهن عرضة للإزالة أو التنبيه في أي وقت، ناهيك عن المضايقات والتوتر مع بعض التجار، بالإضافة إلى
أن بعض البائعات يعشن توترًا مع أصحاب المحلات التجارية المجاورة، الذين يعتبرون وجود البسطات أمام محلاتهم منافسة مباشرة أو إعاقة لحركة الزبائن. وأحيانا يتطور هذا الاحتكاك، إلى مضايقات لفظية أو مطالبات بإبعادهن عن المكان.
وبسبب غياب التنظيم القانوني، تعيش البائعات حالة من عدم اليقين؛ فقد يُطلب منهن تغيير المكان أو مغادرته دون سابق إنذار. وهذا يؤثر بشكل مباشر على دخلهن اليومي، الذي غالبًا ما يكون المصدر الأساسي لإعالة أسر كاملة.
وتعمل النساء لساعات طويلة تحت أشعة الشمس أو في الأجواء الباردة، دون مرافق خدمية قريبة، ما يضاعف من المشقة الجسدية والنفسية. ورغم ذلك، تواصل العديد منهن العمل بدافع الحاجة والمسؤولية الأسرية.
وتطالب بائعات الملابس المستعملة، في وسط نواذيبو بتوفير مكان مخصص ومعروف لمزاولة نشاطهن بشكل رسمي، وبناء فضاء آمن ومنظم يحميهن من المضايقات والتوترات.
وتشدد البائعات اللاتي حدثتهن منصة “هنَّ”، على ضرورة تخصيص سوقٍ أو رواقٍ منظمٍ زي لَهُنّ، لن يخدمهن فقط، بل سيسهم كذلك في تنظيم المدينة وتحسين المشهد الحضري ودعم الاقتصاد المحلي. فتجارة الملابس المستعملة في وسط نواذيبو ليست مجرد نشاط بسيط على الأرصفة، بل هي وسيلة عيش لنساء يكافحن يوميًا من أجل أسرهن.
وبين تحديات الواقع وطموح الاستقرار، تبقى مطالبهن في توفير مكان آمن ومنظم خطوة أساسية نحو تمكينهن اقتصاديًا واجتماعيًا، وتحويل هذا النشاط من هامش غير منظم، إلى قطاع يعكس روح العمل والاجتهاد في المجتمع.
سعيٌ للاعتراف
في 11 فبراير المنقضي، شهدت “داخلت نواذيبو” وقفةً احتجاجية قادتها عشرات النساء العاملات في بيع الملابس المستعملة، المعروفة محليًا باسم “فوكوجاي”، أمام مقر الولاية، في خطوة تعكس تصاعد مطالب العاملات في القطاع غير المصنف سعيًا إلى اعتراف رسمي بوجودهن داخل الفضاء التجاري المنظم.
الوقفة، التي جاءت للمطالبة بتخصيص أماكن عرض داخل السوق المركزي بدل الأرصفة، سلّطت الضوء على واقع تعيشه نحو مائة سيدة يزاولن نشاطهن منذ سنوات في محيط سوق.
وحسب المتحدثة باسم المحتجات، فاطمة بنت سيدينا، فإن العمل في الشارع “لا يعرّضهن فقط لمخاطر السرقة والمضايقات، بل يضعهن أيضًا في احتكاك دائم مع أصحاب المحلات المجاورة، ما يخلق توترات متكررة ويهدد مصدر رزقهن الهش”.
ويتمثل المطلب الأساسي للمحتجات يتمثل في توفير فضاءات آمنة ومنظمة تضمن لهن الكرامة والاستقرار المهني، بدل البقاء في وضعية رمادية بين الحاجة الاقتصادية وغياب التأطير القانوني.
وتعكس تلك الخطوة إشكالية أوسع تتعلق بموقع النساء في الاقتصاد غير المهيكل، حيث يشكل البيع بالتقسيط والملابس المستعملة مصدر دخل رئيسي للأسر محدودة الموارد، في ظل محدودية فرص الشغل البديلة.
أكثر من تجارة بسيطة
وفي الوقت الذي تبقى هذه المطالب حبيسة صدور بائعات “فُوكُوجَايْ”، ومعلّقةً على إرادة سياسية قد تأتي أو تتأخر، ماتزال آمنة والعشرات من أمثالها يخرجن كل صباح إلى المكان ذاته، يحملن أكياسهن الثقيلة وقلوبهنَّ المثقلة بالهم والأمل.
تمشي آمنة إلى رصيفها المعتاد في نواذيبو، تفترش الأرض نفسها، وترتب القطع ذاتها، كأنها تعيد ترتيب حياتها كل يوم من جديد؛ تبيع المعاطف وهي ترتجف، وتساوم بابتسامة، وتخفي قلقها خلف كلمات بسيطة، طالما ألفها بلسمًا لبؤس الحال الفقراء وتعايشوا معها كتعويذة يومية تخفي وراءها كل الشقاء؛ “الحمد لله”.
وبالنسبة لآمنة، لا تبدو المطالب كبيرة؛ فهي تتمثل في مجرد سقف يحميها، ومكان ثابت لا يُنتزع منها، واعتراف بأن ما تفعله ليس مخالفة عابرة، بل عمل شريف يحفظ بيتًا من الانهيار.
وإلى أن يتحقق ذلك، سيبقى الرصيف شاهدًا على صبرها، وستبقى “فُوكُوجَايْ” أكثر من تجارة بسيطة، إنه حكاية نساءٍ اخترن أن يقاومن، كي لا تضيع حيوات أطفالهنّ، فبسمات الأبناء تكون أحيانًا دفء الأمهات فوق الأرصفة الباردة.



















