في البداية اعتقدتُ أنها مزحة، أو في أسوأ الأحوال فيضان من تلك الفيضانات التي تعوّدنا أن نسمع عنها ثم تمرّ. لكن الصور كانت تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي بلا رحمة، وكل صورة كانت تسحبني خطوة أبعد عن التصديق.
كنتُ أحاول أن أكذّب نفسي: هل هذه فعلًا القصر الكبير؟ هل هذه مدينتي؟ لكنني لا أستوعب. ومع ذلك قلتُ في داخلي: كل الحكاية يوم…أو يومان… وسينحسر الماء، وتعود الحياة إلى طبيعتها كما كانت دائمًا. لكن الذي حدث كان عكس ذلك تمامًا؛ الأوضاع كانت تسوء، والمياه كانت تزداد، وفجأة أصبح كل سكان المدينة مطالبين بمغادرة بيوتهم، دون أن نعرف إلى أين سنذهب، ولا كم سيدوم هذا الوضع.
مثل جميع أبناء مدينتي، لم نكن قد أفقنا بعد من الصدمة، وإذا بنا في أيام قليلة نتحول إلى نازحين في مدن أخرى، نحمل معنا إحساس القهر، والألم، والحيرة، ووجع الاقتلاع. لم يخطر ببالنا يومًا أننا سنعيش هذا الكابوس.
مدينتنا..ٱه يا مدينتنا.. لم تكن مجرد نقطة على خريطة، كانت جزءًا من القلب، وقطعة من الروح، علاقة لا تنفصل بين الأرض وأهلها، حيث يكاد الجميع يعرف الجميع، ويجمعنا دفء الألفة قبل قرب المسافات.
تلك المدينة قد احتضنت طفولتي ومراهقتي وشبابي، واحتضنت قبل ذلك أعمار والديّ وأجدادي. شوارعها تحفظ خطواتنا، جدرانها تحفظ ضحكاتنا، وأزقتها تشهد على حكاياتنا الصغيرة التي صنعت حياتنا. مدينة لا تنام؛ تخرج إليها في أي وقت، حتى في ساعات الليل المتأخرة، فلا تجدها خالية، كأنها تقول لنا دائمًا: أنا هنا لأحتويكم.
لكن ذلك اليوم… لم يكن كباقي الأيام. يوم تمنّيت لو لم أكن شاهدة عليه. صوت بكاء أمي، إصرار جدتي على عدم مغادرة البيت، بكاء صديقاتي عبر الهاتف، خوف يتسلل إلى الصدر دون استئذان، واتصالات لا تنتهي بالأهل والأحباب والأصدقاء. ألم وحرقة يتركان في القلب شرخًا لا يندمل. نسأل ونُسأل: أين أصبحتم؟ هل أنتم بخير؟ إلى أين تأخذنا الطرق؟
كان المشهد موجعًا حدّ العجز عن الفهم: دخول الجيش، إجراءات الإجلاء، والبدء في إقامة مراكز الإيواء. وفجأة، وفي غفلة منا، تحولت المدينة التي كانت تشبه حضن الأم إلى مكان غير آمن، وصِرنا نحن أبناءها مضطرين لمغادرتها نحو مستقبل مجهول. تلك اللحظات لا تُوصف، ولا يستوعبها عقل؛ هي صور محفورة في الذاكرة، ووجع يسكن القلب، وحنين يزداد كلما ابتعدنا خطوة.
واليوم، ونحن على مشارف أسبوعين من الكارثة، لا تزال الأسئلة تتكدّس في رأسي بلا أجوبة: هل ستعود حياتنا كما كانت فعلًا؟ وكيف يمكن للروح أن تشفى من صدمة لم تكن مستعدة لها؟ كيف لنا أن نثق في الطبيعة بعد الآن، بعد أن رأيناها تنقلب فجأة من مصدر للأمان إلى تهديد؟ هل نحن مهددون مستقبلًا؟ هل سنُجبر على عيش هذا السيناريو كل سنة، نعدّ الخسائر، نرمّم البيوت، ونرمّم قلوبنا بصعوبة أكبر؟
أسئلة ثقيلة، لا تخصّنا كأفراد فقط، بل تخصّ مدنًا بأكملها، وتخصّ علاقة الإنسان بمحيطه، وبالقرارات التي تُتخذ – أو لا تُتخذ – باسمه. مسؤولية من ما نعيشه؟ هل هي الطبيعة وحدها حين تثور؟ أم التقصير؟
ما نعيشه اليوم ليس مجرد كارثة، بل جرح مفتوح، واختبار قاسٍ للذاكرة، وللثقة، ولقدرتنا على الاستمرار دون أن نفقد الإحساس بالأمان.



















