فيضان القصر الكبير.. حين تعرّي الكارثة هشاشة البنى التحتية في المغرب

في البداية اعتقدتُ أنها مزحة، أو في أسوأ الأحوال فيضان من تلك الفيضانات التي تعوّدنا أن نسمع عنها ثم تمرّ. لكن الصور كانت تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي بلا رحمة، وكل صورة كانت تسحبني خطوة أبعد عن التصديق.

كنتُ أحاول أن أكذّب نفسي: هل هذه فعلًا القصر الكبير؟ هل هذه مدينتي؟ لكنني لا أستوعب. ومع ذلك قلتُ في داخلي: كل الحكاية يوم…أو يومان… وسينحسر الماء، وتعود الحياة إلى طبيعتها كما كانت دائمًا. لكن الذي حدث كان عكس ذلك تمامًا؛ الأوضاع كانت تسوء، والمياه كانت تزداد، وفجأة أصبح كل سكان المدينة مطالبين بمغادرة بيوتهم، دون أن نعرف إلى أين سنذهب، ولا كم سيدوم هذا الوضع.

مثل جميع أبناء مدينتي، لم نكن قد أفقنا بعد من الصدمة، وإذا بنا في أيام قليلة نتحول إلى نازحين في مدن أخرى، نحمل معنا إحساس القهر، والألم، والحيرة، ووجع الاقتلاع. لم يخطر ببالنا يومًا أننا سنعيش هذا الكابوس. 

مدينتنا..ٱه يا مدينتنا.. لم تكن مجرد نقطة على خريطة، كانت جزءًا من القلب، وقطعة من الروح، علاقة لا تنفصل بين الأرض وأهلها، حيث يكاد الجميع يعرف الجميع، ويجمعنا دفء الألفة قبل قرب المسافات.

تلك المدينة قد احتضنت طفولتي ومراهقتي وشبابي، واحتضنت قبل ذلك أعمار والديّ وأجدادي. شوارعها تحفظ خطواتنا، جدرانها تحفظ ضحكاتنا، وأزقتها تشهد على حكاياتنا الصغيرة التي صنعت حياتنا. مدينة لا تنام؛ تخرج إليها في أي وقت، حتى في ساعات الليل المتأخرة، فلا تجدها خالية، كأنها تقول لنا دائمًا: أنا هنا لأحتويكم.

لكن ذلك اليوم… لم يكن كباقي الأيام. يوم تمنّيت لو لم أكن شاهدة عليه. صوت بكاء أمي، إصرار جدتي على عدم مغادرة البيت، بكاء صديقاتي عبر الهاتف، خوف يتسلل إلى الصدر دون استئذان، واتصالات لا تنتهي بالأهل والأحباب والأصدقاء. ألم وحرقة يتركان في القلب شرخًا لا يندمل. نسأل ونُسأل: أين أصبحتم؟ هل أنتم بخير؟ إلى أين تأخذنا الطرق؟

كان المشهد موجعًا حدّ العجز عن الفهم: دخول الجيش، إجراءات الإجلاء، والبدء في إقامة مراكز الإيواء. وفجأة، وفي غفلة منا، تحولت المدينة التي كانت تشبه حضن الأم إلى مكان غير آمن، وصِرنا نحن أبناءها مضطرين لمغادرتها نحو مستقبل مجهول. تلك اللحظات لا تُوصف، ولا يستوعبها عقل؛ هي صور محفورة في الذاكرة، ووجع يسكن القلب، وحنين يزداد كلما ابتعدنا خطوة.

واليوم، ونحن على مشارف أسبوعين من الكارثة، لا تزال الأسئلة تتكدّس في رأسي بلا أجوبة: هل ستعود حياتنا كما كانت فعلًا؟ وكيف يمكن للروح أن تشفى من صدمة لم تكن مستعدة لها؟ كيف لنا أن نثق في الطبيعة بعد الآن، بعد أن رأيناها تنقلب فجأة من مصدر للأمان إلى تهديد؟ هل نحن مهددون مستقبلًا؟ هل سنُجبر على عيش هذا السيناريو كل سنة، نعدّ الخسائر، نرمّم البيوت، ونرمّم قلوبنا بصعوبة أكبر؟

أسئلة ثقيلة، لا تخصّنا كأفراد فقط، بل تخصّ مدنًا بأكملها، وتخصّ علاقة الإنسان بمحيطه، وبالقرارات التي تُتخذ – أو لا تُتخذ – باسمه. مسؤولية من ما نعيشه؟ هل هي الطبيعة وحدها حين تثور؟ أم التقصير؟

ما نعيشه اليوم ليس مجرد كارثة، بل جرح مفتوح، واختبار قاسٍ للذاكرة، وللثقة، ولقدرتنا على الاستمرار دون أن نفقد الإحساس بالأمان.

اقرأ أيضا

  • اللاإنجابية.. نساء يتمردن على غريزة الأمومة في مواجهة مع المجتمع

    "لا أتصور نفسي صحبة رضيع طوال الوقت، أتكلف بكل تفاصيل يومه، جهد كبير جدا لا أجدني مستعدة له، بل لست على استعداد لأحمل ثقلا لتسعة أشهر، وأشتغل، وأسافر… لدي طموح أكبر من إنجاب أطفال أهديهم حياتي التي بنيتها بعناء، وجهد"، هكذا بدأت أسماء تفسر قرارها في ما بات يعرف بـ"اللاإنجابية"، وهو قرارٌ طوعي بعدم إنجاء…

    سناء كريم|

  • جحيم شركات “الكابلاج”.. بديل للبطالة ينهك صحة المغربيات 

     "صحتي مشات"، تقول صفاء بصوت منهك، يعتريه حزن وحنق كبيران، قبل أن تظهر الشابة ذات الـ29 سنة أوراق الفحوصات والشواهد الطبية التي تؤكد إصابتها بمشاكل في الظهر والعمود الفقري، بعد أربع سنوات من العمل في إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية، والموجهة لصناعة السيارات بمدينة القنيطرة. الشابة الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع، تحكي…

    هاجر اعزة|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • أميرة محمد: وضع حرية التعبير في تونس أخطر مما كانت عليه في عهدي بن علي وبورقيبة

    منظمات دولية وجمعيات محلية مستقلة في تونس، تنبه إلى تصاعد  مستوى قمع الإعلام وحرية التعبير، وتعبّر عن تخوفها من المحاكمات القضائية لصحفيين وإعلاميين ومعلقين، بسبب الرأي الذي بدأ منسوب حريته يتناقص في البلاد.  وتأتي هذه المتابعات قبل الانتخابات الرئاسية الأولى، في فترة ما بعد الـ25 جويلية 2021، وفي ظل توجه ممنهج لتقويض القضاء، سجن عشرات…

    ريم بلقاسم|

  • إبتسام تبات: حين تتكلّم النساء بجرأة سياسية يُعاد تأطير خطابهنَّ أخلاقيًا بدل مناقشته سياسيًا

    الدفاع عن حقوق الإنسان اليوم، ليس ترفًا نضاليًا نخبويًّا، بقدر ماهو المحرك الأساسي لصون الديمقراطية وحماية الفئات الهشّة، فالدفاع عن الحقّ في الحياة، والحقّ في الصحّة، وحريّة التعبير وغيره من الحقوق المشروعة هي ضرورة حتمية، كما أنّه تكريس للعدالة الاجتماعية، وضمان لعدم ترك أيّ مواطن عالقًا في منطقة رمادية مهمّشة، ممّا يجعل من المدافعين والمدافعات…

    أميمة عدواني|

  • “أُفضّل الموت على العودة”: مجتمع الميم- عين في سبتة بين اللجوء والبحث عن أمان مفقود

    "أنقذوني من الغرق.. كنت على وشك الموت"، بهذه الكلمات تستعيد سيلي (اسم مستعار) اللحظات التي كادت تنتهي فيها حياتها أثناء محاولتها العبور نحو سبتة المحتلة، وتروي "حين علمت أن أبواب سبتة فُتحت، لم أفكر مرتين، توجهت إلى البحر وبدأت أسبح نحو الضفة الأخرى، بيد مصابة بجرح عميق.. وبينما كنت أحاول تجاوز الحاجز البحري، خارت قواي،…

    شادي بخاري|

  • القمع والعنف في مشهد حقوقي متدهور.. “أمنستي” تصدر تقريرًا أسودا يكشف واقع النساء المغاربيات حقوقيًا

    في تقريرها السنوي لعام 2024، سلّطت منظمة العفو الدولية الضوء على التدهور المقلق لحقوق الإنسان في منطقة المغرب الكبير — والتي تشمل المغرب، الجزائر، تونس، وليبيا — مع توثيق نمط مشترك من القيود المتصاعدة على الحريات، والاعتقالات التعسفية، والقمع المنهجي للاحتجاجات السلمية، في ظل ما وصفته المنظمة بأنه حملة مستمرة لإسكات الأصوات المعارضة، من بينها…

    Hounna | هنّ|

  • “ساعة الخصوبة” بين العلم والمجتمع.. كيف يحرّر تجميد البويضات خيارات النساء؟

    على مدى سنوات، ظلّ موضوع الخصوبة محاطاً بسياج من التحفّظ والهمس الاجتماعي، وكأنه واحد من التابوهات المحرمة. لكن التطورات العلمية المتسارعة، وعلى رأسها تقنية تجميد البويضات (Egg Freezing)، دفعت هذا الملف إلى الواجهة بقوة. فالإجراء الذي بدأ كحلّ طبي ضروري للنساء اللواتي يواجهن أمراضاً تهدّد قدرتهن على الإنجاب، تحوّل اليوم إلى خيار استراتيجي لنساء يرغبن…

    عائشة ولد حبيب|