زهرة، عاملةٌ مغربية تبلغ من العمر سبعةً وأربعين عامًا، جاءت من المغرب للعمل في حقول مدينة هويلفا الإسبانية. يوم الأحد الـ2 من نوفمبر الجاري، أقدم زوجها السابق على قتلها في إحدى المزارع بمنطقة موغير، لأنه لم يتحمّل فكرة فقدان السيطرة عليها.
كانت زهرة تستعد لبدء حياة جديدة، بعد أن نجحت أخيرًا في جلب ابنتها البالغة من العمر ثلاثًا وعشرين سنة لتعيش معها في إسبانيا. حلمٌ جميل لم يُكتب له أن يتحقّق.
عن هذه الجريمة البشعة، تقول فاطمة الزهيري، من جمعية النساء المهاجرات (AMIA)، بصوتٍ متهدّج لمنصة هنَّ: “نحن حزينات جدًا… الأمر مؤلم.”
فاطمة وزميلاتها كنّ يعرفن زهرة، ويردّدن اسمها بغضبٍ مكبوت، لأنّ أوضاع هؤلاء النساء أصلاً صعبةٌ للغاية. إنهنّ ضحايا نظامٍ يقوم على العمل غير المرئي لمئات العاملات الموسميات أمثال زهرة، نساءٍ يقطفن الفراولة، ينظّفن البلاستيك، يعتنين بالثمار الحمراء، وفي المقابل يعشن بين الهشاشة والصمت.
“أشكال متعددة من العنف”
في حديثها لمنصّة هنّ، تشرح فاطمة الزهيري الأمر دون مواربة: “العاملات الموسميات يواجهن عنفًا متعدد الأوجه؛ أوّلًا العنف الاقتصادي، حين يعملن عشر أو اثنتي عشرة ساعة يوميًا من دون أن يتقاضين أجور الساعات الإضافية. ثم العنف السكني، حين يَنمنَ في مخازن مكتظّة أو غرفٍ مشتركة بين عشر نساء، حتى لو كُنّ قد جئن بعقود عمل رسمية. وأخيرًا، العنف المؤسسي، حين تُضطرّ اللواتي جئن بلا أوراق إقامة إلى بناء أكواخٍ على هامش القرى، تحت رحمة أرباب العمل، بلا ماءٍ، بلا كهرباء، وبلا حقوق.”
في حقول هويلفا، تدرّ حملة الفراولة كل عام أرباحًا بملايين اليوروهات، لكن خلف الفاكهة التي تملأ رفوف المتاجر الأوروبية تختبئ وجوهٌ متعبة؛ نساءٌ مغربيات، وإفريقيات من الجنوب، ولاتينيات، وشرقيات أوروبيات، يحملن الصناديق ويصمتن عن الإهانات.
تعمل جمعية AMIA، ومقرّها هويلفا، إلى جانبهنّ، تترجم لهنّ في المراكز الصحية، وتبحث عن طعامٍ لمن لم يتقاضين أجورهنّ، وتتوسّط بينهنّ وبين الإدارات وأرباب العمل، وتستمع، وتبلّغ عند الحاجة. فاطمة وزميلاتها في الجمعية هنّ عكّاز الحقوق ودرعها الواقي لهؤلاء النساء.
كانت زهرة واحدة من كثيرات يعشن المعاناة نفسها، المتكرّرة في الزمان والمكان. ويُعيد مقتلها تسليط الضوء ولو لأيام قليلة على ما يبقى طيّ الظلّ طوال العام، حياة النساء الهامشيات اللواتي يجعلن الحصاد ممكنًا، لكنّهنّ كثيرًا ما يبقين وحيدات في مواجهة العنف، والاقتلاع، واللامبالاة.
تقول إحدى المسؤولات في الجمعية :”حين تأتي امرأة لتطلب المساعدة، فهذا يعني أنّها جرّبت كلّ شيء من قبل”.
“الخوف يتخلل كل شيءٍ”
أنشئت جمعية “AMIA”، على يد نساء مهاجراتٍ لمساندة أخرياتٍ عبرن الحدود بحثًا عن حياةٍ أفضل، في مقرها على أطراف هويلفا تتكدّس الملفات، التقارير، الشكاوى، والرسائل التي لم يُجب عليها أحد.
هناك تصل العاملات اللواتي لم يحصلن على أجور إضافية، والنساء اللواتي يَنمن في أكواخٍ بلا ماء جارٍ، والأمهات اللواتي لا يعرفن كيف يقدّمن شكاية ضدّ المشرف الذي يتحرّش بهنّ في البيوت البلاستيكية.
“هناك خوفٌ يتخلّل كل شيء”، تضيف إحداهن، موضحةً أنه “خوفٌ من فقدان العمل، من الطرد، من ألّا يتم استدعاؤهنّ في الموسم المقبل”، والخوف هذا، نقطة ضعفهن التي يستغلها أرباب العمل.
وتعمل “AMIA”، ميدانيًا داخل المخيّمات حيث تعيش كثير من العاملات بلا أوراق، هي أكواخٌ من الخشب والكرتون والبلاستيك، قائمة بجوار البيوت الزجاجية؛ لا كهرباء فيها ولا ماء. وعندما تمطر، عليهن المشي على الأرض التي تحولت إلى طين، كما عليهن النوم على الفُرُش المبتلة.
وتطبخ النساء على مواقد غاز صغيرة، يتقاسمن ما تيسّر من طعام، وإذا مرضت إحداهنّ، تتجنّب الذهاب إلى الطبيب خوفًا من التعرّف على هويتها.
“هنا البقاء مسألة جماعية، إذا حصلت واحدة على طعام، تشاركه. وإذا خافت واحدة، تبقى الأخريات ساهرات معها”، تقول فاطمة الزهيري لـ”هنَّ”، مضيفةً أنهن أحيانًا “لا يجرؤن حتى على مغادرة المجمع، الخوف هو طريقة للسيطرة عليهن”.
حتى اللواتي يأتين بعقود رسمية لا يسلمن من المعاناة، ينمن في مخازن أو غرف مكتظة تحت المراقبة، وتؤكد كثيرات أن أرباب العمل يحتجزون جوازات سفرهنّ أو يهددونهنّ بعدم استدعائهنّ مجددًا إذا احتججن، ويُدفع لهنّ أقل مما وُعدن به، ويُخصم من أجورهنّ ثمن النقل أو الطعام.
وبين حملة وأخرى، تبقى العاملات عالقات في الفراغ؛ فاللواتي يحملن أوراقًا قانونية لا ينجحن في تجديد عقودٍ مستقرة، واللواتي بلا أوراق يسقطن في هاوية الهشاشة، والنتيجة، تقول فاطمة الزهيري، هي “سلسلة من الهشاشات يتحوّل فيها العمل الزراعي إلى فخّ، يتحدثون عن تشغيل النساء، عن الإدماج، لكن لا أحد يريد أن يرى الشروط الحقيقية التي تُنتج فيها تلك الفاكهة”.
ومع ذلك، لا تكتفي “AMIA” بالتنديد، بل ترافق وتساند، تنظم دروسًا لتعليم الإسبانية، وحصصًا للتوعية بالحقوق المهنية، واستشارات قانونية، ومساحات آمنة يمكن للنساء أن يتحدثن فيها دون خوف.
بعضهنّ ينجحن في التبليغ، وأخريات يكتفين بالبكاء ثم يغادرن أكثر هدوءًا، “عملنا ليس قانونيًا فقط” تقول إحدى متطوعات الجمعية”بل إنساني أيضًا، نحن نسند من يتخلّى عنهنّ النظام”، تمامًا هي حالة الراحلة زهرة.
جدير بالذكر أن الحرس المدني الإسباني، ألقى القبض في بلدة موغير (إقليم هويلفا) على رجلٍ يبلغ من العمر 56 عامًا، يُشتبه في كونه مرتكب جريمة قتل زوجته السابقة، وهي امرأة مغربية تبلغ من العمر 47 عامًا تُدعى زهرة، في قضية تُصنَّف ضمن جرائم العنف ضد المرأة، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الإسبانية EFE عن مصادر قريبة من التحقيق.
وجاء توقيف الجاني فجرًا، بعد أن عثرت زميلات الضحية في العمل على جثتها وعليها آثار عنفٍ واضح، حين ذهبوا للبحث عنها لأنها لم تظهر في مكان عملها.
وبحسب نفس المصادر، فقد أبلغت ابنة الضحية عناصر الأمن الأسبوع الماضي بأن الموقوف — وهو من أصل بوركينابي — هدّد والدتها بعد أن أخبرته بأنها تنوي الزواج من رجلٍ آخر.
ووفقًا للمصادر نفسها، لم تكن هناك أي شكاوى سابقة تتعلق بالعنف القائم على النوع الاجتماعي، كما لا توجد سوابق للموقوف في نظام VioGen المخصص لرصد ومتابعة حالات العنف ضد النساء في إسبانيا.
وفي حال تأكيد الطابع الجندري لهذه الجريمة، فستكون زهرة الضحية الرابعة والثلاثين التي تُقتل على يد زوجها أو شريكها السابق منذ بداية العام، ليرتفع بذلك عدد الضحايا إلى 1,329 امرأة منذ بدء تسجيل الإحصاءات، بحسب البيانات المحدّثة لوفد الحكومة الإسبانية المعني بالعنف ضد المرأة.















