
تعيش مهنة الصحافة في المغرب لحظة دقيقة تتسم بتقلبات على مستوى التنظيم المهني والتمثيلية المؤسساتية. ففي الوقت الذي يفترض فيه أن يشكل “المجلس الوطني للصحافة” آليةً للتنظيم الذاتي، وضمانةً لاستقلالية المهنة عن السلطة التنفيذية، طُرِح مؤخرًا مشروع قانون لإعادة تنظيم المجلس، أثار موجة من الانتقادات في صفوف الصحافيين وممثلي الهيئات المهنية والحقوقية.
المشروع الجديد، الذي يُفترض أن يُعالج اختلالات المجلس السابق، وُوجِه باتهامات بـ”تكريس التعيين على حساب الانتخاب”، و”إضعاف التعددية”، و”الرجوع إلى منطق الرقابة بدل حماية حرية التعبير”، وسط مطالب بإعادة النظر في بنيته ومقاربته.
وفي هذا السياق، حاورت منصة “هنّ” النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، فاطمة التامني، التي قدّمت قراءة نقدية للمشروع، وعبّرت عن رفضها الصريح لمضامينه، معتبرة أنه يشكّل تراجعًا عن روح التنظيم الذاتي، وتهديدًا لمبدأ التمثيلية الديمقراطية في الحقل الإعلامي.
سناء: أثار مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة جدلًا واسعًا… ما هي أبرز النقاط التي تعترضون عليها تحديدًا؟
فاطمة: اعترضنا على عدة نقاط جوهرية تمس جوهر فلسفة التنظيم الذاتي. في مقدمتها، منح سلطة أكبر للحكومة في تركيبة المجلس، ما يتناقض مع مبدأ استقلالية الصحافة. كما أن المشروع يتجه إلى إلغاء الانتخاب المباشر لبعض الفئات المهنية، خاصة الناشرين، واستبداله بآلية الانتداب، ما يضعف الشرعية التمثيلية والديمقراطية داخل المجلس، ويكرّس منطق التعيين بدل التمثيل.
الأخطر من ذلك، استمرار فلسفة العقوبات داخل النص، رغم حذف عقوبة توقيف الصحف. فالعقوبات الزجرية قائمة دون توفير ضمانات لمحاكمة عادلة. كما أن المشروع لا يميّز بين الصحافة المستقلة وتلك المرتبطة بالمؤسسات العمومية، ما يخلق خللًا بنيويًا يُضعف التعددية داخل الجسم الصحفي.
سناء: كيف تقيّمون التوازن بين التنظيم الذاتي وضمانات حرية التعبير؟
فاطمة: في تقديرنا، هذا المشروع يتراجع عن جوهر التنظيم الذاتي، الذي يُفترض أن يكون وسيلة لحماية حرية الصحافة، لا وسيلة للتحكم فيها. بدلاً من تمكين الصحافيين وتعزيز تمثيليتهم، يُمنح المشروع سلطات واسعة للسلطة التنفيذية، وهو ما يهدد التوازن المطلوب بين الاستقلالية المهنية والرقابة الديمقراطية.
حرية التعبير لا تُصان بالعقوبات، بل بالاستقلالية والشفافية، وبضمان أن يكون الصحافيون هم من يديرون شؤون مهنتهم بأنفسهم، بعيدًا عن الوصاية السياسية أو الإدارية.
سناء: هل يعالج المشروع فعليًا أزمات المجلس الوطني للصحافة؟
فاطمة: للأسف، لا. المشروع لا يتجاوز أعطاب المجلس السابقة، بل يعيد إنتاجها، من خلال تغييب الفئات المهنية المتعددة، خاصة في الصحافة المكتوبة والإلكترونية. بدل توسيع المشاركة والاعتراف بالتعدد، يتم تقليصها وتهميشها.
الأدهى أن المشروع يكرّس منطق الانتداب والتعيين، ما يوسع الهوة بين المجلس وقاعدته المهنية، ويحول دون بناء مجلس يعكس حقيقة الواقع الصحفي وتنوعه.
سناء: كيف تقيّمون التعديل المتعلق بحذف عقوبة توقيف الصحف؟
فاطمة: هي خطوة إيجابية لكن محدودة. فلا معنى لإلغاء عقوبة التوقيف في ظل الإبقاء على نفس الفلسفة الزجرية والعقوبات التأديبية دون ضمانات واضحة لمحاكمة عادلة، وغياب آليات حقيقية للتظلم والمراجعة.
يجب إصلاح منظومة التأديب كليًا، مع التنصيص على حقوق الدفاع ووضوح المساطر القانونية، حتى لا تبقى العقوبات رهينة لتأويلات أو سلط تقديرية غير محايدة.
سناء: وما موقفكم من آلية انتداب الناشرين بدل انتخابهم؟
فاطمة: نرفض بشدة هذا التوجه. الانتقال من الانتخاب إلى الانتداب هو تراجع خطير عن التنظيم الذاتي. فهو يفتح الباب أمام احتكار التمثيلية من طرف جهات غير معلنة، وقد يُستخدم في الإقصاء أو التحكم.
الناشرون فاعلون أساسيون ويجب أن يتم اختيارهم ديمقراطيًا عبر الانتخابات الحرة والشفافة، وليس وفق معايير مبهمة تُطبخ في الكواليس.
سناء: ما رأيكم في لجنة الإشراف المستقلة لتنظيم الانتخابات؟
فاطمة: نرحّب من حيث المبدأ بفكرة لجنة مستقلة، لكن المشروع لا يضمن فعليًا استقلاليتها. لم تُشرك الهيئات المهنية أو النقابات في تشكيلها، كما أن صلاحياتها غير واضحة، ما يجعلها عرضة للتحكم بدل أن تكون أداة للشفافية. فبدون استقلال حقيقي ومشاركة واسعة، تبقى اللجنة مجرد إجراء شكلي.
سناء: هل المشروع يعزز فعلاً استقلالية المجلس الوطني للصحافة؟
فاطمة: بالعكس. المشروع يُقوّض استقلالية المجلس عبر توسيع التدخل الحكومي وتقليص الانتخاب، وغياب الرقابة الذاتية. الاستقلال لا يتحقق بالشعارات، بل عبر تمثيلية ديمقراطية، محاسبة داخلية، وحياد مهني.
نحتاج إلى نص قانوني واضح، يحصّن استقلالية المجلس دستوريًا وتشريعيًا، بعيدًا عن توازنات سياسية وتقنوقراطية تُفقد المجلس مصداقيته.
سناء: ما الجوانب المغفلة في المشروع والتي تعتبرونها أساسية؟
فاطمة: المشروع أغفل الحق الدستوري في حرية التعبير، ولم يحترم آليات الديمقراطية أو مقومات التنظيم الذاتي، تجاهل التعددية، وأقصى الحوار مع الفاعلين المهنيين.
هذا المشروع، بُني على أسس غير تشاركية، ويُعيد إنتاج منطق التحكم بدل الإصلاح الحقيقي. لذلك، نعتبره بعيدًا عن إضفاء الشرعية الديمقراطية، ويُضعف ثقة الجسم المهني في مؤسساته.


















