غياب المراحيض الآمنة.. معاناة يومية تهدد كرامة وصحة النساء 

صباح كل يوم، قبل أن تستيقظ مدينة الرباط من نومها، تخرج فتيحة وزميلاتها العاملات في شركة بستنة وتهيئة الحدائق، حاملات معداتهن ومرتديات معاطف شتوية فوق جلابيبهن وأحذية رياضية لتسهيل حركتهن. 

يومهن الطويل يبدأ من الساعة السابعة صباحاً، سواء كان الجو بارداً أو حاراً. عمل فتيحة ورفيقاتها، المتمثل في غرس العشب وريّه وتقليمه، يتطلب شرب كميات كبيرة من المياه، خاصة في أيام الصيف الحارة. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في العمل الشاق، بل في البحث عن مراحيض آمنة ونظيفة لقضاء الحاجة.

تقول فتيحة لمنصة “هنَّ”: “نحتاج لشرب كميات كبيرة من المياه خصوصاً في أيام الصيف الحارة. لكن المشكلة تبدأ عندما نحتاج لقضاء حاجتنا. فلا نجد مكاناً نذهب إليه”.

خوفاً من الجراثيم: “نتوكل على الله وندخل”

تحكي فتيحة تجربتها لـ”هنَّ”: “قضيت سنوات طويلة في هذا العمل واعتدت على هذه الظروف. أحرص في الصباح أنا ورفيقاتي على قضاء حاجاتنا قبل الانطلاق إلى ورشة الأشغال. أحياناً نعمل في شوارع قريبة من مؤسسات تتضمن مراحيض نتوضأ فيها لنصلي، وأحياناً نعمل بشوارع لا نجد فيها أي مراحيض فنضطر للتحمل حتى انتهاء العمل أو البحث عن مكان للاختباء وقضاء الحاجة بسرعة”.

وتتابع المرأة الخمسينية: “بالنسبة لي، أحرص على تجنب استخدام المراحيض العمومية حتى إن وجدت. فنحن لا نعلم من دخل هذه المراحيض وأي جراثيم يحملها. خاصة إن كنت لا أعرف المكان جيداً ولا العاملين به… إن اضطررنا، نتوكل على الله وندخل. لكن الوضع لا يبشر بخير مع تفشي الأمراض المعدية. فلا يكفي توفر المراحيض ودفع درهم أو خمسة لرجل غريب يقف بالخارج لاستخدامها، بل يجب أن تكون نظيفة وصالحة للاستخدام”.

تداعيات صحية ونفسية

غياب المراحيض العمومية والآمنة لا يؤثر فقط على العاملات مثل فتيحة، بل يمتد تأثيره إلى فئات أخرى من المجتمع، خاصة الطالبات والفتيات في المدارس. 

وتقول فريدة الجعيدي، رئيسة جمعية “النساء للبيئة”: “غياب هذه المرافق الأساسية يؤثر بشكل كبير على صحة المواطنين ويسهم في تفشي أمراض مثل الكوليرا والتيفوئيد والتهاب الكبد الوبائي”.

وبالإضافة إلى ذلك، ترى الجعيدي أن هناك “تأثيرات نفسية واجتماعية على كرامة الإنسان، خاصة النساء اللواتي يجدن أنفسهن مضطرات للبحث عن أماكن غير لائقة لقضاء حاجتهن”.

وتضيف الجعيدي: “المغرب شهد تقدماً في مجالات عديدة، لكننا ما زلنا نواجه تحديات في توفير مراحيض عامة نظيفة وآمنة. توفير هذه المرافق في الأماكن العامة مثل الحدائق والمنتزهات والشواطئ هو مطلب بسيط لكنه ذو أولوية كبيرة من أجل صحة المواطنين”.

حين تتحول الحاجة الأساسية لمعاناة يومية

إشكالية عدم توفر المراحيض النظيفة والآمنة تعيق حياة سارة الجامعية أيضاً. تضطر هذه الطالبة، التي يبعد مقر سكنها عن الجامعة، لقضاء ساعات طويلة في الحرم الجامعي. 

خلال يومها الدراسي الممتد، تجد سارة نفسها في موقف حرج عندما تحتاج لاستخدام دورة المياه، إذ أن معظم المرافق الصحية في الجامعة تفتقر للنظافة الأساسية والخصوصية اللازمة.

ولـ”هنَّ”، تقول سارة: “لا يمكنني وصف المناظر المروعة التي أراها كل يوم في هذه المراحيض. الكلية تتوفر تقريباً على ثماني مراحيض موجهة للنساء، ولا واحدة منها تنطبق عليها شروط السلامة الصحية والخصوصية”.

“أبواب مكسورة وأخرى لا تغلق، والمراحيض قذرة بشكل مقزز. أضطر دائماً لانتظار العودة للمنزل لأتمكن من استخدام دورة المياه بشكل لائق. هذا الوضع يؤثر سلباً على تركيزي ومردودي الدراسي”، تشرح سارة.

رحلة البحث عن الخصوصية 

تأثير غياب المرافق الصحية الآمنة يزداد في فترة الدورة الشهرية، كما توضح ندى، التلميذة في السنة الثانية باكالوريا بإحدى المدارس العمومية في المجال القروي. 

وخلال هذه الفترة، تحتاج التلميذات لارتياد المراحيض بشكل أكثر لتغيير فوطهن الصحية، وهو ما قد يسبب لهن مشاكل صحية بسبب عدم توفر الشروط الصحية الضرورية.

وتقول ندى: “لا أدخل المراحيض إلا في حالة الضرورة القصوى. أحرص على أن ترافقني إحدى صديقاتي لمراقبة الباب كي لا يدخل علي أحد، فأبواب المراحيض لا تغلق”.

وتوضح أن هذه المراحيض “لا تصلح سوى لمن تريد تفقد سلامة ملابسها أو تعديل حجابها، وإن كانت لا تتوفر حتى على مرايا”.

ضرورة التغيير

وبحسب آخر الأرقام الصادرة عن جمعية النساء والبيئة، يعيش أكثر من ثلاثة ملايين مغربي بلا مرحاض، وأكثر من 38 بالمائة من سكان القرى يفتقرون إلى المرافق الصحية. 

كما تفتقر حوالي 6000 مدرسة، خصوصاً في القرى، إلى مراحيض صحية، وهو ما يشكل أحد الأسباب المباشرة للهدر المدرسي خاصة في صفوف الفتيات.

وتؤكد الجعيدي أن “المراحيض العامة والآمنة ليست ترفاً بل ضرورة حيوية توازي احتياجاتنا الأساسية الأخرى مثل الطعام والماء”.

وتشدد على أنه من الضروري أن “تتبنى الحكومة والمجتمع المدني سياسات واضحة لتوفير مراحيض عامة نظيفة وآمنة، خاصة في الأماكن العامة والمدارس والجامعات. هذه الخطوة ليست فقط مسألة صحة عامة، بل هي أيضاً مسألة كرامة إنسانية”.

اقرأ أيضا

  • “زوج مع وقف المسؤولية”.. هروب الزوج جحيم تعيشه النساء في المغرب 

    "لم أبحث عن زوجي الذي فر هاربا من مسؤولية طفلين صغيرين، ووالدته المريضة بالسكري، لا وقت لي لذلك، فقد انشغلت بالبحث عن قوت يومي لهذه الأفواه المفتوحة، وعن ثمن كراء البيت الذي يأوينا مخافة طردنا منه، ولادي لي مقسحين، أحيانا لا أستطيع أن أوفر لهم أي طعام طيلة اليوم، يبكون منحرقة الجوع، فأشعر بالعجز أمام…

    سناء كريم|

  • التحرش الجماعي في ليبيا.. العنف مصير النساء في الفضاء العام

    شهدت العاصمة الليبية طرابلس خلال احتفالات الذكرى الرابعة عشرة للثورة حادثة تحرش جماعي مروعة، حيث تعرضت امرأة واحدة لانتهاكات جسدية ولفظية في ساحة عامة.  أثارت هذه الواقعة غضبًا واسعًا على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تبادل المواطنون مقاطع فيديو وصورًا توثق الحادثة، بينما ردت الأجهزة الأمنية بالصمت.  فما الذي تكشفه هذه الحادثة عن وضع النساء في…

    رتاج ابراهيم|

  • مختلفٌ عليها.. مكانة المرأة في المجتمع الصحراوي!

    للمرأة مكانة كبيرة في المجتمع الصحراوي، قل نظيرها في المجتمعات العربية، التي توصف بأنها مجتمعات ذكوريّة أبوية، ويذهب البعض إلى وصف المجتمع الصحراوي بـ"المجتمع الأمومي"، بمعنى أن للمرأة فيه سلطة كبيرة،  إذ يساند المرأة ويؤمن بحقوقها كاملة. ولكن هذا الرأي، ليس متفقًا عليه بالإجماع، فالمجتمع الصحراوي، شأنه شأن بقية المجتمعات المغاربية، وهناك من يرى أنه…

    Hounna | هنّ|

  • سيدات خلف مقود الباصات في موريتانيا.. كسر التقاليد وتمكين المرأة في وجه التحديات

    في مجتمع موريتاني ما يزال يتشبث بالتقاليد الاجتماعية، التي تحصر أدوار المرأة في وظائف محددة، بدأت نساء شجاعات في كسر هذه القيود، ودخول مجالات مهنية طالما كانت حكرًا على الرجال، إحدى هذه المهن قيادة الباصات، والتي كانت حكرا على الرجال فقط. عملٌ مليء بالتحديات الاجتماعية ففي خطوة تُعد سابقة في البلاد، أطلقت السلطات الموريتانية مؤخرًا…

    مريم إسحاق إبراهيم|

  • الفيديوهات

  • “لم نتوصل بالدعم”..نساء الحوز يكشفن الوجه الآخر لإهمال ضحايا الزلزال

    يبدو أن بلدة مولاي إبراهيم بإقليم الحوز، جنوب مدينة مراكش، لن تتعافى قريبا من تبعات الزلزال الذي بعثر سبل العيش هناك، خاصة أن أغلب سكان البلدة كانوا يعيشون على نشاط السياحة الداخلية التي يجلبها ضريح مولاي إبراهيم، فالتجارة والإيواء وخدمات أخرى توفرها الساكنة، خاصة نسائها، توقفت اليوم بشكل كلي، ولا أمل يلوح في الأفق لعودة…

  • محاكمة عسكرية للمعارضة التونسية شيماء عيسى

    لم تغلق المحكمة العسكرية بعد، ملف محاكمة شيماء عيسى، المعارضة التونسية والقيادية في جبهة الخلاص الوطني، فقد تم تأجيل جلسة، محاكمتها إلى 10 أكتوبر، القادم.