في الجزائر، لا تبدأ رحلة العلاج دائماً من المستشفى، بل من غرفةٍ مغلقة يُتلى فيها القرآن وتُمارَس فيها طقوس تُنسب إلى “الرقية”. هناك، لا يُشخّص الطبيب، بل الشيخ. ولا تُفهم الأعراض وفق العلم، بل وفق الغيب.
في هذا التحقيق، تكشف منصة “هنّ”، كيف يتحوّل هذا “العلاج الروحي”، في كثير من الحالات إلى بابٍ للتعنيف الجسدي، والانتهاكات الجنسية، وتأخير التشخيص الطبي، بل وأحياناً إلى الموت.
في غرفة الراقي
نحن الآن في الشهر الثاني من العام الجاري، وبعد أشهر من البحث، استطعنا تحديد مكانٍ تقام فيه طقوس الرقية؛ تنقّلنا إلى ولاية تبسة (منطقة حدودية بالشرق الجزائري). وفي حيّ يشهد إقبالاً كبيراً على بيت راقٍ معروف اندمجنا مع النساء الباحثات عن الأمل وعن المعجزة التي يُمكن أن يحقّقها هذا الراقي لهنّ.

عند الدخول، أوّل ما يلفت الانتباه هو الأوامر الصارمة بترك هواتفنا خارجا، وقاعات الانتظار التي تُشبه قاعات انتظار الأطباء، مع فصل تام بين الجنسين. وهكذا انتظرنا دورنا في قاعة مكتظة بالنساء اللاتي كنّ يتبادلن أطراف الحديث حول تأخّر الإنجاب، أمراض جسدية قد يكون السحر سببها الوحيد، وحديث عام عن مدى كفاءة هذا الشيخ. وعند الدخول، لم يبدأ الشيخ بسؤالي عن حالتي الصحية، بل بدأ الجلسة بانتقاد مظهري لعدم ارتدائي الحجاب، ناصحا إيّاي بستر نفسي رغم التزامي بلباس محتشم.

سألني بعدها عن ما أعانيه، فأخبرته أنّني جئت للرقية العادية، بدأت الجلسة بجلوسي في كرسي أمام الشيخ، وبينما كان يقرأ آيات القرآن، أمرني بإغماض عيني، ثم استمر في قراءة آيات للرقية، فجأة، دون إنذار، بدأ برشّ الماء بعنف على وجهي، لم أستطع التنفس، فلم تكن تلك رقية، بل كانت لحظة اختناق!

وفي لحظة غريبة، أمرني بفتح عيني، ثمّ بدأ يصرخ بحدّة: “أخرج.. اخرج!”، وفي تلك اللحظة بعينها بدأت أشعر بالخوف خاصّة عندما رأيته يحمل ذلك الأنبوب البلاستيكي الذي كان يمسكه بيده، والذي بدا لي أنّه أداة للضرب، ليستمر موجّها إليّ أسئلة شخصية عن عائلتي وكيفية وصولي إلى هنا. حين سألته بذهول: “إلى أين أخرج وكيف؟”، كان ردُّه هجومياً: “أنا سأريك كيف!”.

تقدّم نحوي بنيّة الضرب، لولا تدخّل قريبي الذي كان يرافقني ليوقف الجلسة. غادرنا المكان بعد دفع مبالغ إضافية مقابل خلطات مجهولة لا تحمل أيّ تفاصيل عن المكوّنات التي تحتويها العلب، وبعد خوضنا لتجربة مرعبة، شاهدنا كيف يتحوّل العلاج إلى اعتداء جسدي ونفسي وشعور بالترهيب.

وتجدر الإشارة إلى أنّه، بعد أيام قليلة من زيارة فريق المنصة للراقي المذكور، كشفت معطيات حصلت عليها “هنّ” أنه جرى توقيفه على خلفية اتهامات بالتحرّش الجنسي بفتاة، في واقعة تعزّز الشبهات التي تحيط ببعض ممارسي هذا النوع من “العلاج” خارج أي رقابة.
الرقية.. موروث شعبي قاتل
تمزج الرقية في الثقافة الشعبية بين الموروث الشعبي والواعز الديني، حيث يتمّ الاعتماد على الآيات القرآنية لمخاطبة شخصيات العالم السفلي والفتك بـ”العدّو الجنّ”، وهذا ما جعل من الرقاة أسيادا في بعض المناطق القروية والحضرية أحيانا.
قانونيّا، لا يعترف القانون الجزائري شكلا بمهنة الرقاة، ويتم تكييف أفعال الرقاة تحت بند قانون العقوبات في خانة الاحتيال والضرب والجرح المفضي للوفاة.
لكن، ضمنيّا، تظلّ أفعال الرقاة مستمرّة دون رقيب، فحسب ما تداولته قناة العربية سنة 2024 بولاية خنشلة، أثارت قضية الراقي المدعو الشيخ ناصر جدلا واسعا بعد أن قام برقية جماعية لأزيد من ألف شخص من مختلف الولايات في قاعة حفلات.
قام الشيخ ناصر بفتح بثّ مباشر يظهر فيه دوي صراخ النساء عبر ميكروفونات، لتقوم السلطات بعدها بمعاقبته هو والقائمين على ترتيب الحدث بثلاث سنوات تحت جنح ممارسة نشاط دون رخصة وإثارة الفوضى والمساس بالنظام العام.
فإن كان كلاّ من الطب والقانون يحاربان هذه الممارسات لماذا يظلّ إقبال الأفراد متزايدا نحوها؟، كان هذا السؤال هو ما طرحته منصة “هنَّ”، حيث يرى محمد رياض بوتويزغة، الباحث في العلوم الاجتماعية والسلوكية، في تصريح لمنصّة “هنّ ” “أنّه في “العديد من المجتمعات لا تُفسَّر الأزمات الصحية المفاجئة بالمعرفة الطبية وحدها، بل أيضاً عبر منظومات تفسير ثقافية متجذّرة في الوعي الجمعي. ويبيّن علم الاجتماع السلوكي أنّ الإنسان عندما يواجه حدثاً صادماً أو غير مفهوم، يميل إلى البحث عن تفسير يمنحه إحساساً بالمعنى والسيطرة حتى لو كان هذا التفسير خارج الإطار العلمي؛ لأنّ الغموض الصحي يولّد حالة من القلق الجماعي تدفع الأفراد إلى تبنّي التفسيرات الأقرب إلى مخزونهم الثقافي الرمزي”.
لذلك، وفق الباحث، “فإنّ اللجوء إلى مفاهيم مثل السحر أو العين أو الجنّ لا يمكن فهمه فقط بوصفه نقصاً في الوعي الصحّي، بل باعتباره امتداداً لبنية ثقافية تشكّلت تاريخياً وما تزال تؤثّر في كيفية إدراك المرض وتفسيره، وفي الطريقة التي يحدّد بها الأفراد الجهة التي يمنحونها سلطة التشخيص والعلاج”.
ومن داخل هذا الإطار الثقافي، يضيف الباحث أنّه “يُمكن تفسير التمدّد الاجتماعي لدور الراقي في بعض الأحياء والقرى، حيث لم يعد حضوره مقتصراً على المجال الديني بل تحوّل في نظر بعض الأفراد إلى فاعل اجتماعي متعدّد الوظائف يقدّم التفسير ويستمع للمشكلات ويمنح شعوراً بالاحتواء النفسي، وهو ما يجعله في كثير من الأحيان يؤدّي أدواراً قريبة من أدوار المعالج النفسي والمستشار الأسري”.
ويوضح الباحث أن هذا “الامتداد في السلطة الرمزية للراقي، لا يعكس فقط قوّة الاعتقاد في التفسير الغيبي، بل يكشف أيضاً عن وجود فجوة في علاقة الثقة بين بعض الفئات الاجتماعية والمؤسّسات الصحية الحديثة، إذ يميل الأفراد غالباً إلى الفاعلين الذين يشعرون تجاههم بقرب ثقافي واجتماعي عندما يبحثون عن تفسير سريع للألم أو المرض، وهو ما يمنح الراقي نوعاً من الشرعية الاجتماعية التي تجعله قادراً على منافسة السلطة الطبية داخل بعض السياقات الاجتماعية”.
وتتّضح هذه الدينامية بصورة أكثر حساسية، كما يوضّح بوتويزغة، عندما “يتعلّق الأمر بأجساد النساء، خاصّة في فترات دقيقة مثل الحمل والولادة، حيث يرتبط الجسد الأنثوي في كثير من الثقافات بدرجة أعلى من القلق الرمزي والتفسيرات المرتبطة بالعوامل غير المرئية. ففي هذه اللحظات التي تّتسم أصلاً بالهشاشة الصحية والنفسية، يتم أحياناً تأويل الأزمات الطبية عبر مفاهيم مثل العين أو السحر، وهو ما يؤدي إلى تحويل مركز التفسير من المجال الطبي إلى المجال الغيبي”.
ويزيد قائلاً أن “هذه التصوّرات لا تبقى مجرّد معتقدات ثقافية، بل قد تؤثر عملياً في مسار اتّخاذ القرار الصحي داخل الأسرة، حين يتمّ تأجيل اللجوء إلى الرعاية الطبية بدعوى الحماية الروحية، وهو ما قد يحوّل الاعتقاد الغيبي من مجرد إطار رمزي لتفسير الحدث إلى عامل يُعرقل الوصول المبكّر للعلاج العلمي”.
ومن زاوية أخرى، يلفت علم الاجتماع السلوكي الانتباه إلى أنّ “مثل هذه السلوكيات لا تتشكّل فقط على مستوى الفرد، بل تتعزّز داخل الجماعة عبر ما يُمكن وصفه بمنطق التوافق الاجتماعي، حيث يميل الأفراد إلى تبنّي التفسيرات الأكثر انتشاراً داخل محيطهم الاجتماعي حفاظاً على الانسجام الجماعي وتجنّباً للصدام مع التصوّرات السائدة، ولهذا فإنّ التفسير الغيبي للمرض قد يكتسب قوّة إضافية عندما يتحوّل إلى تفسير جماعي تتداوله الأسرة والجيران والبيئة الاجتماعية القريبة”.
وعندما تتفاقم النتائج السلبية، “تظهر ظاهرة أخرى يُمكن تفسيرها من خلال ما يعرف في التحليل السوسيولوجي بآليات ‘حماية الاعتقاد’، حيث تميل الجماعات إلى إعادة تفسير الفشل أو المأساة بطريقة تحافظ على تماسك المنظومة الرمزية التي تنتمي إليها”، يقول.
لذلك، “قد يتمّ تبرئة الراقي حتى في الحالات التي تكون فيها النتيجة مأساوية عبر إرجاع ما حدث إلى القضاء والقدر أو إلى قوّة خفية يصعب التحكم فيها، وفي المقابل يتم تحميل المؤسسة الطبية مسؤولية الفشل لأنّ المجتمع يمنحها في الوعي الجمعي سلطة علمية يتوقّع منها نتائج ملموسة”، حسب تحليله.
ويخلص الباحث أنّ “المسألة لا تتعلّق بصراع بسيط بين العلم والخرافة، بقدر ما تعكس تفاعلاً معقّداً بين الثقافة والسلوك والثقة الاجتماعية، حيث يتجاور داخل المجتمع نمطان من تفسير المرض: نمط علمي حديث يستند إلى المعرفة الطبية، ونمط رمزي تقليدي يستند إلى الموروث الثقافي والروحي. ويظلّ فهم السلوك الصحي داخل المجتمع مرتبطاً بقدرة التحليل السوسيولوجي على تفسير هذا التداخل بين البنية الثقافية والقرارات الفردية في التعامل مع المرض والألم”.
تقتيل النساء في جلسات الرقية
في مارس 2026، نشر المختصّ في علم النفس محمد الصادق، عبر حسابه الشخصي على منصّة فايسبوك الذي يحمل اسم مهدي أمين، منشورا يتناول حالة مريضة قامت بالولادة قيصريا قبل 15 يوم، وقد أكّد أنّ زوج المريضة اتّصل به وطلب منه التنقّل لفحص زوجته التي تغيّرت منذ عملية الولادة القيصرية. ليُخبره الزوج أنّ زوجته مسكونة بجنّ في رحمها وتذهب لجلسات رقية عند الراقي.
تواصلت منصّة “هنّ” مع الدكتور محمد الصادق والذي يعمل بولاية خنشلة (تحفّظ عن ذكر إسمه كاملا بسبب الهجمات التي تعرّض لها عند انتقاده للرقية)، وأكّد على أنّ “المريضة ثلاثينية وتُعاني من اكتئاب ما بعد الولادة. فبعد تنقّله وفحصها داخل سيارة زوجها، اتّضح أنّها كانت مغطاة ببطانية خشنة في المقعد الخلفي ولم يستطع رِؤية أيّ شيء منها، ليقوم بالاطّلاع على الجرح الذي كان متعفّنا لدرجة أنّ رائحته كانت قوية، مخبرا الزوج أنّ عليه أخذ زوجته فورا إلى المستشفى.
لكن الزوج رفض وأخبره أنّ الراقي أكّد أنّ هنالك جنّ سكن رحم زوجته ، كما أنّ الزوج في تلك الأثناء وبعد إصرار الأخصائي عليه ياخذها للمستشفى اتّصل بالشيخ الراقي، ليخبره الشيخ بعدم أخذها للمستشفى وجلبها له”.
وتعتبر منظمة الأمم المتحدة للطفولة أنّ “اكتئاب ما بعد الولادة هو شكل من أشكال الكآبة النفاسية”. وعادة ما يحدث خلال فترة تتراوح من أسبوعين إلى ثمانية أسابيع بعد الولادة، ولكنّه قد يحدث أن تصل إلى سنة بعد ولادة الطفل. فالشعور بقلق شديد يمثّل سمة شائعة أيضاً في اكتئاب ما بعد الولادة، ومن بين أعراض اكتئاب ما بعد الولادة التي ينبغي الانتباه إليها هي الشعور بجسامة العبء، والبكاء المستمر، ونقص الارتباط العاطفي مع الطفل، وتشكّك الأم في قدرتها على رعاية نفسها أو طفلها.
وبالعودة إلى تصريحات الأخصائي عبر حسابه الشخصي، أكّد على أنّ “الجهل هو سبب هذه الممارسات وأنّ الموضوع شائع في المنطقة التي يعمل فيها حيث يرى الأزواج بأنّ أخذ زوجاتهم لطبيب نساء من التابوهات، بينما أخذها للراقي أمر صائب، حتى أنّه تحدّث عن حالة طفلة بالغة من العمر ستّ سنوات والتي أظهر رنينها المغناطيسي للدماغ فرط إشارة على مستوى القشرة المخية، يتماشى مع أذية قشرية ثانوية ناتجة عن حالة صرعية مستمرة مطولة. فقام والداها بأخذها للراقي بدل الطبيب وعند فشل الراقي في مداواتها أخبرهم أنّه نزع السحر والآن وقت الطبيب النفسي لكي يتدخّل، في تساؤل للدكتور كيف يمكن للأولياء أن يتركوا الطب الخيار الأخير؟”
تروي فاطمة ( اسم مستعار) الأخت الكبرى لطفلة تدرس الطور المتوسّط لمنصة “هنّ”، أنّ أختها مازالت مصدومة جراء موت صديقتها سنة 2024 والتي كانت حالتها طبيعية ثم مرضت فجأة ليقوم أهلها بأخذها للمستشفى أين عجزوا عن تشخيصها، وبعد عجز المستشفى عن إعطاء تشخيص لحالتها قاما والداها بأخذها للراقي ظنّا منهما أنّ ما أصاب البنت هو أمر غيبي لتموت الطفلة البالغة من العمر 13 سنة عند الراقي.
ولم يتم الحديث عن أيّ تفاصيل بعدها، كما تؤكّد المتحدثة أنّ الولاية التي تقطن بها (سعيدة) معروفة بهذا النوع من الممارسات، حيث يعطون الأولوية للشيوخ في تشخيص الأمراض دون الطب ويؤمنون بشرعية تشخيص الشيوخ ورجال الدين.
وفي نفس السياق، حسب ما نشرته الوسيلة الاعلامية “الخبر”، نعود لقصّة الطفلة ريماس بوفلفل البالغة من العمر عشر سنوات، والتي تم تقتيلها سنة 2020 بولاية قالمة، نتيجة تعنيف تعرضّت له أثناء جلسة الرقية التي أُخضعت لها في بيتها العائلي، على يد راقي يبلغ من العمر 28 سنة، ليثبت أنّه تمت معاينة آثار الضرب والحرق على جسدها عند تقديم الإسعافات الاستعجالية لها في المستشفى.
وحسب جريدة النصر، تمّ قتل امرأة بداعي تخليصها من الجنّ بالحروش من ولاية سكيكدة سنة 2017، عندما رفض الراقي التوقف عن خنق الضحية رغم إلحاح ابنها وابنة شقيقها ما أدّى الى موتها. كذلك وحسب الوسيلة الإعلامية “الشروق” تمّ تقتيل امرأة أربعينية في جلسة رقية بولاية سيدي بلعباس وعند نقلها للمستشفى وجدوا أنّها تعرضت الى عنف مبرح ما أدّى الى وفاتها.
ما بعد الولادة.. حين تُفسّر الهلاوس الطبية كأصوات غيبية
أمام الجرائم التي تمّ عرضها سابقا وما عاينّاه مُباشرة خفية، بات التأكيد على خطورة هذه الممارسات ضروريا فهي ليست مجرّد ممارسات عابرة أو سطحية بل تؤدي الى مضاعفات جسيمة على حالة المرضى، يُمكن أن تصل إلى الموت، وهذا ما تؤكّده الطبيبة العامة ريان يحوي لمنصّة “هنّ” قائلة بأنّ “الأمراض النسائية مثل هبوط الرحم أو تكيّس المبايض ليست عقداً سحرية، بل مشكلات طبية لها علاج معروف، وكلما كان التشخيص مبكراً والعلاج بإشراف طبي، كانت فرص الشفاء أفضل وتجنّب المضاعفات أسهل”.
كما تنبّه إلى أنّ “الخطر الحقيقي يظهر عندما تعتمد النساء على الزيوت أو الخلطات بدل الفحص الطبي، ففي هذه الحالات قد يتأخّر التشخيص الصحيح، وقد تكبر الأكياس أو الأورام، أو تزداد الاضطرابات الهرمونية، ممّا قد يؤدّي إلى ألم شديد، أو نزيف، أو صعوبة في الحمل، وأحياناً مضاعفات تحتاج جراحة عاجلة”.
وعن مرحلة ما بعد الولادة، تشرح الطبيبة “النساء تمرّ بتغيّرات نفسية طبيعية بسبب التحوّلات الهرمونية الكبيرة، والإرهاق الجسدي، وقلّة النوم، ومسؤولية رعاية المولود. هذه التغيّرات قد تظهر بعدّة أشكال كالحزن ما بعد الولادة، اكتئاب ما بعد الولادة، وكذلك الذهان النفسي وهو خطير وتكون أعراضه على شكل اضطراب في التفكير، فقدان الاتصال بالواقع وهلاوس، وهي حالة تحتاج للعلاج الفوري ومتابعة عند متخصّص أو متخصّصة”.
وترى الدكتورة ريان أنّ المشكلة تظهر عندما يُفسَّر كلام المريضة أو تصرّفاتها على أنّه “صوت جني” أو “مسّ”، فيُصرف الانتباه عن السبب الطبي الحقيقي، وهذا الفهم الخاطئ قد يدفع العائلة إلى تأخير العلاج والاعتماد على ممارسات لا علاقة لها بالطبّ، فكلّ ساعة تأخير في مثل هذه الحالات قد تزيد من شدّة الاضطراب، وقد تعرّض الأم نفسها أو طفلها للخطر. لأنّ معظم التغيرات النفسية بعد الولادة هي طبيعية ومؤقتة، لكن إذا استمر الحزن أو ظهرت أعراض شديدة، فمن الضروري طلب المساعدة الطبية، فالتشخيص الطبي المبكر والعلاج الدوائي المناسب ليس مجرد خيار، بل ضرورة لحماية الأم واستعادة توازنها النفسي بسرعة وأمان.
وتتابع الطبيبة موضّحة “إنَّ الخطورة المباشرة لتأخير التشخيص الطبي تكمن في ضياع الوقت للتدخل العلاجي. فهناك الكثير من الأعراض التي تُفسَّر في بعض الأحيان على أنها «مسّ» أو «تأثير روحي» هي في الحقيقة مؤشّرات مبكّرة لأمراض عضوية أو نفسية خطيرة، مثل اضطرابات الجهاز العصبي، أو الاختلالات الهرمونية، أو حالات الاكتئاب الحاد، أو المضاعفات بعد العمليات الجراحية، فعندما يتّجه المريض أولاً إلى ما يُسمّى بالتشخيص الروحاني بدل الاستشارة الطبية، فإنّ ذلك قد يؤدي إلى تأخّر اكتشاف المرض في مراحله الأولى”.
وتوضح أن هذه هي المرحلة التي “تكون فيها فرص العلاج والشفاء أعلى بكثير. كما أنّ هذا التأخير قد يعرّض المريض لمعاناة أطول، ويزيد من تعقيد الحالة الصحية، ويقلّل من فرص الشفاء الكامل، لذلك فإنّ التصرّف الصحيح الرشيد يتمثل في اللجوء أولاً إلى التشخيص العلمي القائم على الفحص السريري والتحاليل الطبية، مع احترام المعتقدات الروحية للأفراد والرقية لأنّها معتمدة على القرآن الكريم والأذكار النبوية ما دامت لا تكون بديلاً عن العلاج الطبي الضروري”.
كما تشدّد على أنّه في النهاية “لا يتعارض الإيمان أو الجانب الروحي مع الطب، لكن الخطورة تكمن حين يصبح التشخيص الروحاني بديلاً عن التشخيص العلمي، لأنّ صحّة المريض وحياته قد تتوقف على سرعة الوصول إلى السبب الطبي الحقيقي للأعراض. ومن الناحية الطبية، تؤكد أنّ استعمال العنف الجسدي مثل الضرب أو الخنق أو الضغط على مواضع الجراحة يُعدّ سلوكاً خطيراً قد يعرّض المريض لمضاعفات جسيمة”.
“الضغط على جرح عملية حديثة قد يؤدي إلى نزيف داخلي، تمزق في الخيوط الجراحية، أو التهاب الجرح وتعفّنه، ومنه إلى انتشار العدوى في الدم، وهذا أمر خطير جداً قد يتسبّب في الموت إذا لم تُعالج بشكل سريع، كما أنّ الضرب أو الضغط الشديد على الجسم قد يسبّب كدمات عميقة”، تشدّد الطبيبة.
“أمّا عن الخنق أو الضغط على الرقبة، فتشرح الدكتورة ريان أنّه “يمكن أن يؤدي إلى نقص الأكسجين الواصل إلى الدماغ، أو اضطراب في ضربات القلب، أو صدمة عصبية قد تهدد الحياة، مشدّدة على أنّ هذه الممارسات ليست علاجاً بأي معيار طبي، بل قد تعتبر تعنيفاً أو اعتداءً جسدياً خطيراً يفاقم حالة المريض ويعرّض حياته لمضاعفات قد تصل إلى العجز الدائم أو الوفاة”، توضح المتحدثة.
وفي ضوء كل هذه المعطيات المتشابكة، تؤكّد المصادر التي استشارتها منصة “هنّ” على أنّ ممارسات الرقاة تستلزم تدخلاً قانونياً واضحاً وعاجلاً، لأنّ أجساد النساء باتت تدفع ضريبة الجهل بالأمراض النسائية وقلّة الوعي حولها، فالمسألة لم تعُد مرتبطة بالقناعات الشخصية العابرة، بل تمتدّ إلى وقوع جرائم في ظلّ غياب قانون ينظّم هذه الممارسات.















