قبل أسبوع فقط كانت مدينة القصر الكبير مفعمة بالحياة، تعيش ساكنتها إيقاعًا طبيعيًا ورتيبًا كما كانت في في أيامها العادية. لم يكن أحد يتخيل هذا السيناريو، ففي غضون أيام تحولت مدينة يقدرعدد سكانها بـ124.70 نسمة، حسب إحصاء سنة 2024، إلى مدينة أشباح خالية من سكانها، تحاصرها المياه من كل جانب.
وحسب الخبراء فإن فيضانات القصر الكبير “كانت نتيجة تساقطات مطرية استثنائية، والحمولة المرتفعة لسد وادي المخازن، وارتفاع منسوب وادي اللوكوس، إضافة إلى ارتفاع مستوى البحر الذي يحد من قدرة الوادي على تصريف مياهه نحو المصب”. كما تسهم تضاريس المدينة، الواقعة في منبسط ذي انحدار ضعيف جدًا، في تفاقم الوضع، إذ تجعل حركة المياه بطيئة وأكثر ميلًا إلى الركود بدل الجريان.
في البداية، لم تدرك الساكنة حجم الخطر، إلى أن غمرت المياه منازلهم والمرافق الحيوية في المدينة، من مستشفيات وإدارات ومحاكم وغيرها. في الساعات الأولى من الكارثة، خيّم الخوف والارتباك على المدينة، حيث لم تعش القصر الكبير، منذ عقود، على وقع فيضانات بهذا الحجم.
وعلى عكس الإجراءات السابقة التي اعتمدت إخلاء الأحياء بشكل تدريجي، أعلن رئيس بلدية القصر الكبير، محمد سيمو في تصريحات صحافية، أنه سيتم مساء اليوم إخلاء المدينة بشكل كلي، مع إغلاقها وقطع التيار الكهربائي وخدمات الإنترنت، وذلك استعدادًا لما وصف بـ “الفيضان الأكبر” في تاريخ مدينة القصر الكبير.
ويعكس هذا القرار تسارع وتيرة الأحداث وارتفاع منسوب القلق، ما جعل ساكنة القصر الكبير والمدن المجاورة تترقب بقلق مصير المدينة، وتتساءل عن كيفية عودة الحياة إلى طبيعتها بعد انقضاء هذه الكارثة.
إخلاء المدينة
تحكي خديجة، القاطنة بحي المرينة في تصريح لمنصة “هنَّ”، أنها استيقظت ليلة الخميس-الجمعة لتجد أن المياه قد غمرت الطابق السفلي من منزلها: “لم أستوعب ما الذي يحدث، لم أكن أتوقع أن يصل الخطر إلى بيتي”.
وتضيف خديجة: “كنت خائفة على أطفالي وعلى والديّ المسنّين، لم أكن أعرف ماذا سنفعل: هل علينا البقاء أم المغادرة؟ وإن غادرنا، إلى أين سنذهب؟ وكم سنبقى؟ كل هذه الأسئلة كانت تدور في رأسي دون أجوبة”.
ومع تفاقم الوضع في المدينة، ومطالبة السلطات ساكنة حي المرينة بإخلاء منازلهم، قررت خديجة مغادرة المدينة رفقة أسرتها نحو مدينة العرائش، حيث يقيم بعض أقاربها: “غادرنا بيوتنا وتركنا كل شيء وراءنا، ولا نعرف متى سنعود. إحساس بالقهر يلازمنا، لأننا فجأة أصبحنا نازحين وتوقفت حياتنا”.
أجلت السلطات المغربية أكثر من نصف سكان مدينة القصر الكبير، حيث أقامت ملاجئًا ومخيماتٍ مؤقتة لإيواء المتضررين، في حين لجأ آخرون إلى عائلاتهم في مدن مجاورة. كما تكفلت بعض الجمعيات وأفراد من المجتمع المدني بمدينة العرائش وطنجة وتطوان بإيواء عدد من الأسر المتضررة.
و بالموازاة مع ذلك، منعت السلطات الدخول إلى المدينة، فضلًا عن قطع التيار الكهربائي عن أجزاء منها. كما أصدرت مديرية التربية الوطنية تعليماتها بـ”استمرار إغلاق المؤسسات التعليمية إلى غاية يوم السبت”، وفق بلاغ رسمي.
سعاد، التي تقطن بحي الأندلس، تحكي لمنصة “هنَّ” قائلة: “عشت ليلة سوداء لا أريد أن أتذكرها. كانت المياه تغمر الحي، وحتى السادسة صباحًا من يوم الإثنين غمر منزلي بالكامل. بقيت داخله أترقّب ما سيحدث، أراقب الوضع من الطابق الثاني، لكن مع مرور الوقت لاحظت أن المياه تزداد ولا تنحسر، فقررت مغادرة البيت”.
ومثل الالاف العائلات، جرى إخراج سعاد من منزلها بواسطة جرار (تراكتور)، “عشنا لحظات عصيبة، تركنا كل شيء وراءنا، ولم نأخذ سوى القليل من أغراضنا. لم أتخيل يومًا أنني سأعيش هذه التجربة. تم إجلاؤنا بصعوبة، لكننا نجونا”، تروي سعاد.
بعد ذلك، توجهت سعاد إلى مدينة طنجة حيث يقيم أفراد من عائلتها، ولا تعلم إلى متى ستستمر هذه الإقامة المؤقتة، في ظل تواتر التحذيرات واستمرار إخلاء المدينة بشكل شبه كامل.
أجلت السلطات المغربية أكثر من 50 ألف شخص، في عدد من مناطق البلاد ومازالت السلطات في حالة تأهب قصوى تحسبًا لخطر هبوب عواصف أخرى، بما في ذلك أمطار غزيرة ورياح عاتية، مع توقعات بتساقط الثلوج في المناطق المرتفعة.
ووفقاً لوزارة الداخلية المغربية، نُفذت عمليات الإجلاء تدريجياً “بحسب المناطق المتضررة وتطورات الوضع على أرض الواقع”.
ساعة الصفر
بشكل مفاجئ ليلة أمس الإثنين تلقى سكان عدد من الأحياء التي كانت آمنة إلى وقت قريب أوامر إخلاء فوري، ما أدخلهم في حالة من الهلع وعدم اليقين. وشملت هذه الأوامر أحياء “سي عبد الله”، “الوهراني”، “الزكاكرة” وجزءًا من حي زبيدة، إضافة إلى شارع “السجن المدني”، “درب سيكي”، “حي العروبة”، “حي الموظفين” و”حي الأمل”.
ومُنح السكان مهلة قصيرة لم تتجاوز الساعة الثامنة من صباح اليوم الثلاثاء لمغادرة منازلهم، علمًا أن هذه الأحياء تقع بمحاذاة مخيم إيواء أُقيم في أعلى نقطة بالمدينة.
أثارت هذه القرارات قلقًا واسعًا في صفوف السكان، خصوصًا في ظل محدودية البدائل المتاحة للإيواء. خاصةً أن غالبية هذه الأسر تنتمي إلى الفئات الاجتماعية الهشة في المدينة.
ووفقًا لمصادر “هنّ”، من المتوقع يصل السد إلى مستويات غير مسبوقة من الملء، نتيجة التساقطات المطرية التي تشهدها المنطقة منذ يوم أمس، وهو ما دفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات إخلاء استباقية شملت الأحياء المعرّضة لخطر الغمر.
وفي السياق ذاته، جرى إخلاء مركز الإيواء الذي أقامته القوات المسلحة الملكية بـ”دوار العسكر”، في أعلى المناطق في المدينة، حيث تم نقل النازحين إلى مدن أكثر أمانًا منها مدينة الفنيدق.
ومازالت الحافلات تواصل نقل المتضررين إلى مراكز الإيواء منذ ليلة أمس، في وقت ترجّح فيه المصادر ذاتها أن يتم إغلاق المدينة مساء اليوم، كإجراء احترازي في ظل توقعات تشير إلى أن مدينة القصر الكبير قد تعيش أصعب أيامها يوم غد الأربعاء.
وسجل سد “وادي المخازن” بإقليم العرائش مستويات امتلاء غير مسبوقة منذ بدء تشغيله سنة 1979، بعدما بلغت حقينتهُ حوالي 945 مليون متر مكعب، بنسبة ملء ناهزت 140 في المائة، وذلك في ظل واردات مائية قياسية ناجمة عن تساقطات مطرية استثنائية عرفتها جهة طنجة-تطوان-الحسيمة خلال الأسابيع الأخيرة، ما وضع هذه المنشأة المائية في صدارة منظومة الحماية من مخاطر الفيضانات بشمالِ المملكة.
ورغم هذه المستويات غير المسبوقة، أكد مسؤولون بوكالة الحوض المائي اللوكوس، في تصريحات صحافية، أن السد يوجد في وضعية تقنية جيدة، ويؤدي دوره الوقائي بشكل فعّال، بفضل منظومة التتبع والتدبير الاستباقي التي جرى تفعيلها لمواكبة هذه الوضعية المناخية الاستثنائية.



















