“اعتقدت أنّ الأمر انتهى بمجرّد ولادة طفلي، بدأت أشعر بفقدان الدم بشكل متواصل، ثم لم أعد أرى شيئا…” بهذه الكلمات تستعيد إحدى الناجيات من نزيف بعد الولادة تفاصيل الساعات التي كادت تفقدها حياتها بعد استقبال مولودها. لم تكُن تعلم أنّ نزيف ما بعدة الولادة، الذي يُصيب آلاف النساء حول العالم سنويًا، يُمكن أن يكون قاتلا إذا لم يُشخّص و يُعالجْ في الوقت المناسب.
وراء كل حالة نجت من هذه المضاعفات، توجد قصّة صراع مع الوقت، وغالبًا مع نقص الدم أو اضطرابات التخثّر التي قد ترافق النزيف الحاد. ورغم التطوّر الطبّي لا يزال نزيف ما بعد الولادة من أخطر المضاعفات المرتبطة بالولادة وقد يؤدّي في بعض الحالات إلى التخثّر المنتشر داخل الأوعية الدموية (CIVD).
في هذا التقرير، نعود إلى تجارب حقيقية لنساء جزائريات نجون من هذه الحالة، ونُحاول فهم أسباب نزيف ما بعد الولادة، وآليات التدخّل الطبّي لإنقاذ الأمّهات، ودور التبرّع بالدم في مواجهة واحدة من أخطر الحالات الاستعجالية التي أصبحت تهدّد حيوات النساء بعد الولادة.
نزيف بعد الولادة .. أرقام تكشف حجم المشكلة!
وفقا لمنظّمة الصحّة العالمية، يُعدُّ نزيف ما بعد الولادة السبب الرئيسي لوفيات الأمهّات في العالم، حيث يتسبّب في أكثر من 20℅ من إجمالي وفيات للنساء، وحسب ما تُشير إليه بيانات الصحّة العالمية فإنّ أكثر من 700 امرأة يفقدن حيواتهن يوميّا بسبب مضاعفات مرتبطة بالحمل والولادة يُمكن الوقاية منها، بينما سُجّلت نحو 260 ألف حالة وفاة للأمّهات خلال سنة 2023.
ويظّل النزيف الحادّ، خاصّة بعد الولادة أحد أبرز الأسباب المباشرة لهذه الوفيات إلى جانب الالتهابات وارتفاع ضغط الدم المرتبط بالحمل. إنّ خطورة نزيف ما بعد الولادة على الحالات الفردية التي ترويها الناجيات أو تتداولها مواقع التواصل الاجتماعي، تُمثّل أحد أبرز تحديّات صحّة الأمومة على مستوى العالمي.
من غرفة الولادة إلى العيادة المركّزة
لم تكُن ربيعة، البالغة من العمر 47 عاما والأمّ لأربعة أطفال، تتوقّع أن تتحوّل ولادة طفلها الثالث إلى تجربة سترافقها آثارها لسنوات طويلة.
تسترجع ربيعة في حديثها لمنصّة “هنّ”، تفاصيل تلك ساعات الليلة التي كادت أن تفقد فيها حياتها بعد ولادة طبيعية بدت في بدايتها عادية، ” بعد حوالي ساعة ونصف من الولادة بدأ النزيف. كُنت أسمع أصوات الأطبّاء والممرّضين من حولي داخل قاعة الولادة لكنّني لم أفهم ما يحدث، لماذا كل هذا الارتباك؟ كنت أشعر أنّني أفقد دمي وروحي في الوقت نفسه، ورأسي أصبح ثقيلاً وكل شيء أمامي بدا ضبابيًا”، تقول ربيعة.
استمر النزيف حسب محدّثتنا لساعات دون توقّف، قبل أن تتدهور حالتها بشكل خطير. وتقول بنبرة صوتية حزينة لا تزال تعكس حجم الصدمة التي عاشتها، “لم يتوقّف النزيف، بقيت ثلاث ساعات وأنا أنزف، وشعرت للحظة بأنّ جسمي جفّ من الدماء”.
ومع تدهور وضعها الصحّي تقرّر تحويلها إلى مستشفى آخر بشكل استعجالي. إلاّ أنّ حالتها ازدادت سوءا أثناء الطريق. تتذكّر قائلة: ” فقدت الوعي تماما. آخر ما أتذكّره هو الحركة والارتباك من حولي، ثمّ استيقظت لاحقا في العناية المركّزة”. تُضيف ربيعة.
أمضت محدّثتنا نحو ثلاثة أشهر في المستشفى، وهي فترة تقول أنّها مرّت عليها وكأنّها خارج الزمن. لم تتمكّن خلالها من رؤية طفلها حديث الولادة، ولم تكُن تُدرك حقيقة ما جرى لها. ” كُنت أشعر بتعب شديد، وأسمع من حولي عبارات مثل “الحمد لله أنكِ نجوتِ” أو “سلكتي من الموت”. لكنّني لم أكُن أفهم حجم ما حدث إلاّ بعد أن بدأت أستعيد عافيتي.
شرحت الطبيبة المُشرفة على حالة ربيعة الموقف، وفسّرت لها تعرّضها لنزيف حاد بعد الولادة، وأنّ التدخّل الطبّي السريع هو ما أنقذ حياتها. غير أنّ آثار هذه التجربة لم تتوقّف عند حدود الجسد، فبعد خروجها من المستشفى، دخلت في مرحلة صعبة نفسيًا.
تقول: ” كُنت شاردة الذهن باستمرار، منهكة، أشعر وكأنّني جسد بلا روح. لم أعُد كما كنت”. وتُضيف أنّ عائلتها لم تُدرك في البداية أنّ ما تمُرّ به مرتبط بالصدمة النفسية التي خلّفتها التجربة، فاعتقدت أنّ الأمر يعود لأسباب أخرى، قبل أن يتم توجيهها إلى طبيب مختصّ في الأمراض النفسية. وبعد متابعة طبية ونفسية استمرّت لفترة، بدأت حالتها تتحسّن تدريجيا، وأكّد لها الأطبّاء أنّ ما عاشته كان نتيجة الصدمة الجسدية والنفسية العنيفة التي رافقت نزيف ما بعد الولادة.
لم تكُن ربيعة تُدرك آنذاك طبيعة المضاعفات التي تعرّضت لها، ولا الأسباب التي جعلت نزيفًا بعد ولادة طبيعية يتحوّل إلى حالة طوارئ كادت تُنهي حياتها.
توضّح المختصّة في أمراض النساء والتوليد والطب الإنجابي آمال بونباش، أنّ نزيف ما بعد الولادة يُعدُّ من أخطر المضاعفات التي قد تُواجه النساء بعد الإنجاب، ويحدث عندما تفقد الأمّ كمية كبيرة من الدم بعد الولادة مباشرة أو خلال الـ 24 ساعة الأولى التي تليها. وتؤكّد المختصّة أنّ السبب الأكثر شيوعًا يتمثّل في عدم انقباض عضلة الرحم بالشكل الكافي بعد خروج المشيمة، حيث يفترض أن تنقبض الأوعية الدموية الموجودة داخل الرحم بشكل طبيعي لوقف النزيف.
كما تُضيف أنّ النزيف قد ينجمّ أيضا عن بقاء أجزاء من المشيمة داخل الرحم، أو نتيجة تمزّقات في عنق الرحم أو المهبل أثناء الولادة، كما قد يرتبط باضطرابات في تخثّر الدم تجعل الجسم غير قادر على إيقاف النزيف بصورة طبيعية، وتختلف خطورة الحالة حسب كمية الدم وسرعة التدخّل الطبي، إذ يُمكن أن يؤدّي فقدان الدم بكميات كبيرة إلى هبوط حاد في ضغط الدم ودخول في صدمة نزفية قد تهدّد حياة الأم إذا لم تُعالج بشكل عاجل.
وتشير محدّثتنا إلى أنّ التعامل مع هذه الحالة يعتمد على سرعة التشخيص والتدخّل، وتعويض السوائل والدم المفقود ومراقبة المؤشرات الحيوية بشكل مستمر مؤكّدة أنّ الدقائق الأولى قد تكون حاسمة في تحديد مسار الحالة وفرض نجاة الام.
تؤكّد بونباش أنّ أيّ امرأة حامل، حتى وإن كانت بصحّة جيّدة، يٌمكن أن تتعرّض لمضاعفات خطيرة خلال الحمل أو الولادة بسبب التغيّرات الفيزيولوجية التي يشهدها الجسم خلال هذه المرحلة، وتوضّح أنّ من أخطر المضاعفات حالة تُعرف باسم ” التخثّر المنتشر داخل الأوعية الدموية CIVD”، وهو اضطراب خطير في نظام تخثّر الدم قد ينتج عنه نزيف ما بعد الولادة.
وتشرح المختصّة في أمراض النساء والتوليد هذه الحالة بتشبيه مبسّط، قائلة ” إنّ عوامل التخثّر في الجسم تُشبه الجنود الذين يتم استدعاؤهم جميعا إلى جبهة قتال واحدة، ما يترك بقية الجسم دون حماية، وعندما تستهلك هذه العوامل بسرعة كبيرة يفقد الدم قدرته الطبيعية على التجلّط فيتحوّل النزيف إلى حالة يصعب التحكّم فيها رغم محاولات التدخّل الطبّي”.
أمّا بخصوص الطواقم الطبية، أوضحت محدّثتنا أنّهم يجدون أنفسهم في سباق مع الزمن لإنقاذ المريضة، إذ يحاولون تعويض الدم المفقود وتزويد الجسم بعوامل التخثّر في الوقت الذي يستمر فيه النزيف، وفي الحالات القصوى قد يضطر المختصّين والمختصّات إلى استئصال الرحم كحلّ أخير لإنقاذ حياة الأم، خاصّة عندما يفشل النزيف في الاستجابة للعلاجات الأخرى. أمّا إذا تأخّر التدخّل فقد تتطوّر الحالة إلى فشل في أعضاء حيوية مثل القلب أو الكبد أو الكليتين.
التحضير للحمل …خطوة أساسية للحدّ من المضاعفات
إنّ التحضير للحمل حسب الدكتورة بونباش لا يبدأ مع ظهور أولى علامته بل قبل ذلك بمدّة كافية، وذلك من خلال تصحيح نمط الحياة، وعلاج فقر الدم ونقص الفيتامينات ومراقبة الأمراض المزمنة. وتحدّثت المختصة على بعض السلوكيات المرتبطة بنمط الحياة الحديث، مثل الاعتماد على الوجبات السريعة وقلّة النشاط البدني والسهر الطويل، معتبرة أنّ النساء اللواتي يحملن وهنّ يُعانين من نقص في مخزون الحديد تكون قدراتهنّ على مواجهة أيّ مضاعفات طارئة ضعيفة.
كما ركّزت على أهمية اعتبار الحمل مشروعا صحيا مشتركا بين الزوجين، من خلال المتابعة الطبية المسبقة وإجراء التحاليل الضرورية، وضمان توفّر مخزون جيّد من الحديد وفيتامين د وحمض الفوليك قبل الحمل وخلاله.
ورغم أهميّة هذه الإجراءات الوقائية، تؤكّد الطبيبة أنّ بعض حالات نزيف ما بعد الولادة قد تحدث بشكل مفاجئ حتى لدى النساء اللواتي لم تظهر عليهن أيّ عوامل خطر، وهو ما عاشته أمينة التي تحوّلت ولادة طفلتها الأولى إلى سباق مع الزمن لإنقاذ حياتها.
لإنقاذ حياتها كان لا بدّ من استئصال الرحم
داخل غرفة الولادة، كانت أمينة، البالغة من العمر 40 عامًا، تخوض معركة لم تكن تدرك تفاصيلها. فبعد 5 ساعات من ولادة طفلتها الأولى، بدأ نزيف حادّ لم يتمكّن الأطبّاء من السيطرة عليه رغم المحاولات المتواصلة لإيقافه وتعويض الدم المفقود، بالرغم وجود كميات هائلة من الدم. ومع ذلك تدهورت حالتها واستمرّ النزيف، فوجد الفريق الطبي نفسه أمام خيار أخير لإنقاذ حياتها، وهو عملية ” استئصال رحم “.
تستعيد أمينة، في حديثها لمنصّة “هنّ”، تلك اللحظات قائلة : ” لم أكُن أعرف ما الذي يحدث حولي. كُنت أشعر أنّ قواي تغادرني تدريجيا، وكأنّ دم جسدي كلّه ينساب خارجًا، لم أعُد قادرة على التركيز أو فهم ما يقوله الأطبّاء في تلك اللحظات، فقط كُنت أشعر أنّني غائبة عن الوعي.”
تُضيف أمينة “بعدما استعدت الوعي لاحقا علمت أنّ الأطبّاء اضطروا إلى استئصال الرحم لإنقاذ حياتي بعد فشل مختلف المحاولات لإيقاف النزيف، كانت صدمة كبيرة بالنسبة لي، خاصّة أنّني كنت قد أنجبت طفلتي الأولى للتوّ، لم استوعب في البداية ما حدث، لكنّ الأطبّاء شرحوا لي أنّ القرار لم يكُن خيارا بل ضرورة لإنقاذ حياتي”. تؤكّد أمينة أنّها ممتنّة لنجاتها وتقول ” أدركت لاحقا أنّني كنت قريبة جدّا من الموت”.
لم تتوقّف معاناة أمينة عند حدود النجاة من النزيف، بل امتدت الى الجانب النفسي بعد استئصال الرحم، وهي تجربة تؤكد الأخصائية النفسية حفصة حيدرلـ ” هنّ” ، أنّها قد تترك أثارًا عميقة لدى كثير من النساء.
توضّح الأخصائية أن النساء اللواتي تخضعن لعمليّة استئصال الرحم لا تواجه تحديًا جسديا فحسب، بل قد تعشن تجربة نفسية معقدة تحتاج إلى التفهم والاحتواء، لأنّ الرحم يرتبط بمعانٍ تتجاوز وظيفته البيولوجية، فهو يمثل الأمومة والخصوبة ويعتبر جزءًا من الهوية الأنثوية.
وتُضيف حيدر أنّ فقدان الرحم قد يدفع النساء إلى المرور بما يشبه ” حالة الفقد النفسي” وهي استجابة طبيعية قد تترافق مع مشاعر الصدمة والحزن والقلق والخوف من المستقبل. وهذا ما يجعل بعض النساء يبدأن بالنظر إلى أجسادهن بصورة سلبية أو يربطن قيمتهن بقدرتهن على الإنجاب، خاصّة إذا كنّ في سنّ الإنجاب أو كنّ يخطّطن لحمل جديد، وهو ما قد ينعكس على تقدير الذات والعلاقة الزوجية ويزيد من الضغوط النفسية.
كما تؤكّد الأخصائية أنّ الدعم النفسي والأسري يشكّل ركيزة أساسية في رحلة التعافي، من خلال الاستماع إلى النساء وتفهّم مشاعرها، ومساعدتها على تقبل التغيرات التي طرأت على حيواتهن.
وتختم بالقول “أنّ التعافي الحقيقي لا يقتصر على التئام الجرح الجسدي، بل يشمل أيضا استعادة الثقة بالنفس والإيمان أنّ قيمة النساء لا تحدّدها القدرة على الإنجاب وإنّما بما تحملنه من انسانية وقوّة وقدرة على مواصلة الحياة”.
من جهة أخرى، تأمل أمينة أن تدرك النساء اليوم خطورة نزيف ما بعد الولادة، وأن لا يُستهان بأيّ أعراض غير طبيعية بعد الإنجاب، لأنّ دقائق قليلة قد تكون كافية لتحويل فرحة استقبال مولود جديد إلى حالة طوارئ تهدّد حياة الأم.
تعكس تجربة أمينة -والتي احتاجت إلى تدخّل جراحي عاجل لإنقاذ حياتها- جانبا لا يقلّ أهميّة في التعامل مع نزيف ما بعد الولادة، وهو توفّر الدم في الوقت المناسب، خاصة في الحالات الاستعجالية وهذا ما أشارت إليه الدكتورة بونباش في حديثها عن علاج حالات النزيف الحاد، وعلى أهمية توفّر الدم، مُشيرة إلى أنّ بعض المستشفيات تواجه أحيانا صعوبات في تأمين المخزون الكافي وكذا التأخر في الوصول الى مصلحة الولادة، خاصّة في شهر رمضان والعطل الصيفية، بسبب تراجع التبرّع الطوعي بالدم.
وتؤكّد أنّ هذه الحالات تتطلّب تدخّلا سريعا، إذ قد تضطر عائلة المريضة إلى البحث عن متبرّعين ومتبرّعات في وقت حرج، بينما تعمل الطواقم الطبية في القطاعين الخاصّ والعام على بذل كل الجهود الممكنة لإنقاذ حياة الأم.
توجّه الدكتورة أمال بونباش أيضا، رسالة إلى النساء وأسرهن والأطباء، مؤكّدة أنّ الوعي بأعراض نزيف ما بعد الولادة قد يكون عاملا حاسما في إنقاذ حياة الأمّهات، خاصة وان هذه الحالة المرضية الخطيرة تحتاج لتوعية من طرف المختصين والأطباء. وتوضّح أنّ النزيف الطبيعي بعد الولادة يختلف عن النزيف المرضي، داعية إلى عدم التهاون مع أيّ علامات غير اعتيادية، مثل تشبّع الفوطة الصحية بالدم خلال فترة قصيرة، أو خروج كتل دموية كبيرة، أو الشعور بدوار شديد، أو فقدان الوعي، أو تسارع ضربات القلب أو ضيق في التنفّس، أو شحوب شديد.
كما تُشدّد على أنّه عند ظهور أيّ من هذه الأعراض، يجب التوجّه فورا إلى أقرب مؤسّسة صحيّة، لأنّ نزيف ما بعد الولادة قد يتطوّر خلال وقت قصير إلى حالة تهدّد حياة الأم إذا لم تتلقّ التدخّل الطبي الفوري.
كما دعت النساء إلى الالتزام بالمتابعة الطبية خلال الحمل وبعد الولادة، وعدم التردّد في طلب الرعاية الصحية عند ملاحظة أيّ تغيّرات مقلقة، مؤكّدة أنّ التشخيص السريع والتدخّل المبكّر ينفعان بشكل كبير فرص إنقاذ الأم والحدّ من المضاعفات الخطيرة.
التبرّع الطوعي بالدم: شريان حياة لإنقاذ الأمّهات
لا يقتصر علاج نزيف ما بعد الولادة على نقل أكياس الدم فقط، فوفقًا للإرشادات الموحّدة الصادرة عن منظّمة الصحّة العالمية سنة 2025 رقم 1 ، بشأن الوقاية من نزيف ما بعد الولادة وتشخيصه وعلاجه، تستدعي الحالات الشديدة تعويض مختلف مكوّنات الدم، بما في ذلك كريات الدم الحمراء والبلازما والصفائح الدموية، وأحيانا عوامل التخثّر مثل ( الفيبرينوجين أو الكريوبريسيبيتات) بهدف تعويض الدم المفقود والسيطرة على اضطرابات التخثّر التي قد ترافق النزيف الحاد.
تُشير مراجعة علمية نُشرت في مجلة “Transfusion Medicine Reviews “ إلى أنّ بعض المستشفيات التي تعتمد في حالات النزيف الكارثي بروتوكولات النقل الدموي المكثّف تبدأ بحزمة أولية تعدّل حسب المريضة قد تشمل ست وحدات من كريات الدم الحمراء، ومن 5 إلى 6 وحدات من البلازما المجمّدة، ووحدة من الصفائح الدموية، قبل إعادة تقييم حالة المريضة وإضافة مكوّنات أخرى.
وفي هذا الصدد، يؤكّد المختصّ في أمراض الدم ورئيس مركز حقن الدم بالمؤسّسة الإستشفائية الجامعية مصطفى باشا عصام فريغة، أنّ قطاع التوليد يُعدُّ من أكثر التخصّصات استهلاكا للدم، بالنظر إلى حالات النزيف الحادّ التي قد ترافق الولادة، والتي تستوجب نقل كميات كبيرة من الدم في وقت وجيز لإنقاذ حياة الأم.
يُشير فريغة إلى أنّ الاضطراب في مخزون الدم قد ينعكس على التكفّل بالحالات الاستعجالية، ويُرجع البروفيسور سبب الضغط الذي تعرفه بنوك الدم إلى ضُعف ثقافة التبرّع الطوعي المنتظم، إذا لا يزال عدد كبير من المواطنين يقبلون على التبرّع في مناسبات محدّدة أو استجابة لنداءات عائلية. ذلك أنّ، التبرّع الدوري الذي يسمح بالحفاظ على مخزون مستقر يُمكن الاعتماد عليه في الحالات الاستعجالية، خاصّة في حالة نزيف ما بعد الولادة.
وأضاف قائلا” إنّ مركز حقن الدم بالمؤسّسة الإستشفائية الجامعية مصطفى باشا عمل خلال السنوات الأخيرة على تسهيل عملية التبرّع من خلال اعتماد نظام مواعيد يُتيح للمتبرّعين والمتبرّعات اختيار الوقت المناسب، إلى جانب التواصل معهم عبر الهاتف لتذكيرهم بمواعيد التبرّع، فضلا عن تنظيم حملات تحسيسية وتوعوية على مدار السنة.
ورغم هذه الجهود، يؤكّد محدّثنا أنّ نشر ثقافة التبرّع طوعي المنتظم لا يزال يمثّل التحدّي الأكبر، مشدّدا على أنّ كل كيس دم يتم التبرّع به قد يكون سببا مباشرا في إنقاذ حياة نساء تتعرّض لنزيف حاد بعد الولادة، أو مريضات تحتاج إلى نقل عاجل للدم.
يرى فريغة أنّ ثقافة التبرّع لا يمكنها أن تتحقّق بحملات الاستغاثة بل تتطّلب الثقة بين المواطنين والمواطنات، وتصحيح معظم المفاهيم الخاطئة والمغلوطة المنتشرة حول التبرّع بالدم.
لم تعُد مخاطر نزيف ما بعد الولادة تقتصر على أروقة المستشفيات، بل أصبحت موضوعا للنقاش العام، بعد تداول قصّة وفاة أمّ شابة عقب الولادة في إحدى العيادات الخاصّة بالجزائر العاصمة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وبغضّ النظر عن خصوصية تلك الحالة فقد أعادت الحادثة للتذكير بأنّ نزيف ما بعد الولادة قد يتطوّر خلال وقت قصير إلى تهديد للحياة.
وأنّ إنقاذ الأم يعتمد على سرعة التشخيص والتدخّل، إلى جانب توفّر الدم، وهو ما يجعل ترسيخ ثقافة التبرّع الطوعي المنتظم بالدمّ قضيّة صحّة عمومية قبل أن تكون مجرّد عمل تضامني.



















