يطلق المجلس الوطني لحقوق الإنسان حملة “مانسكتوش على العنف”، وهي مبادرة ضرورية في بلد تتجاوز نسبة العنف ضد النساء فيه 54 بالمائة حسب الإحصائيات الرسمية.
لكن المفارقة المؤلمة أن الجهة نفسها التي تدعو إلى رفع الصوت ضد العنف ومحاربته، تصمت حين يكون العنف موجها ضد ناشطات وحقوقيات وصحافيات؛ يواجهن استهدافًا ممنهجًا، عنفٌ لا يصدر عن أفرادٍ معزولين بل عن جهات محمية بنفوذ الدولة.
فهل العنف السياسي ليس عنفًا؟ هل التشهير، ضرب السمعة، التخويف، والضغط النفسي؛ أشياء لا تدخل ضمن خريطة العنف الذي يجب أن يحاربه المجلس؟
إذا كان المجلس الوطني لحقوق الإنسان يرى أن مسؤولية حماية النساء تشمل مناهضة العنف الأسري والاقتصادي والجنسي، فإنّ العنف السياسي ليس خارج هذا الإطار. بالعكس، إنه أكثر قسوة؛ لأنه يستهدف النساء بسبب آرائهن ومشاركتهن في الشأن العام، ولأنه غالبًا ما يُمارَس بغطاء مؤسساتي يجعل النجاة منه أصعب والحديث عنه أخطر.
هو عنف يعمل على إعادة هندسة حدود الصمت والطاعة، ويمارس كآلية عقاب لكل امرأة تجرأت على عبور تلك الحدود، لأنها لم تقبل بالدور المرسوم لها، واصرت على الوجود في الفضاء العام كفاعلة لا كمتفرجة.
إن شعار المجلس “مانسكتوش”، يفترض أن يشمل الجميع، وليس فقط الفئات التي لا تزعج الدولة أو لا تتجاوز الخطوط الحمراء؛ فالصمت أمام العنف السياسي هو تواطؤ مع مرتكبيه، وتحصين ضمني للآليات التي تستخدم لإسكات النساء حين يطالبن بحقوقهن أو يشاركن في قضايا الشأن العام.
حماية النساء من العنف لا يمكن أن تكون انتقائية. لا يمكن أن نتحدث عن الكرامة ونتجاهل إهانة المدافعات عن حقوق الإنسان. لا يمكن أن ندافع عن الحرية ونسكت عن الاعتقال التعسفي والتشهير والتخويف والتنكيل.
ولا يمكن أن نرفع الشعارات بينما تتعرض نساءُ هذا البلد لحملات منظمة هدفها واحد، إسكاتهن وإبعادهن عن المجال العام!
لذلك لا يمكن الثقة فيمن يطالب بعدم السكوت عن العنف، و يصمت حين يكون مصدر العنف هو السلطة أو من يتحرك تحت مظلتها.



















