داخل اسطبلات الخيل ونوادي الفيروسية في الجزائر، برزت طبيبات بيطريات مختصّات في طب الخيل، لا يقتصر دورهن في فحص الحصان او متابعة حالته فقط، بل امتد ليشمل القيادة والإدارة والتوجيه، داخل فضاء ظل لوقت طويل حكرًا على الرجال.
ومع بروز اختصاص طبّ الخيل، استطاعت نساء أن يفرضن حضورهن ليس فقط كخبيرات وإنما كقيادات نوادي الفروسية. فهل يمكن اعتبار هذه الفضاءات اليوم مجالا جديدا لتمكين النساء؟ وكيف تنتقل الطبيبة البيطرية من دورها التقني الى دور قيادية لتُعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والحيوان والبيئة في إطار نهج ” الصحة الواحدة –One Health” الذي يدعو إلى تعاون مختلف التخصصات لحماية صحة الحيوان والإنسان والبيئة باعتبارها عناصر مترابطة تؤثر في بعضها البعض .
المسارات الأولى للبيطريات في طب الفيروسية
في قلب اسطبل ولاية الوادي، التقينا الطبيبة البيطرية نور الهدى فتح الله، البالغة من العمر 33 سنة، والتي تشغل منصب رئيسة نادي “عاديات سوف”، تروي لنا نور مسيرتها التي بدأت كطالبة في المدرسة الوطنية للبيطرة، قبل أن تخوض تجربة تخصص طب الخيل، الذي كان بالنسبة لها حلم من صغرها.
جمعت نور بين شغفها بالخيل ومهارتها الطبية لتصبح إحدى أبرز خبيرات طبّ الخيل في الجزائر. تقول نور ” تربيت في بيتنا مع الخيل منذ صغري، والعناية به جعلتني أتعلم وأتعلق به كثيرا، وأرى أنّ طب الخيل ليس مجرد رعاية يومية للحيوانات كما يعتقد البعض، بل هو تخصص يتطلب معرفة دقيقة بالتشريح والتغذية والولادة، والأمراض والإصابات الرياضية”.
تُضيف نور، بالنسبة لي كطبيبة بيطرية ” لم تكن التحديات الطبية أو إصابات الميدان هي الأصعب في مسيرتي، بل كانت هناك تحديات اجتماعية و جندرية داخل فضاء تقليديا ذكوريا. كثيرا ما كنت أسمع كلمات تتردد كصدى مزعج في أرجاء الاسطبل: ” انت امرأة ولن تقدري على تسيير الأمور هنا”، ” هذا المجال ليس للنساء”، ” ماذا تعرفين عن الحصان أنت؟”. وأحيانا يتجاهلون وجودي تماما قائلين: ” أين هوالطبيب؟ ناده لنتحدث معه.”
تروي نور الهدى كيف كان مربّو الخيول يشككون في كفاءتها ويحاولون تقليل دورها، حتى في حالات الجراحة الحرجة التي كانت تبقى فيها لساعات طويلة مع الخيل لإجراء العمليات الدقيقة ومتابعة العلاج بدقة. تقول بنبرة فخر وحب ” قد أمضي أكثر من 8 ساعات متواصلة في عملية جراحية معقدة لخياطة جروح الحصان المصاب، أقف بتركيز عال أراقب واتابع أدق التفاصيل، حتى أنقذه ويرجع أنفاسه التي اعتبرها جزء من روحي”.
توضّح الطبيبة أنها لم تكن تخشى التعرّض لضربات الخيل أو إصابات العمل التي تركت ندبات على جسدها واصابة في عينها، بل اعتبرتها ” وسام مهني في طريق الاحتراف”. ورغم كل ذلك، أثبتت نور الهدى قدرتها على تجاوز الصعوبات وحققت نتائج جيدة في العلاج والتدخلات الجراحية ونجاحها في المسابقات، ومن شغفها بالمهنة وحرصها على تمكين النساء، أسّست نادي ” عاديات سوف” للفروسية، ليصبح أول نادي يركز على تعليم النساء والفتيات، في بيئة مريحة وآمنة، ويكون فضاء مختلفا، تعبّر البيطرية عنه قائلة ” أريد أن يكون النادي جسرا تعبر من خلاله الفتيات هذا العالم، رغم التحديات الاجتماعية والمهنية”.
هنا في النادي، لا يقتصر التعليم على المهارات الرياضية فحسب، بل يشمل احترام الحيوان، القدرة على التحمل والانضباط، ليعيد صياغة العلاقة بين الانسان والحيوان والبيئة في إطار نهج الصحة الواحدة، حيث يصبح الاسطبل فضاء للتوازن لا مجرد مكان للرعاية، ” نحن نعيد بناء هذه العلاقة من خلال الممارسة اليومية، مع الحيوان والبيئة وتعليم هذا الوعي للآخرين”. حسب قول محدّثتنا.
لم يكن تأسيس هذا النادي مجرّد مشروع كما تقول الطبيبة نور الهدى بل فعل جندري، يفتح المجال والأبواب أمام الفتيات للدخول الى فضاء كان مغلقا أمامهن، ويعيد تعريف علاقة النساء بالفروسية ليس كمتفرّجات في بل كقياديات وفاعلات.
عندما تفكّ البيطرية شفرة الخيل
في قلب العشرية السوداء التي عاشتها الجزائر، وتحديدا في التسعينات، بدأت شابة حديثة التخرّج من مدرسة الحراش للبيطرة مسيرتها، أين قرّرت أن تسلك طريقا وعرا، فرغم الظروف الأمنية والاجتماعية الصعبة، وما فرضته من قيود على التنقل والعمل خاصة بالنسبة للنساء، لم تترك زهور بوزيان الاسطبلات والمزارع وحدها ولم تتخلى عن حلمها. ففي زمن كانت النساء يواجهن تحديات مضاعفة من القيود الاجتماعية.
في حديثها لمنصّة “هنّ”، تقول زهور ” كنت اسكن داخل المزرعة واشتغلتَ مع الابقار، وعالجت مختلف الحيوانات، لكن شيئا ما كان ينقصني… لم اشعر بالانتماء إلاّ حينما اقتربت من الحصان، الكائن الوحيد الذي اختبر روحي قبل مهاراتي، يشعر معي باللطف ويستجيب للإحسان ويبني معك جسرا حسيا لا يدركه إلاّ من ركب صهوته. فالعلاقة مع الخيل لم تكن مهنة بل كانت اثبات وجود، ولم يكن الطريق الى الخيل هو الأصعب، بل الطريق الى عقول المجتمع”.
تتذكّر زهور الكلمات والعبارات التي كانت دائما تسمعها: “ماذا تفعل امرأة في عالم خُلق للرجال .. انت امرأة “، كما تتذكّر جيدا تلك النظرات التي كانت تلاحقها من طرف العمّال معها في المزارع، ” كانوا يسألونني بسخرية محبطة، كيف ستدخلين الاسطبل؟ هل تعرفين قوة الخيل؟.”
تقول زهور ” أنا لم أكن من النوع الذي يرد بالكلمات لهذا اشتغلت على نفسي وأصبحت أنا مديرة المزرعة، كنت الامرأة الوحيدة في مزرعة يملؤها الرجال، وأثبتت أنّ الحصان يستجيب للنساء بلين وويُحقّق معهنّ نتائج قد لا يحققها مع الرجال، وكأنّ هناك لغة تُبنى بين الانثى والحصان”.
في هذا الصدد، أظهرت دراسة بعنوان ” تأثير جنس القائمين على الرعاية والفرسان على الثقة الاجتماعية والاستجابة وحساسية اللمس لدى الخيول” أعدتها الباحثة أشلاي انزلويكس “Ashley Anzulewicz” من جامعة سيدني المنشورة في مجلة Animals سنة 2021، أنّ سلوك الخيول يختلف حسب جنس المعالج، فالخيول التي تعاملت مع ذكور كانت أكثر صعوبة في الإمساك بها وأكثر دفاعية عند الاقتراب، بينما أظهرت الخيول التي تعاملت مع إناث سلوكا أكثر طاعة وتجاوب، وتشير هذه النتائج الى انّ جنس المعالج او الفارس يلعب دورا مهما في فهم سلوك الخيول.
لم تتوقّف طموحات الدكتورة بوزيان عند حدود المزرعة، إذ تقول لنا ” انطلقت لأترك بصمة في هذا المجال الذي يعتبرونه كمجال خاصّ بالرجال، وانضممت الى المنظمة العالمية للحصان البربري والاتحاد الدولي للفروسية”، وبفضل إصرارها حققت إنجازا تاريخيا وتوّجت كأول طبيبة بيطرية تتحصّل على النجمة الثالثة في الجزائر، وهي درجة رفيعة في مجال مسابقات الخيل العالمية.
تٌصرّ الدكتورة زهور على “أنّ النساء يجب أن يفرض أنفسهن بالمعرفة والقدرة. في عالم الخيل لا مكان للضعف لكن المكان دائما متاح لمن تمتلك الإرادة.. لم تدخل النساء هذا المجال فقط، بل أعدن تعريفه من الداخل”.
مهنة تتأنّث وقيادة لاتزال ذكورية
على رغم من أنّ حضور النساء في مهنة الطب البيطري تشهد تزايدا ملحوظا على مستوى العالم، حسب ما تؤكّده تقارير المنظمة العالمية لصحة الحيوان WOAH التي تصف المهنة اليوم بأنّها أصبحت مؤنثة من حيث الاعداد، أي أن النساء أصبحن يشكلن نسبة متزايدة من طلبة طب البيطري والخريجين والممارسين للمهنة،الاّ أنّ هذا التحوّل لا ينعكس على مستوى القيادة. فالفجوة الجندرية لا تزال قائمة، حيث تظلّ مواقع القرار والتسيير أقل انفتاحا على النساء رغم كفاءتهن العلمية.
كما تشير بيانات الرابطة الامريكية لأطباء الخيول، بأنّ الطبيبات البيطريات أصبحن يشكّلن الان أكثر من 51 بالمئة من الممارسات النشطات بعدما كانت النسبة لا تتعدّى 10 بالمائة في التسعينات.
هذا السياق العالمي يتقاطع مع التجربة المحلية في الجزائر حيث لا تتوفّر الاحصائيات حول نسبة الطبيبات البيطريات، لكن الملاحظة الميدانية تؤكّد أنّ حضور النساء يتزايد في تخصّصات مثل طب الخيل، وانّ الطبيبات ينتقلن تدريجيا من أدوار تقليدية إلى أدوار قيادية، وهو تحوّل يعكس جزءا من التغيّرات العالمية التي تشهدها المهنة.















