في مجتمعٍ مازال ينظر فيه كثيرون إلى عمل المرأة على أنه ترفٌ أو خروجٌ عن الدور التقليدي المفترض، تجد النساء أنفسهن أمام قيود اجتماعية وثقافية تحدّ من حريتهن وتكبح طموحاتهن. ورغم ذلك، تواصل الكثير من النساء نضالهن اليومي لإثبات جدارتهن وإسهامهنَ الفعّال في التنمية، في ظل ضغوط وتحامل متزايد.
مؤخرًا، فجّر مشروع مرسوم حكومي موريتاني ينظّم عمل النساء ليلًا جدلًا واسعًا في الأوساط الحقوقية والاجتماعية؛ بين من يعتبره إجراءً وقائيًا يهدف إلى الحماية، ومن يراه تقييدًا صريحًا للحريات ومسًّا بالحقوق الدستورية.
“نريد الأمن لا التقييد”
فاطمة، بائعة الكسكس في الشارع، عبّرت عن استيائها من النظرة المجتمعية لعملها، قائلة: “إن أقصى ما أتمناه كإمرأة هو الأمن وأن تكفل الدولة حقوقي بدل من تقييدي، المرأة العاملة ليلاً أكثر احتياجاً لقانون يحميها من المتطاولين عليها”.
وتكشف فاطمة أنها دائماً ما تتعرض للتحرش و”البعض يعتبر وجودي في الشارع للبيع مجرد حجة أريد بها أن أخرج أصارع منذ الصباح لكسب لقمة العيش، وتحسين مستوى حياة أبنائي، وجودي في شارع لم يكن خيارًا لي بل فرضته علي متطلبات الحياة بعد وفاة زوجي”.
وتضيف فاطمة “أنا في صراع دائم بين من يشجعني على العمل الليلي ومن يرفضه ويحبطني، غير مدركٍ لما أبذله من جهد. لم تمحني الظروف فرصة التعليم لكن لن أحرم أبنتي منها، أتحمل كل المضايقات في الشارع، من أجل توفير حياة أفضل لأسرتي”.
وأعتبرت فاطمة هذا المرسوم “تضيقا على النساء، فنحن نساء بالغات ونعرف ما يجب فعله، نحتاج إلى العمل وإلى قانون يحمينا، لا إلى تحديد أوقات خروجنا”.
“انتهاكٌ صريحًا لحرية العمل”
من جهتها، ترى الناشطة النسوية مكفولة أحمد أن “مشروع المرسوم يشكّل انتهاكًا صريحًا لحرية العمل، ويفرض وصاية على طبيعة الأنشطة التي يُسمح للنساء بمزاولتها”.
وتؤكد على أن ذلك “يتعارض مع الدستور والاتفاقيات الدولية المصادق عليها، فضلًا عن تقليصه لفرص العمل وتعقيده للأوضاع الاقتصادية للنساء”.
وتوضح أن “الخطر لا يرتبط بكون العمل ليليًا أو نهاريًا، بل بظروف العمل نفسها، ومسؤولية الحماية تقع على عاتق الدولة عبر الخطط الأمنية والاقتصادية ومقاربات مكافحة الجريمة، لا عبر تقليص ساعات عمل النساء”.
وتشدّد على أن “أي تراجع في حقوق النساء هو تراجع يطال الجميع”، داعية إلى التنديد والاحتجاج ومواصلة النضال، مع التأكيد على الدور المحوري للمجتمع المدني في الضغط من أجل احترام حقوق النساء، لأن الحقوق – بحسب تعبيرها – لا تتجزأ.
“اعتداء صريح على حرية المرأة في التنقل”
بدوره، يرى المحامي الحسين بلال أن حرية التنقل والعمل حق دستوري مكفول للجنسين، وبالتالي فإن “أي مرسوم يحدّ من عمل المرأة ليلًا قد يُعد مخالفًا للدستور، ما دام العمل لا يخالف الشرع أو القانون”.
غير أنه يعتبر أن “تنظيم بعض الأعمال الليلية لا يُشكّل إشكالًا في حد ذاته، إذا لم يمسّ الحرية الاقتصادية للمرأة”، مشيرًا إلى أن “المرسوم لم يكن عامًا، بل اقتصر على أنشطة محددة لطبيعتها الخاصة ومشقتها”.
في المقابل، يرفض الحقوقي إبراهيم بلال رمضان، رئيس “هيئة الساحل للدفاع عن حقوق الإنسان ودعم التعليم”، هذا الطرح، معتبرًا أن “المرسوم اعتداءً صريحًا على حرية المرأة في التنقل والعمل، إضافة إلى كونه يحد من استقلالها الاقتصادي”.
ويؤكد على أن “النساء قادرات على أداء العديد من الأعمال الليلية، كالمصانع والمطاعم، وأن فئات واسعة من النساء الهشّات يعتمدن على أنشطة ليلية بسيطة لتأمين لقمة العيش، متسائلًا عن طبيعة المخاطر التي يُستند إليها لتبرير هذا التقييد”.
ويشير إلى أن “التعبير عن رفض المرسوم ينبغي أن يكون عبر الوقفات الاحتجاجية وتعبئة الرأي العام، والتواصل مع النواب ووزارة الشؤون الاجتماعية لمراجعته أو التراجع عنه”.
كما يبرز دور المجتمع المدني في الضغط لتعديل البنود المجحفة، واقترح بدائل عملية، من بينها “تكفّل بعض القطاعات بتوفير وسائل نقل آمنة للعاملات بعد ساعات العمل الليلية”.
تمكين أم إعاقة؟
يرى معارضو المرسوم أنه يشكّل عائقًا حقيقيًا أمام تقدم المرأة، خاصة في مجتمع بدأت فيه النساء يفرضن حضورهنَّ في مختلف مناحي الحياة رغم العادات والتقاليد. فبدل توسيع آفاق المشاركة الاقتصادية، يأتي القانون – بحسبهم – ليحدّ من فرص العمل ويعيد إنتاج الإقصاء.
وتجدر الإشارة إلى أن تمكين المرأة في سوق العمل ليس مجرد مطلب حقوقي فردي، بل ضرورةٌ لتنمية المجتمع واستقراره. وعندما يُرفع الحاجز الذي يصوّر عمل المرأة على أنه ترف، تصبح شريكًا حقيقيًا في البناء الاقتصادي والاجتماعي، ويُفتح الطريق نحو مجتمع أكثر عدالة وإنصافًا للجميع.



















