على خطى اللاجئات.. خرائط المنفيات التونسيات في فرنسا عبر الأجيال

منذ مطلع القرن العشرين، شكّلت فرنسا فضاءً موازياً للسياسة التونسية، وامتداداً آخر لصراعاتها، ولحظات انفتاحها، وانكساراتها أيضًا. فقد اتّخذ المنفى الباريسي، في مختلف محطّات التاريخ الوطني، هيئةَ مجال يُعاد فيه رسم ملامح المعارضة التونسية كلّما ضاقت بها أروقة الداخل. فمن طلبة الحركة الوطنية الذين وجدوا في باريس منبراً لمقارعة الاستعمار، إلى المناضلين.ات اليساريين.ات والقوميين.ات والإسلاميين.ات في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ظلّت الهجرة القسرية  أو “الاختيارية أحيانًا” جزءًا من سيرورةٍ سياسية واجتماعية متشابكة.

يُشير المؤرخ عبد الجليل بوقرّة في مجلّة أكاديميا الصادرة عن جامعة منّوبة والتي تحمل عنوان ورقات من تاريخ الحركة الطلابية في تونس إلى نشأة حركة برسبكتيف في ستينات القرن الماضي -وهي حركة طلاّبية تقدّمية مثّلت أوّل معارضة لنظام الحزب الواحد- مثمّنا دورها البارز في الاحتكاك بقضايا البلاد، “فعلى المستوى الطلابي فقد كان أغلب الطلبة يدرسون آنذاك بالجامعات الفرنسية، وبدرجة أقلّ بالجامعات العربية المشرقية، وكان لأغلبهم نشاط سياسي”. وهذا ما خلق نواة سياسية تونسية-فرنسية بقيت راسخة إلى اليوم.

ومع صعود الدولة البوليسية في عهدَي الرئيسين السابقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، اتّسعت دوائر اللجوء السياسي، وتحوّلت المدن الفرنسية إلى فضاءات إنتاج فكري وحقوقي، ومخابر يُعاد فيها بناء الخطاب المعارض في ظروف قاسية، تُصاغ فيها الذات على تماسّ بين الحنين والخوف والإصرار على الاستمرار. وقد ورثت مرحلة ما بعد الثورة هذا الإرث، فبين من عادوا إلى تونس بحثًا عن استعادة حياتهم، ومن ظلّوا في المنفى بصمت أو بنشاط، بقيت فرنسا عنوانًا لمفارقةٍ تونسية مزمنة: بلدٌ قريب جغرافيًا، بعيد سياسيًا، وملاذٌ تتقاطع فيه الحرية مع الاغتراب.

ورغم أنّ الذاكرة الجماعية كثيرًا ما تحصر هذا التاريخ في وجوه سياسية معروفة، فإنّ قصص النساء التونسيات الناشطات والمنفيات والملاحقات والمُهاجِرات قسرًا ظلت أقلّ حضورًا في السرديات التقليدية. اليوم وبعد مسار 25 جويلية 2021، تتيح لنا شهادات أربع تونسيات يعشن في المنفى الفرنسي فرصةً لإعادة قراءة هذا التاريخ من زاوية النوع الاجتماعي، وفهم كيف صاغت كلّ تجربة فردية علاقة مع الوطن، ومع السياسة، ومع الجسد نفسه.

يُميَّز في الأدبيات السياسية بين المنفى الاختياري والتهجير القسري، فهذان المفهومان متجاوران في التجربة لكنهما مختلفان في الدلالة. فالمنفى الاختياري هو انتقال الفرد إلى خارج بلده بدافع سياسي أو مهني أو شخصي، حين يشعر بأنّ الفضاء الداخلي لم يعد يسمح له بالتحرّك أو التعبير أو العيش كما يشاء، فيختار الهجرة بحثًا عن أفقٍ أوسع ولو بثمن الاغتراب. أمّا التهجير القسري فيحمل طابع الإكراه، إذ يُدفَع الشخص دفعًا إلى مغادرة وطنه تحت وطأة الملاحقة أو السجن أو التهديد المباشر، فيتحوّل الخروج من خيار ذاتي إلى ضرورة وجودية. وبين هذين المفهومين تتشكّل تجارب التونسيين والتونسيات في فرنسا، حيث تتداخل إرادة الرحيل مع الضرورة، ويُصبح المنفى مساحةً ملتبسة بين النجاة وإعادة بناء الذات.

المنفى “عقوبة مضاعفة”

لم تكن المناضلة النسوية والرئيسة السابقة للجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات بشرى بالحاج حميدة ترى نفسها يومًا خارج تونس. طوال حياتها ظلّت تقيس اختياراتها على أساس البقاء: عملت، ناضلت، برمجت حياتها وتقاعدها، وبنت على أرض الوطن شبكة علاقات ومسارات سياسية وحقوقية استمرت عقودًا. لكنّ كل ذلك انهار حين وجدت نفسها مُدرَجة في ملفّ قضائي تؤكّد أنه عارٍ من أي صلة بها. فجأة تحوّل الوطن إلى ساحة تهديد، وتحوّل القضاء الذي كان يمنحها حدًا من الطمأنينة في السابق إلى مؤسسة فقدت استقلاليتها، فلم تعد تجرؤ على مواجهة محاكمة لا تثق بنزاهتها.

أمام خيارين أحلاهما مرّ: السجن بتهم تنفيها كلّيًا، أو الخروج من البلاد، اختارت المنفى. لكنّه لم يكن خيارًا بل اضطرارًا وجوديًا. في فرنسا، تعيش بشرى انقطاعًا مؤلمًا عن بيئتها الطبيعية: عن نضالها النسوي، عن انخراطها داخل جمعية النساء الديمقراطيات، وعن القرب اليومي من النساء ضحايا العنف والقضايا الحقوقية التي لطالما حملتها.

“مكاني الطبيعي في تونس، ومكاني الطبيعي مع جمعية النساء الديمقراطيات، ومع نضالات حقوق الإنسان. لستُ في الصفوف الأمامية، ولكنني دائمًا في موقع الدعم والمساندة للنساء اللواتي يعِشن العنف، وفي القضايا العادلة الكثيرة، وفي متابعة الملفات التي تتطلب وقفة. واليوم في تونس توجد العديد من القضايا، وأنا أعيش كل هذا في ظروف صعبة جدًا”، توضح بشرى بالحاج حميدة.

ورغم شعور الظلم والعزلة، تبقى واثقة من نظافة مسيرتها؛ تؤكد أنها لم تبحث يومًا عن منفعة شخصية، وأنّها دُفعت إلى المنفى من دون أن تُدان أو يُسمح لها بالدفاع عن نفسها بشكل عادل. في ختام شهادتها، ترسل أمنية خافتة لبلادها: “أن تنهض تونس وتستعيد بهجتها”، وأن يُدفع الشباب نحو مستقبل أقل حقدًا وأكثر عدالة.

تكشف شهادة بشرى بالحاج حميدة عمّا أصبح سمة من سمات المرحلة السياسية الراهنة في تونس، تفكّك ضمانات المحاكمة العادلة، واستهداف الأصوات المعارضة عبر أدوات قضائية غير مستقرة. وهي ليست حالة فردية معزولة بل تأتي ضمن سياق أوسع يعكس تراجعًا مؤسساتيًا وتآكلًا لفضاء الحريات الذي تشكّل بعد 2011.

كما تكتسب تجربتها دلالة مضاعفة. فبشرى ليست فقط سياسية معارضة، بل واحدة من أبرز الوجوه التي ساهمت في بناء الحركة النسوية الديمقراطية، وفي الدفاع عن حقوق النساء داخل مؤسسات الدولة وخارجها. إنّ خروجها القسري يمثّل ضربة لمكتسبات نضال نسوي كامل، ويعكس هشاشة حضور النساء في الفضاء السياسي حين تتغيّر موازين السلطة. المنفى هنا ليس فقط نفيًا لامرأة سياسية، بل إبعادًا لصوت يمثّل ذاكرة نضال وامتدادًا لجيل كامل من المدافعات عن الحقوق. هذا الاغتراب القسري يخلّف شرخا في الهوية لدى نساء قضين عقودًا في العمل العام. وفي حالة بشرى، يصبح المنفى “عقوبة مضاعفة” تتمثّل في فقدان الوطن، وفقدان ممارسة فعل النضال نفسه، الذي كان جزءًا من تكوينها الذاتي.

جيل المناضِلات المُعاد تهجيرهنَّ

تسرد المناضلة الحقوقية رجاء الشامخ تجربتها بوصفها حلقة ثانية في سلسلة من النفي السياسي الذي ظنّت أنه طُوي مع سقوط نظام بن علي. فهي أول تونسية تحصّلت على اللجوء السياسي في فرنسا بداية الألفينات بسبب معارضتها للنظام السابق، ثم وجدت نفسها بعد عقد كامل من الثورة أمام المشهد نفسه يتكرّر، دولة تتحلّل فيها الضمانات، ويتحوّل القانون إلى أداة انتقام، ويُصبح الرأي جرمًا يفضي إلى الملاحقة أو الاعتقال أو المنع من السفر.

في شهادتها، تشرح لماذا لا تستطيع العودة إلى تونس اليوم. ليست المسألة خوفًا، بل إدراكًا عميقًا لانهيار المؤسسات: المرسوم 54، التتبّعات الاعتباطية، الملفات المفبركة، وتحوّل الاختلاف السياسي إلى ذريعة للعقاب. باعتبارها ناشطة سياسية وحقوقية تعمل بوجه مكشوف، تُدرك أنّ عودتها قد تعني اعتقالًا مباشرًا أو منعًا من السفر، وهي خطوة كفيلة بتحطيم حياتها المهنية والعائلية في فرنسا، حيث تقيم منذ سنوات.

“منذ لحظة الانقلاب في تونس، وجدتُ نفسي أمام تكرار مرير لتاريخ ظننته انتهى إلى الأبد. أنا امرأة عاشت اللجوء السياسي في عهد بن علي، وكانت أول تونسية تتحصّل على لجوء بسبب مواقفها ومعارضتها الصريحة للاستبداد. واليوم، بعد أكثر من عشر سنوات على الثورة، أجد نفسي مُجبَرة مجدداً على العيش كلاجئة سياسية في  فرنسا حتى وإن تغيّر وضعي القانوني وبعد كل هذه السنين فإنّ إحساسي الداخلي لم يتغيّر: أنا مُهجَّرة قسرياً مرة أخرى”، تؤكّد رجاء الشامخ.

لكن الجانب الأكثر إيلامًا في شهادتها هو المنفى الوجداني، تعيش رجاء إحساسًا بالاقتلاع، كأمّ عزباء وامرأة وحيدة بعيدة عن عائلتها التي تحتاجها. تروي كيف تحوّل النشاط الحقوقي إلى عزلة يومية، وإلى قهر مركّب، قهر السلطة، وقهر المسافة، وقهر العجز عن حضور جنازة أو معاضدة مريض أو مشاركة لحظة عائلية. وتصف المنفى بأنّه “غربة داخل الغربة”، حيث يظلّ الوعي معلّقًا بتونس؛ يتابع الخوف والاعتقالات والقمع وكأنّها تحدث داخل جسدها.

ورغم كل هذا الألم، لا تتراجع. تقول إنّ الاستبداد لا يفاجئها، فقد عرفته من قبل. تعرف أساليبه ونعوته وعمليات التشويه المألوفة. لكنّها تعتبر أنّ أكثر ما يوجعها هو حملات التخوين التي تأتي من داخل الوسط الحقوقي نفسه، ومحاولات وصمها سياسيًا لأنّها تدافع عن حق خصومها في محاكمات عادلة. وتصرّ على أنّ نضالها ليس دفاعًا عن أشخاص أو أحزاب، بل عن الإنسان وحقّه في الحرية والعدالة.

وفي نهاية شهادتها، تخاطب النظام والنساء التونسيات والفاعلين.ات السياسيين.ات برسالة واحدة: إنّها لن تتراجع، ولن تصمت، ولن تمنح الاستبداد شرف إسكات صوتها. وتؤكد أنّ منفى اليوم سيُنتج غدًا عودة، وأنّ تونس التي تؤمن بها ستُستعاد ولو طال الزمن.

تحمل شهادة رجاء الشامخ دلالات سياسية ونسوية مزدوجة. فمن منظور سياسي، تشكّل تجربتها نموذجًا صارخًا لعودة منطق العقاب السياسي الذي يستهدف الناشطين.ات الرّافعين.ات أصواتهم.ن خارج سيطرة السلطة. إنّ تكرار التجربة بعد 2021 يكشف حدود التحوّل الديمقراطي في تونس، ويُظهر هشاشة الضمانات التي بُنيت عقب الثورة، بحيث يمكن أن تتبخّر بالكامل حين تختل موازين السلطة. تكشف الشهادة أيضًا عن تحوّل المنفى من حالة جغرافية إلى حالة وجدانية، حيث يتّسع هذا المنفى ليشمل الشعور بالاقتلاع من الجذور، وفقدان المعنى، وانكسار الرابط بين المواطنة والانتماء.

يبرز في شهادتها ما يُمكن تسميته بـ”التهجير الجندري” حيث يُدفع بالنساء خارج الفضاء السياسي إمّا بالتشهير أو بمنع السفر أو بتحميلهنّ ثمنًا نفسيًا مضاعفًا بسبب مسؤولياتهنّ العائلية والاجتماعية. كما تعكس تجربتها هشاشة الدعم النسوي الداخلي في لحظات الاستبداد، إذ تمتد حملات التشويه أحيانًا من داخل الأوساط الحقوقية نفسها.

الشاهداتُ على العنف المؤسّساتي 

تقدّم الناشطة الحقوقية رملة الدهماني شهادتها بلهجة حادّة تنطلق من جرح شخصي وسياسي في آن واحد، فتونس التي تعرفها لم تعد موجودة. بلد بلا قانون، بلا عدالة، وبلا مؤسّسات قادرة على حماية الفرد من بطش السلطة أو انحراف القضاء. في هذا السياق، تتحوّل تجربة شقيقتها سنية الدهماني، المحامية والإعلامية، إلى مرآة لما يحدث داخل السجون التونسية باعتبارها فضاءً لإذلال الإنسان وتجريده من كرامته.

تروي رملة تفاصيل ما عاشته سنية داخل سجن “منّوبة”، التفتيش المُهين، التحرّش، التعامل مع السجينات كما لو أنّهنّ “أرقام أو دوابّ”، والانهيار التام لمفهوم الكرامة الإنسانية. ترى رملة أنّ الحكم القضائي، مهما كان ظالمًا، يبدو تافهًا مقارنة بما تنتجه منظومة السجون من قهر يومي، حيث يتضاعف العقاب مرّة إثر أخرى عبر السلوكيات المُهينة، والشماتة، والعنف الجسدي والنفسي.

لكن العذاب لا يقتصر على السجين.ة وحده.ها. فالعائلة أيضًا تصبح “سجينة” بطريقة أخرى، الاصطفاف في طوابير الزيارة، التعرّض للإهانات من الأعوان، والشعور بأنّ الإنسان يُعامل ككائن فاقد للقيمة. تسرد رملة حادثة المواجهة مع إحدى العونات التي خاطبت العائلات بفظاظة، وكيف اختارت المقاومة برفع الصوت في فضاء يريد الجميع فيه أن يصمت.

ويتداخل هذا الجرح العام مع مأساة العائلة، والدان في الثالثة والثمانين، أمّ ضعيفة البصر والسمع، وابنتان اعتادتا أن تتقاسما رعايتها، فإذا بالنظام يضع واحدة في السجن ويدفع الأخرى إلى المنفى. تشعر رملة بأنها منفية قسرًا، عاجزة عن العودة لحضور مرض أو وفاة محتملة، وبعيدة عن زوجها وأطفالها وبيتها وعملها، فقط لأنّها اختارت أن تكون صوت أختها.

“من سيُعيد إلى سنية السنة والنصف التي قضتهَا في السجون مظلومة؟ وأنا، من سيعيد لي السنة والنصف التي قضيتها بعيدة عن زوجي؟ أولادي الذين لم أكن قريبة منهم؟ منزلي الذي ضاع؟ عملي الذي خسرتُه؟ كل ذلك، فقط لأنّ واجبي الوحيد كان أن أكون صوت أختي. من سيعيد لنا كل هذا؟ من سيعيد لنا ما فُقد؟” تتحسر رملة الدهماني.

في خاتمة شهادتها، ترفض رملة خطاب “انتهى كل شيء بعد خروج سنية”. بالنسبة إليها، الظلم لم ينتهِ، فُقدت أشهر من العمر، تحطّمت حياة كاملة، وترك النظام أثرًا لا يُمحى. تقول: “لن أسامح”، ليس انتقامًا، بل لأنّ العدالة غابت، ولأنّ الظلم لا يمكن أن يظلّ بلا محاسبة.

تكشف شهادة رملة الدهماني عن مستوى آخر من العنف السياسي في تونس بعد 25 جويلية، عنف لم يعد يطال الناشطين.ات فقط، بل يمتدّ إلى أسرهم بالكامل، ويعيد تشكيل الحياة اليومية بوصفها معركة بقاء أخلاقية وإنسانية. إنّها شهادة تُبرز كيف تتحوّل الدولة حين تفقد استقلال القضاء إلى منظومة قهر متكاملة، تبدأ من المحكمة ولا تنتهي عند بوابة السجن.

تُشكّل تجربة رملة نفسها نموذجًا لـ التهجير القسري غير المعلن، فهي لم تُنفَ بقرار رسمي، لكنّ النظام وضعها أمام معادلة يستحيل التوفيق فيها بين الضمير والعيش داخل البلاد. بذلك يُصبح المنفى ليس قرارًا شخصيًا، بل نتيجة مباشرة لقمع الدولة وملاحقتها القضائية والمعنوية والاجتماعية للنشطاء والناشطات وأقاربهم. كما تكشف الشهادة عن أثر الاستبداد على العائلة، تلك الوحدة التي كثيرًا ما تُهمَل في التحليل السياسي. فالعقاب يصبح عقابًا عائليًا، يعاقَب التعبير بالسجن، وتعاقَب الأخت بالنفي، ويُقصَم ظهر الأب والأم بالهواجس والخوف.

الوطن في حقيبة صغيرة والمنفى في جذور منزوعة

تستعيد الصحفية زينة الماجري لحظة خروجها من تونس كمن يسترجع مشهدًا سينمائيًا لا يحدث إلاّ للآخرين. تهمة “التآمر على أمن الدولة” كانت أولى الضربات، ثم تتالت القضايا بتهم الإرهاب والمرسوم 54 و”تعريض حياة قاضٍ للخطر”، وكأنّ السلطة قرّرت أن تُخرجها من الحياة العامة دفعة واحدة. تقول إنّها غادرت بحقيبة صغيرة وزنها عشرة كيلوغرامات تضمّ أوراق ملفّها القضائي، تاركة وراءها كل ما يشبه الحياة، البيت، القطط، الأمّ، الأصدقاء، وتونس التي لم تكن تفكّر يومًا أن تغيب عنها لأشهر طويلة.

في فرنسا حيث استقرّت، لم تكن النية الإقامة، بل كان المنفى أشبه بحالة طارئة. فجأة وجدت نفسها أمام حياة لا تنتمي إليها، محكومة بالخوف، وبالانتظار، وبسؤال واحد يلازمها، إلى أين سنعود؟ تشبّه نفسها بشجرة صغيرة تُقتلع من تربتها. قد تنمو، نعم، لكنّها لا تعود الشجرة نفسها. والغربة، كما تقول، جعلتها تشعر وكأنّ عمرها صار مئتي سنة رغم أنّها لم تتجاوز الخامسة والثلاثين.

“لم أتعلّم بعد كيف أتعايش مع هذه الجذور المنزوعة. أشعر بروحي كشجرة اقتُلعت من تربتها. أعرف أن لديّ تربية معينة، ولديّ بلد لا أستطيع الاستغناء عنه؛ كما يكون لديكِ منزل تعودين إليه بعد يوم عمل طويل. تونس هي ذلك البيت بالنسبة لي مهما سافرت”، تكشف زينة الماجري.

اختارت الخروج لأنّ البقاء يعني السجن، ولأنّ السجن يعني دفع أمّها -المريضة بالسكري- إلى الاصطفاف في طوابير الزيارة، وتجهيز “القفّة”، والإهانات اليومية. تقول: “لم أرد أن أضعها أمام الميليشيات”. المنفى هنا ليس خيارًا كاملًا، بل الخيار الأقل وحشية.

ومثل كثيرات في المنفى، وجدت زينة نفسها محاصرة بأحكام مزدوجة، السلطة تتّهمها بالخيانة والتآمر، وبعض المعارضة تتّهمها بالخوف والهروب. يصبح صوتها -من الخارج- محاصرًا بين قراءتين متناقضتين: قراءة أمنية تجرّمها، وقراءة سياسية تقلّل من وجعها. ومع ذلك، تواصل الكلام لأنّه السلاح الوحيد المتاح، ولأنّها ترى أنّ المنفى يمنح صدى لمن لا يُسمَع صوتهم داخل السجون.

ومع كل يوم يمرّ، تشعر أنّها تعيش في “قاعة انتظار كبيرة”، تحمل مفتاح بيت ليس بيتها، مترقّبة اليوم الذي يقول لها أحدهم: “ارجعي، انتهى كل شيء”. الأحلام اليومية: بتونس، بطعام أمّها، برائحة الياسمين، بقط تركته خلفها، بمقهى لافايات (بتونس العاصمة) تحوّل إلى ما تبقى من وطن يمكن الوصول إليه بلا خوف.

وتعرف زينة، كما تعرف كل امرأة خرجت قسرًا، أنّ المنفى بالنسبة للنساء أشدّ قسوة: لأنّ المجتمع يمنح نفسه الحق في مساءلتها عن رحيلها، عن شجاعتها، عن خياراتها، عن أنوثتها، وعن “قدرتها على الاحتمال”. وفي زمن تُجرّم فيه السياسة وتُطارد فيه الأصوات الحرّة، يُصبح مجرّد الاستمرار في العيش شكلًا من أشكال المقاومة.

تضعنا الشهادة أمام البعد الجندري للمنفى: فالنساء، حين يهاجرن قسرًا، يتحمّلن وزنًا مضاعفًا من الأسئلة الاجتماعية، والوصم، واتّهامات “الجبن” أو “الهروب”. المنفى أحد أكثر تجارب النساء هشاشة، لأنه يقطعهنّ عن شبكات الدعم العائلية والوجدانية التي تُعدّ جزءًا من بنية الأمان اليومية. وهنا يصبح الجسد الأنثوي نفسه فضاءً للصراع بين سلطة تريد كتمه، ومجتمع يريد تقييمه، ومعارضة لا تزال -غالبًا- تقرأ الفعل السياسي بمعايير ذكورية.

وتنقل شهادة زينة أيضًا الإحساس العميق بـ فقدان الزمن السياسي، عشر سنوات ضاعت بين الاستقطابات العقيمة، بينما كانت الحريّات تتآكل ببطء. ولذلك يتحوّل المنفى إلى مرآة تعكس ما لم ينتبه إليه الداخل: أنّ الحرية، التي بدت يومًا أمرًا بديهيًا، يُمكن أن تُسحب ببساطة، وأن تُستبدل بحقيبة وزنها عشرة كيلوغرامات وبطائرة بلا عودة.

قراءة نسوية وسياسية لمسارات المنفى 

تُفسّر رئيسة لجنة التربية والثقافة في الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات والمناضلة النسوية أحلام بوسروال البعد الخفي والمؤلم لمفهوم “المنفى الاختياري” الذي يُروَّج له في الخطاب العام، مؤكّدة أنّه تسمية مضلِّلة تحجب حقيقة أنّ خروج الكثير من التونسيات المناضلات اليوم هو تهجير قسري فرضته الضرورة وانعدام الأمان. فالنساء اللواتي وجدن أنفسهن خارج حدود الوطن لم يغادرن بدافع الرفاه أو البحث عن فرص، بل لأنّ البقاء أصبح تهديدًا مباشرًا لحياتهنّ، ولحقّهن في التعبير، ولحقّ أسرهنّ في السلامة.

تستعيد أحلام عبر ذاكرة شخصية وجماعية مسارات تمتدّ من نهاية التسعينيات إلى العقد الأخير، من تجربة رجاء الشامخ، السجينة السياسية السابقة واللاجئة في بداية الألفينات، إلى الانتكاسة الراهنة التي دفعت أسماء بارزة مثل المناضلتين يسرى فراوس وبشرى بلحاج حميدة إلى حدود اللجوء، بل والاضطرار لطلب الحماية السياسية بعد أحكام جائرة وصلت إلى 35 سنة سجن في حقّ بشرى بالحاج حميدة. هكذا يتكرّر التاريخ، لكن بوجوه نسائية تدفع ثمنًا مضاعفًا: ثمن النضال وثمن النوع الاجتماعي معًا.

وتُؤكّد على أنّ المنفى بالنسبة للنساء ليس مجرّد مغادرة جغرافية بل اقتلاع اجتماعي وأسري كامل؛ فكل امرأة منفية تترك وراءها دورًا رعائيًا مركزيًا داخل أسرتها، وتحمّل عائلتها في الوقت نفسه عبء الفقد والقلق. هنا يصبح المنفى شكلًا من أشكال العنف الجندري الذي يتقاطع مع العنف السياسي، لأنّ السلطة حين تعاقب النساء على أصواتهنّ، فإنّها تعاقب أيضًا البُنى العائلية التي تعتمد عليهنّ في الرعاية والاستقرار.

وترى بوسروال أنّ تجارب النساء اللاجئات اليوم تُعيد إنتاج منظومة سلطوية قديمة، حيث يجتمع القمع الأمني مع حملات التشويه والتخوين والإقصاء، في محاولة لطمس الوجود النسوي الحرّ في المجال العام. فوجود نساء يعبّرن وينظّمن ويؤثّرن بات مرعبًا لسلطة لم تعد تحتمل نقدًا أو مساءلة.

وفي النهاية، تطرح إطارًا لفهم ما جمعته شهادات المنفيات الأخريات: المنفى لم يكن يومًا خيارًا شخصيًا، بل قرارًا اتّخذته النساء تحت الإكراه، لحماية أنفسهنّ وعائلاتهنّ، وللبقاء مخلصات لقضية الحرية والعدالة. هو تجربة جماعية، مثخنة بالفقد، تُذكّر بأنّ حق النساء في وطن آمن ليس امتيازًا، بل حقّ أساسي لا يجب أن يُصادَر.

وفي نفس السياق تُشير أحلام إلى أنّه “لا يمكن الحديث عن هذا المسار دون الاعتراف بإسهام الجمعية في التوثيق والبحث أيضًا، فقد أصدرت خلال سنة 2024 كتابًا كاملًا عن مسيرة بشرى بلحاج حميدة جمعت فيه بين التاريخ السياسي والنسوي، وذكّرت بدورها في تطوير القوانين والدفاع عن حقوق النساء في تونس وفي المنطقة.”

تكشف شهادات المنفيات التونسيات عن خيطٍ ناظم واحد؛ هو أن الخروج لم يكن قرارًا فرديًا بل ضرورة فرضتها عودة الدولة البوليسية وتراجع الضمانات القانونية والسياسية. ورغم اختلاف الأجيال والظروف، تتقاطع التجارب في إحساسٍ عميق بالاقتلاع، وفي انتقالٍ قسري من فضاء سياسي كان يومًا مفتوحًا نحو حدود مغلقة يتهدّد فيها الأمان والكرامة. 

كل هذا، يُظهر هشاشة المسار الديمقراطي؛ حين تصبح النساء المناضلات والفاعلات في المجال العام، أولى ضحاياه، حيث يُلاحقن بالقضايا، يُشوَّه حضورهنّ، ويُدفَعن إلى منافٍ لا تتسع لثقل الفقد الأسري ولا لثقل المسؤولية السياسية. 

وهكذا يتحوّل المنفى من حدث فردي إلى أثر جماعي يطال النساء وعائلاتهنّ وذاكرة البلاد معًا، ويذكّر بأنّ الديمقراطية التي لا تضمن للنساء حقّ البقاء في الوطن هي ديمقراطية لم تولد بعد.

اقرأ أيضا

  • “كان فخا للموت”.. حقائق جديدة في مأساة مليلية

    قبل أقل من أسبوع من الذكرى الثانية لمأساة مليلية، التي أسفرت عن "مقتل 23 شخصا"، حسب الرواية الرسمية للمغرب و"مقتل 27" وفق منظمات حقوقية؛ كانوا يحاولون القفز على السياج الحدودي، كشف تحقيق جديد عن المسؤولية المشتركة بين السلطات الإسبانية والمغربية عن الأحداث. وفي ظل غياب تحقيق مستقل، قامت منظمات غير حكومية، وهي مركز الدفاع عن…

    سعيد المرابط|

  • “دفعت جسدي للوصول”.. تراجيديا المهاجرات في تونس 

    بحثا عن الأمن، السلام والعيش الكريم، في فضاء لا تتعرض داخله للتعنيف والاستغلال الجنسي، اختارت "قلامس" أن تسلك طريقا طويلة من بلدها الكاميرون باتجاه تونس. فبعد المحادثات المطولة التي جمعتها مع صديقتها التي تعيش هناك منذ ثلاث سنوات أصبح لديها يقين أنها الخطوة التي يجب اتخاذها حتى تتمكن من اللجوء إلى دولة يتم فيها احترام…

    ريم بلقاسم|

  • ماري وفاتي| أرواح السود ثمنُ “تصديرِ الحدود” الأوروبية إلى تونس وليبيا 

    مضى من الزمن حوالي سنة، لكن جمر الألم مازال متقدًا تحت رماد الذاكرة، ودم باتو لازال يغلي في كل مرة يتذكر فيها زوجته وابنته، فما حدث لهذا المهاجر الكاميروني ولعائلته بين تونس وليبيا؛ حلقة من مسلسل اعتقال وتهجير قسري، ورميٍّ في الصحراء؛ يمكن اعتبارها جريمة إنسانية، الضحايا فيها هم المهاجرون الأفارقة السود، الهدف من ذلك،…

    Hounna | هنّ|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • الفيديوهات

  • “لم نتوصل بالدعم”..نساء الحوز يكشفن الوجه الآخر لإهمال ضحايا الزلزال

    يبدو أن بلدة مولاي إبراهيم بإقليم الحوز، جنوب مدينة مراكش، لن تتعافى قريبا من تبعات الزلزال الذي بعثر سبل العيش هناك، خاصة أن أغلب سكان البلدة كانوا يعيشون على نشاط السياحة الداخلية التي يجلبها ضريح مولاي إبراهيم، فالتجارة والإيواء وخدمات أخرى توفرها الساكنة، خاصة نسائها، توقفت اليوم بشكل كلي، ولا أمل يلوح في الأفق لعودة…

  • محاكمة عسكرية للمعارضة التونسية شيماء عيسى

    لم تغلق المحكمة العسكرية بعد، ملف محاكمة شيماء عيسى، المعارضة التونسية والقيادية في جبهة الخلاص الوطني، فقد تم تأجيل جلسة، محاكمتها إلى 10 أكتوبر، القادم.