“خروجنا إلى الشارع لم يكن سوى صرخة استغاثة، وإعلانًا عن وجودنا ورفضنا للتجاهل والتهميش. عشنا، نحن جيل زد، مؤشّرات إنذار حتى قبل اندلاع الاحتجاجات، ولم نكن نطالب سوى بحقّنا في العيش الكريم والتعبير والوجود”، بهذه الكلمات، تستعيد ابتسام (23 سنة)، شابة من مدينة الدار البيضاء وإحدى المشاركات في حراك جيل زِدْ، دوافع خروجها إلى الشارع قبل عام، رافضةً اختزال الاحتجاجات في لحظة غضب عابرة.
وتربط ابتسام بين المطالب التي حملها الشباب خلال المظاهرات وأحداث سبتة اللاحقة، باعتبارهما، في قراءتها، تعبيرين مختلفين عن رفض الجيل نفسه لواقع لا يجد فيه شروط العيش الكريم: “حتى أحداث سبتة التي جاءت لاحقًا، أراها شكلًا آخر من أشكال مقاومة هذا الجيل؛ فالشباب الذين ألقوا بأنفسهم في البحر لم يفعلوا ذلك من فراغ، بل رفضًا لحياة المذلّة. وكأنّ الدولة تفضّل أن نموت على أن نعيش بكرامة”.
“خرجنا للاحتجاج، ثم خاطر شباب آخرون بحياتهم في البحر، لكنّ الدولة، رغم كل هذه الإشارات، ما زالت لا تريد الاستيقاظ”، تضيف الشابة بتأثر.
مرّت سنة على انطلاق الحراك، لكنّ انتهاء المظاهرات لم يوقف تبعاتها بالنسبة إلى المشاركات والمشاركين؛ فبين من عادوا إلى حياتهم اليومية، ومن واجهوا الاعتقال والمحاكمة والسجن، ومن فقدوا أصدقاء أو عايشوا سقوط قتلى ومصابين من جيلهم، امتدّت التجربة إلى ما بعد الشارع، وطالت مسارات دراسية ومهنية وعائلات وجدت نفسها أمام أعباء لم تكن تتحمّلها قبل الاحتجاجات.
في هذا التقرير، نعود إلى شابات شاركنَ في الحراك، للحديث عمّا بقي من هذه التجربة في حياتهنّ بعد عام، وما تغيّر في نظرتهنّ إلى المستقبل والاحتجاج، إلى جانب تبعات الاعتقالات والأحكام القضائية على الشباب الذين خرجوا للمطالبة بتحسين أوضاعهم.
“فري كلشي”.. التضامن والفن لمواصلة المقاومة

في ذكراه الأولى، لم يغب معتقلو حراك جيل زِدْ عن لقاءات الشابات و الشباب، وإن غابوا عن المشاركة فيها. إذ مازال نحو 650 شخصًا رهن الاعتقال، وفق تقديرات الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بينهم قاصرون.
للمطالبة بإطلاق سراحهم، أطلق شباب وشابات مبادرة “فري كلشي” (Free Koulchi)، التي جمعت مشاركين في الحراك وأمهات المعتقلين، ونُظّمت في الدار البيضاء والرباط وفاس ومكناس، ووصلت إلى مدريد وباريس.
أراد الشباب أن تكون الذكرى مناسبةً للقاء من جديد، لا لاستعادة أحداث الاحتجاجات فقط، بل للحديث عمّا عاشوه خلال عام كامل، وعن رفاقهم ورفيقاتهم الذين ما زالوا داخل السجون. خصّصوا لذلك برنامجًا جمع النقاش المفتوح والشهادات بعروض الأفلام والشعر والموسيقى والتصوير، لتجد التجارب الفردية مساحةً للتعبير، وتتحوّل إلى نقاش مشترك حول الحراك وتبعاته.


تقول سلمى في حديثها لمنصة “هنَّ”: “منحتني المشاركة في المظاهرات شعورًا بالأمل والانتماء، وعرّفتني على أصدقاء أصبحوا اليوم من أهمّ الأشخاص في حياتي. لكنّ تفكيري الآن مع المعتقلات والمعتقلين، فهم ليسوا مجرّد أرقام نذكرها كلّما تحدّثنا عن الحراك، بل أشخاص لهم أحلام وحياة وأحبّة ينتظرونهم. أريدهم أن يعرفوا أنّهم ليسوا وحدهم، وأنّنا لم ننسَهم ولن نتوقّف عن المطالبة بحرّيتهم. الحرّية لهم جميعا”.
عام بعد الاحتجاج.. ما الذي تغيّر في حياة المشاركات؟
لم تتوقف تجربة حراك جيل زِدْ بالنسبة إلى المشاركات عند انتهاء المظاهرات. فقد عادت الشابات إلى دراستهنّ وأعمالهنّ وحياتهنّ اليومية، حاملات معهنّ ما عشنه خلال أيام الاحتجاج، وما تابعنه لاحقًا من أخبار الوفيات و الإصابات والاعتقالات والمحاكمات.
“قرّرت المشاركة في المظاهرات، خصوصا بعد السياق الذي سبقها وفاة 8 نساء في مستشفى أكادير، من يستطيع أن يرفض المشاركة في احتجاج يطالب بالصحة والتعليم؟ هذه مطالب مشروعة وبديهية. لطالما راودتني أسئلة كثيرة وأنا أرى معاناة الناس من أجل العلاج، وطول المسارات التي يضطرون إلى قطعها للحصول عليه، وحتى حين كنت أرى والدتي تتوجّه إلى المصحّات الخاصة لتتلقّى العلاج. بالنسبة إليّ، الصحة والتعليم حقّان مقدّسان، ومن حقّ كل مواطنة ومواطن الاستفادة منهما. هذا ما دفعني إلى الخروج والاحتجاج”، توضح فاطمة الزهراء 21 سنة من مدينة الرباط لمنصة “هنَّ”.
لم تنتظر فاطمة الزهراء، انطلاق الحراك لتطرحَ أسئلتها حول واقع الصحة والتعليم، لكنّ الاحتجاجات أتاحت لها التعبير عنها إلى جانب شباب وشابات يتقاسمون المطالب نفسها. وبعد عام على مشاركتها، تعود إلى تلك التجربة، وما عاشته خلالها، وما بقي منها في حياتها اليوم.
و من جهتها، ما تزال لبنى (22 سنة)، من مدينة الدار البيضاء، تستعيد بعض المشاهد التي عاشتها خلال الأيام الأولى من الاحتجاجات، والتي بقيت عالقة في ذاكرتها إلى اليوم: “كانت الأيام الأولى من الاحتجاجات عنيفة جدًا. أكثر مشهد يراودني كلّما استعدت تلك الأيام هو شرطي يضرب طفلًا قاصرًا بحذائه، حتى ازرقّت قدماه وانتفختا، وأصبح يعرج من شدّة الضرب”.
“آلمني ذلك المشهد كثيرًا. أتذكّر أيضًا أنّني فقدت أختي وسط الفوضى، وحين رآني أحد الشباب خائفةً، اقترب لمساعدتي، لكنّ شرطيًا انتهز الفرصة وأمسك به، ثم التفت إليّ وهدّدني قائلًا: “اذهبي، وإلّا أمسكت بكِ معه”. غادرت المكان، ولا أعرف إلى اليوم ماذا حدث لذلك الشاب. كلّما تذكّرته أشعر بتأنيب الضمير، وأتمنّى أن يكون بخير”، تضيف لبنى.
يرى الأستاذ محمد السموني، صحفي وباحث في علم الاجتماع السياسي، في حديثه لمنصة “هنَّ” أن “الديناميات الاحتجاجية، المفتوحة خصوصا، تخلق تحولات مهمة في مسارات النشطاء المشاركين فيها. لذلك يصعب تتبع المسارات، خلال سنة أو اثنين، أو التوقف عند زمن الاحتجاج، الذي يكون مكثفا بالأحداث، المشاعر، الرهانات، وأيضا المعاناة؛ في حالة الشباب المتابع في ملفات قضائية، أو الذين صدرت في حقهم أحكام قضائية ابتدائية”.
ويشير إلى أنَّ “المشاركون في حراك جيل زِدْ، وخاصة مع النقاشات والتداول مع شخصيات من خارج الدينامية، ولو في منصة ديسكورد، يتيح لمجموعة من الشباب فرصة تغيير مساراتهم، أو على الأقل يدفعهم إلى تشكيل قناعات سياسية، رغم أن الحراك بدأ يركز على ملفات اجتماعية: الصحة والتعليم”.
وفي هذا السياق تحكي سيمان مناضلة نسوية تقاطعية ومدافعة عن حقوق الإنسان بالمغرب، عن تجربتها الميدانية في مواكبة أحداث جيل زِدْ مع الشباب: “كان التضامن بين الشباب رهيبًا، كلّما تعرّضوا للعنف وتفرّقوا، عادوا ليواصلوا الاحتجاج في مكان آخر. لم يكونوا مستعدّين للتراجع، رغم ما كانوا يواجهونه. كان إصرارهم قويًا، وكان لديهم أمل في أن يُحدث خروجهم إلى الشارع تغييرًا”.
الاعتقال والترهيب.. حين امتدّت تبعات الاحتجاج إلى العائلات
لم يقتصر العنف الذي ترويه المشاركات على ما واجهنه في الشارع؛ فقد أعقبت الاحتجاجات توقيفات واعتقالات، وامتدّ الترهيب إلى عائلات بعض الشباب، التي وجدت نفسها أمام ضغوط ومخاوف مرتبطة بمصير أبنائها وبناتها. هكذا، انتقلت تبعات الحراك من أماكن الاحتجاج إلى البيوت، لتعيش الأسر بدورها تجربة لم تكن طرفًا مباشراً فيها.
تستعيد نجوى 23 سنة لحظة، لحظة توقيفها في الشارع من طرف عناصر الشرطة، قبل خروجها بكفالة (غرامة مالية) بدعوى التحقّق من هويتها، ثم اقتيادها إلى المخفر، حيث تروي ما تعرّضت له من شتم وتهديد، وما ترتّب عن ذلك من خلافات مع أسرتها ما تزال مستمرّة إلى اليوم: “أوقفوني في الشارع من أجل التحقّق من هويتي، ثم وجدت نفسي داخل مخفر الشرطة، في مكان ضيّق وغير نظيف، أتعرّض للشتم والتهديد، دون أن أعرف حتى سبب احتجازي”.
وتسرد نجوى أنهم “لم يكتفوا بذلك، بل حاولوا إظهاري أمام عائلتي كفتاة غير محترمة، وأنّ الطريق الذي اخترته سيقودني إلى الهلاك. حينها واجهتني عائلتي بعبارة: «ليس لدينا بنات يبتن في مخافر الشرطة» فيما حذّرهم أحد عناصر الشرطة قائلًا: «إذا وجدناها مرة أخرى، فلن تمرّ على خير»، ومنذ ذلك اليوم، وأنا أعيش مشاكل ومشادات مستمرّة مع عائلتي، ولم تعد علاقتنا قبل كما كانت من قبل”.
بدورها تروي حسناء 24 من مدينة مراكش، عن تجربة توقيفها من طرف الشرطة بدعوى، المشاركة في تنظيم مظاهرة غير مرخّص لها رغم المنع و العصيان وعدم الامتثال لأوامر السلطات: “أجبرت على إمضاء محاضر لم أقرأها بحيث هددني الشرطي أن أمضي أو لا يكون خيرا، ولم أكن أعرف حتى بماذا متهمة، زيادة عن الشتم و الإهانة والمساس بكرامتي، لكن ما كان يشغلني حقا هو كيف ستستقبل أمي الخبر خاصة و أنها قادمة من مدينة أخرى بعيدة و أنا أدرس في مدينة الدار البيضاء”.
لم تكن تجربة التوقيف بالنسبة إلى الشابة محصورة في ما عاشته داخل مخفر الشرطة؛ فوسط التهديد والإهانة، كان تفكيرها منصبًّا على والدتها التي اضطرت إلى القدوم من مدينة بعيدة، وعلى ما قد يخلّفه توقيفها من تبعات على علاقتها بأسرتها.
“كانت تؤلمني دموع أمي خاصة أن خروجي للاحتجاج كان قراري، لكن وجدت أنّ مسؤوليته تحملتها معي عائلتي، وكنت أشعر أنني أصبحت عالة عليهم وأدخلتهم في مشاكل هم في غنى عنها”، تروي حسناء، وتؤكد على أنه “رغم كل هذا فالاحتجاج والتعبير عن رأيي حق مشروع، ولن أكون خاضعة إلا إن مت”.
وفي ما يتعلّق بالتبعات التي يتركها الاعتقال على الحياة الأسرية للشباب، يشير أستاذ السموني إلى اختلاف وضعياتهم، موضّحًا: “أنه يصعب توحيد الحالات في فئة أو نمط واحد. فكما أن بعض الشباب، الذي ظهر في الاحتجاجات أو المتابعات القضائية، بدا في سن صغير، يفترض أنه مازال يحتاج إلى مساعدة العائلة. فهناك شباب مستقل، عن العائلة اقتصاديا، ولو نسبيا. مسألة تتبع حالات الشباب المعتقلين خاصة، تتطلب تنظيما، ومتابعة من الأسرة أولا، وأيضا من التنظيمات الحقوقيةـ أو حتى من أفراد الدينامية نفسها، التي ربما تساعد في تخلص الشباب من أزمة الاعتقال وتخفف من انتزاعهم من المجتمع، أو حتى انقطاعهم عن الدراسة والمؤانسة الاجتماعية”.
“هذا الجانب، الذي ظل، للأسف في مختلف الديناميات الاحتجاجية، التي عرفها المغرب، غير مرئية، وتبقى في مجال الشخصي الذي يستفيد منه المعتقلين خاصة، بحسب الوسط الاجتماعي، ودعم العائلة خاصة لهم”، يضيف السموني.
وتتقاطع هذه الشهادات مع ما رصدته سيمان، فخلال مواكبتها للاحتجاجات، خصوصًا ما يتعلّق بظروف التوقيف والتعامل مع الشباب والشابات، والتبعات التي امتدّت إلى عائلاتهم: “كنت أسهر أمام أبواب مخافر الشرطة، كانت هناك عائلات تخاف جدا على أبنائها، كانوا قاصرين بعضهم مصابون بأمراض مزمنة، وداء السكري يحتاجون للأنسولين و الدواء، كانت فعلا مشاهد صعبة، وحتى عندما كنا نذهب عند العائلات لجرد أسماء المعتقلين من أجل مؤازرتهم كانت بعض العائلات تتهرب منا ولا تستقبلنا، خوفا من أن نورطهم؛ فبالنسبة لهم كان هذا سيعقد الأمر أكثر، لكن في المقابل كانت عائلات تساند أبنائها ومقتنعة بنضالتهم وتقول أن أبناؤنا لم يفعلوا شيئا و مطالبهم مشروعة”.
ما بعد الاعتقال.. مستقبل معلّق وسؤال الاندماج من جديد
كان الشغل وتحسين الأوضاع الاجتماعية من بين المطالب التي خرج من أجلها شباب جيل زد إلى الشارع. وبعد عام، يجد بعض من طالتهم الاعتقالات والأحكام القضائية أنفسهم أمام صعوبات إضافية في بناء المستقبل الذي كانوا يطالبون بفرصة للوصول إليه.
فبالنسبة إلى شاب في بداية مساره، قد لا تنتهي تبعات الاعتقال بانقضاء العقوبة والخروج من السجن. هناك دراسة انقطعت، أو فرصة عمل ضاعت، أو مسار مهني يحتاج إلى بداية جديدة، فضلًا عن أثر السابقة القضائية وما قد تطرحه من عراقيل أمام الولوج إلى بعض الوظائف والمهن.
“خرجنا إلى الشارع لأنّنا كنّا نبحث عن فرصة لحياة أفضل، عن الشغل ومستقبل نستطيع بناءه بكرامة. لكن بعد الاعتقال، أصبحت أفكّر كيف سأبدأ حياتي من جديد، وكيف سأبحث عن عمل وأنا أحمل سابقة قضائية. كنت أصلًا أبحث عن فرصة لأجد مكاني في المجتمع، والآن أشعر وكأنّ الاعتقال أخذ منّي حتى فرصة البحث عنها. العقوبة قد تنتهي، لكن ماذا عن حياتنا بعدها؟ من سيعيد إلينا الوقت الذي ضاع، ومن سيمنحنا فرصة أخرى”، تقول يسرى 24 سنة من مدينة سلا لمنصة “هنَّ”.
ويوضح الباحث في علم الاجتماع السياسي محمد السموني، في هذا السياق أن “الشباب الذين خرجوا بحثًا عن الشغل وتحسين أوضاعهم كانوا حاضرين داخل حراك جيل زِدْ، لكنّهم لم يشكّلوا الفئة المهيمنة على النقاشات أو على اتخاذ القرارات وصياغة المطالب والمواقف في اللحظات الحاسمة”، ويربط ذلك أيضًا بـ”عدم صمود الاستراتيجية التفاوضية للحراك في الشارع، خصوصًا مع اتّجاه الدولة إلى تدبير الاحتجاج باستخدام العنف والمتابعات القضائية”.
ويضيف أن المطالب التي برزت تذيب المطالب الفردية “النفعية”، مثل التشغيل، لصالح مطالب أخرى أكثر عمومية، وتتعلق يالسياسات العمومية: “بطبيعة الحال وجود هذه الفئة، ولو بقي مخفيا، لكنه كان مؤثرا في عملية التعبئة والخروج للشارع، ولو أنه لم يستمر للأسباب التي ذكرت”.
“فالحراكات دائما تغير المسارات، التي من طبيعتها غير موحدة، وكما يمكن لبعض الشباب من أن يستفيد من لحظة الاحتجاج كلحظة تكوين وتشكيل شخصية وقناعات شخصية، تتراجع مسارات أخرى عن المكاسب الاجتماعية التي كانت لديها، وتدخل في معاناة نضالية، يبقى قدرة التدبير الشخصي لها، هي المحدد لتحول مسار ناشطة أو ناشط عن آخر” يوضح السموني.
وتربط سيمان بين ما عاشه الشباب خلال الاحتجاجات وتراجع ثقتهم في المؤسسات والخطاب السياسي، معتبرةً أنّ خيبة الأمل لم تنتهِ بانتهاء المظاهرات: “أُصيب الشباب بإحباط كبير؛ فقد خرجوا وهم يعتقدون أنّهم يعيشون في دولة ديمقراطية ستستمع إلى أصواتهم ومطالبهم، لكنّهم وجدوا عكس ما كانوا ينتظرونه”.
وتؤكد سينان: “اليوم، نرى أنّ كثيرًا منهم فقدوا الثقة في الأحزاب والخطابات السياسية والإعلام، وأعتبر العزوف عن التصويت في انتخابات 2026 جوابًا واضحًا وصريحًا من هذا الجيل. فمن غير المعقول أن يكون عدد كبير من أصدقائهم رهن الاعتقال، ثم نطلب من الشباب الآخرين أن يثقوا في المؤسسات نفسها التي اعتقلت رفاقهم. كيف يمكن أن ننتظر منهم استعادة الثقة، بينما ما زالوا يعيشون تبعات ما حدث خلال الاحتجاجات؟”
عام على الاحتجاجات.. ماذا بقي من المطالب والأمل في التغيير؟
بعد عام، ما تزال مطالب الصحة والتعليم والعيش الكريم التي خرج من أجلها شباب جيل زِدْ مطروحة. وبين ما كانوا يأملون تحقيقه وما تغيّر في واقعهم منذ الاحتجاجات، يستعيد المشاركون والمشاركات نظرتهم إلى إمكانية التغيير، وما إذا كانت التجربة قد عزّزت رغبتهم في مواصلة الاحتجاج والتعبير أم دفعتهم إلى التراجع.
تقول سلوى (21 سنة): “لم يتحقّق ولا شيء بسيط من المطالب التي خرجنا من أجلها. كلّ ما حصلنا عليه هو التجاهل، وعدد كبير من المعتقلين، وخسارتنا الأكبر كانت الشهداء الثلاثة بالقليعة. طوال هذا العام، مرّت البلاد بأزمات اجتماعية كبيرة، لكنّ الدولة لم تُعطِها الاهتمام الذي تستحقّه. كلّ هذا يزيد من غضبنا، وهذه المرّة لن يستطيعوا إيقافنا أو التحكّم فينا، لأنّ ما عشناه جعلنا أقوى وأكثر استعدادًا للمواجهة”.
ويتابع أستاذ محمد السموني في حديثه لمنصة”هنَّ”: “كلفة الاحتجاج لا يمكن أن تتضح، تصورا أو حتى تمثلا، إلى في سياقات الدينامية الاحتجاجية نفسها. كما أن مسألة الكلفة في غالب الوقت تنتفي، أو تصبح غير محددة، بشكل كبير، في ظل شروط اجتماعية وسياسية مختلفة. إن دورات للاحتجاج، تخلق شروطها وحساباتها المختلفة، وهي التي تدفع بالناس إما للمشاركة أو عدم المشاركة في الاحتجاج. إن كانت كلفة الاحتجاج واضحة ويمكن قياسها في المطالب الفئوية أو الحصرية، فإن في الاحتجاجات الاجتماعية، المفتوحة، يصعب القبض عليها، بحثيا، أو حتى في استراتيجيات التعبئة نفسه”.
من جهتها تقول الناشطة الحقوقية سيمان: “كانت مظاهرات جيل زِدْ بداية لكسر الصمت، لكنّ سياسة الدولة ما زالت تسير في اتجاه إنتاج جيل غاضب وحاقد. التغيير يحتاج إلى مزيد من النضال، وهنا يأتي دور المنظّمات الحقوقية والمناضلات والمناضلين في تأطير الشباب ومساعدتهم، والتقاط الرسالة التي وجّهوها من خلال مقاطعة الانتخابات. نحن أمام جيل واعٍ، لم تستطع الدولة التحكّم فيه بالحملات الإعلامية المضلّلة أو شراء أصواته بالمال. رسالتي إلى المنظّمات الحقوقية أن تقوم بدورها وتقترب أكثر من هؤلاء الشباب، وإلى الشباب أيضًا أن يثقوا فيها، لأنّ التغيير يحتاج إلى عمل مشترك”.
وفي هذا الصدد يعتبر أستاذ السموني أن “الحراك أصبحا مرجعًا في سيرورة الديناميات الاحتجاجية، رغم الاتفاق أو الاختلاف حول مدى نجاحه أو فشله في التأثير على القرار السياسي للدولة في لحظة ما”.
ويستدرك أن “الأمر غير متعلق بارتباط دورات الاحتجاج بجيل دون غيره، فالتصنيف الجيلي بشكل قاطع، وربط الدينامية الاجتماعية، أو حتى الحركة الاجتماعية لجيل دون غيره، يبقى استنتاج متعسف؛ فالدينامية الاجتماعية، هي التي تستطيع جمع التناقضات والاختلافات الاجتماعية داخلها. فحتى في دينامية جيل زد 212، رغم تسميتها الجيلية، إلا أن الحراك، سواء على المستوى الافتراضي أو الحقيقي في الشارع، كان يضم نشطاء ليسوا بالضرورة منتمين، تصنيفيا، إلى فئة جيل زِدْ”.
ويتابع بأن الدينامية الاجتماعية تؤثر في السلوك السياسي، وتخلق استعدادات اجتماعية وسياسية، تظهر تمايز مرحلة عن أخرى، وخير مثال، على ذلك مقاطعة هذه الفئة العمرية، للتسجيل أو المشاركة في الانتخابات التشريعية الأخيرة. حيث لا تمثل هذه الفئة احصائيا سوى 4 بالمائة من عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، والتي أتوقع أنها تمثل أيضا نسبة مرتفعة من عدم المصوتين يوم 23 شتنبر.
ورغم مرور سنة على ذلك الحراك، لم تنتهِ احتجاجات جيل زِدْ بانسحاب الشباب من الشوارع؛ فقد بقيت لدى بعض المشاركات مشاهد العنف والخوف وتبعات التوقيف، فيما احتفظت أخريات بما منحتهنّ تلك الأيام من شعور بالتضامن والانتماء إلى جيل قرّر أن يرفع صوته. امتدّت التجربة إلى حياتهنّ اليومية، وإلى علاقات بعضهنّ بعائلاتهنّ، ونظرتهنّ إلى المؤسسات ومستقبلهنّ، بينما ما يزال المعتقلون وعائلاتهم يواجهون تبعات المشاركة في الحراك.



















