
منذ أربع سنوات، تقاوم مونة، عاملة بشركة “سيكوميك” بمكناس، النسيان على رصيف الكرامة، تمّ طردها من العمل صحبة عاملات أخريات بعد قرابة أربعين سنة من العمل، ضمن تسريح جماعي “تمّ دون إشعار مسبق، ودون تعويض، ودون احترام لقانون الشغل، بل لم تُلقَ حتى كلمة شكر”، حسب شهادات استقتها “هنَّ”.
في حديثها لمنصة “هنَّ”، قالت مونة، وعلى وجهها ملامح تعب السنين: “بعد سنوات من العمل المضني، تم تسريحنا، لا عمل، لا دخل، ولا تغطية صحية، كأننا لم نكن يومًا جزءًا من هذا الفندق… لا حوار، لا التزامات، فقط أبواب مقفلة وأرصفة باردة آوتنا وأبناءنا. فمنذ 12 يوليوز 2024، والمعتصم مستمر أمام الفندق، ليلًا ونهارًا، في الحر والبرد، وسط تجاهل تام من السلطات”.
بإرادة قوية، رغم مرارة الواقع، أضافت مونة: “تعرضنا للتعنيف على يد بلطجية الفندق، وتُركنا دون حماية، عانينا من أمراض الشارع، وأثقل التعب أبناؤنا وأصابتنا الأمراض.”
ورغم التعب والمرض، لم تنكسر إرادة مونة، بل زادها الظلم قوة، فبصوت ثابت تؤكد: “رغم التواطؤ الذي طال ملفنا، لم نتنازل، ولن نتنازل عن حقنا، وعن مقابل أجمل سنوات أعمارنا… هي معركة تتجاوز المطالبة بالشغل إلى الدفاع عن كرامتنا”.
سنوات من التشريد وعام من الاعتصام في الخلاء
في الـ12 من يوليوز الجاري، يكون قد مر عام كامل على الاعتصام المفتوح الذي تخوضه عاملات شركة “سيكوم” أو”سيكوميك” أمام فندق الريف بمدينة مكناس، أمام وجانب الفندق الذي كان منذ أربعين سنة مضت ملاذا لهنَّ، قبل أن يصبح مصدر معاناة يومية، رافقتها آذان صماء جعلت الضحايا يتكبدن مشقة السفر للعاصمة الإدارية الرباط، رغم ضيق ذات اليد للمطالبة لحلحلة عاجلة.د أربع سنوات من المعاناة والتهميش، بعدما وجد أكثر من 550 عاملاً
اعتصام سلمي يُجسوعاملة أنفسهم مشردين في الشارع، بلا دخل وبلا تغطية صحية، لم تصرف مستحقاتهم المتعلقة بالأجور بعدما أفنوا أعمارهم –بعضهم منذ الطفولة – في خدمة الشركة لأكثر من أربعة عقود.
هي مأساة لا يصدقها عقل ولا يقبلها ضمير، إذ أُغلقت الأبواب في وجوه نساء وأبنائهن، وتجاهلت الجهات المعنية نداءاتهن، كأن صوت المصالح الخاصة أعلى من صوت العدالة الاجتماعية، وكرامة المواطن التي نص عليها الدستور المغربي.
ذكرى مرور عام كامل على هذا الاعتصام النضالي هي صرخة نساء عانين، وتشردن هم وأبناؤهن وجاعوا، وهو أيضًا نداء قوي بعزيمة أقوى: “لا تراجع عن حقوقنا المشروعة”، تقول مونة، و”رغم عدم الإنصاف في تعاطي الجهات الرسمية مع ملفهن، والصراعات النقابية محليا ومركزيا والتي أضعفت هذا الملف”، حسب تصريحات لعاملات أخريات.
ست وفيات وحالات شلل وبتر
معطيات صادمة كشفت عنها العاملات خلال الندوة الصحفية المنظمة بمقر “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان” بالرباط، فقد توفيت حسب تصريحاتهنَّ، “ستة من العاملات، والعمال بسبب أمراض مزمنة، كما تم تسجيل حالات بتر الأطراف، وفقدان البصر لآخرين، هذا بالإضافة إلى ثلاث حالات شلل نصفي”.
تداعيات التسريح أثرت أيضا في بنات وأبناء الضحايا، تدهورت الأحوال المادية للأسر، فيما يعاني الصغار من أزمات نفسية عنيفة جراء تعرض ذويهم للمضايقات، والاعتداءات المتكررة، حيث تعيش الأمهات أزمة مزدوجة.
أربعون عامًا من العمل والشتات
تُعتبر محميمو سعيدة، عاملة سابقة بشركة “سيكوميك”، نموذجًا صارخًا لمعاناة آلاف النساء المغربيات اللائي قضين أعمارهن في العمل، ليجدن أنفسهن في الشارع بلا مأوى وبلا حقوق.
لـ”هنَّ” تقول سعيدة بصوت يكاد ينكسر: “أنا ضحية المادة 19 من قانون الشغل، اشتغلت قرابة أربعين سنة، ثم تشردت مع أبنائي… أربعون عامًا من الكد والعرق انتهت بالتشريد والإقصاء؛ أنام وأطفالي ليلاً في العراء، أمام فندق كان يومًا مكان عملي، لكنه أصبح الآن رمزًا للظلم والخذلان”.
الأطفال أيضًا لم يكونوا بمنأى عن هذه المعاناة، “أبناؤنا بحاجة إلى أطباء نفسيين، تأثروا بما يحدث في المعتصم، يقضون أوقاتهم في الاعتصام، ونحن نطالب فقط بحقوقنا، ولن نتنازل”، توضح سعيدة.
وبألم وعزيمة تضيف: “لا يقتصر ألمنا على فقدان العمل وحده، بل يمتد إلى حرمان أبنائنا من أبسط ضروريات الحياة. معاناة أبنائنا الذين لا يجدون أبسط احتياجاتهم تزيد من وجعنا اليومي”.
دروس الشارع
تروي فتيحة حدادوش، عاملة سابقة بشركة “سيكوم”، حكاية كفاح مرير تعلمته في الشارع، حيث عاشت مرارة الترهيب الجسدي والنفسي والمعنوي، “تعلمنا دروسًا قاسية في الشارع، تعرضنا لمشاكل مع بلطجية الفندق نفسه، وواجهنا رشًا بمواد كيميائية، والضرب بالزجاج والحجارة”.
وتضيف فتيحة لمنصة “هنَّ”: “على الرغم من كل ذلك، احتجاجاتنا سلمية، وسنقاوم من أجل حقوقنا المشروعة، لن نتنازل. نطالب بالتعجيل في حل ملفنا، هو ملف اجتماعي نتج عنه ضحايا كثيرون، فللأسف، تعرضنا للنصب والاحتيال بسبب المادة 19 التي لم تحمينا”.
تحايل قانوني أم إفلاس أخلاقي؟
يقول خالد عدلي، المحامي بهيئة مكناس، لمنصة “هنَّ”، أن ملف عمال وعاملات شركة سيكوميك – سيكوم “يمثل نموذجًا خطيرًا لتحايل قانوني مدروس تم تنفيذه بعناية على مدى سنوات، بهدف التخلص من أكثر من 600 أجير وأجيرة عملوا لعدة عقود، واكتسبوا كامل حقوقهم الاجتماعية والقانونية”.
وأوضح أن الشركة لجأت إلى تصفية أصولها وتحويلها إلى “صدفة فارغة”، مما يجعل “تنفيذ الأحكام القضائية التي قد تُصدر لفائدة العمال غير ممكن، نظراً لغياب أية أصول قابلة للحجز أو التنفيذ عليها”.
واستشهد عدلي بالمادة 19 من مدونة الشغل المغربية، التي تنص على استمرار العقود في حال طرأ تغيير على الوضعية القانونية للمشغل، سواء بالبيع أو الإدماج أو الخوصصة، حيث يلتزم الخلف القانوني بجميع الحقوق والواجبات تجاه الأجراء.
غير أنه عبّر عن أسفه لكون هذه المادة “لم تُحط بضمانات قانونية كافية، ما فسح المجال لاستغلالها من طرف أرباب عمل متلاعبين، بغرض التخلص من الأجراء دون أداء مستحقاتهم”.
وشرح المحامي كيف يتم تنفيذ هذا المخطط؛ إذ “يُفرّغ الأصل التجاري من أصوله، ثم يُباع لكيان جديد لا يتوفر على أي ضمانة مالية، ثم يُدفع لاحقًا نحو الإفلاس، ليُغلق الباب في وجه العمال المطالبين بحقوقهم، حتى بعد صدور أحكام قضائية لصالحهم”.
وشدّد عدلي على أن نجاح هذا المخطط ستكون له تبعات خطيرة، إذ “سيفتح الباب أمام كل من يرغب في التملص من التزاماته تجاه الأجراء، ويمثّل تهديدًا حقيقيًا لترسانة القوانين الاجتماعية بالمغرب، بل وللاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الدولة”.


















