عاملات النظافة بالمركز الاستشفائي الجامعي بفاس ينتفضنَ من أجل حقوقهنّ 

منذ سنوات تخوض بشرى، عاملة نظافة بالمستشفى الجامعي CHU وكاتبة داخل نقابة مكتب عاملات النظافة بالمستشفى وزميلاتها معارك متتالية، من أجل الإنصاف والكرامة ومن أجل حقوقهنّ ومستحقاتهنَّ، ففي يوم الـ16 من يونيو الجاري، وأمام المركز الاستشفائي، اصطفّت العاملات تحث أشعة الشمس، يرفعنَ لافتات وشعارات تحمل معها سنوات من التهميش وأوضاع مهنية يصفنهَا بالقاسية. 

نساء يقضين ساعات طويلة في تنظيف الممرات والغرف الاستشفائية، والمساهمة في الحفاظ على شروط النظافة داخل أحد أكبر المرافق الصحية بالجهة، قبل أن يجدن أنفسهن خارج أسوار المؤسسة يطالبن بحقوق يعتبرنها أساسية، من أجر منصف وظروف عمل لائقة إلى احترام الحقوق الاجتماعية التي يكفلها قانون الشغل. 

وهكذا تحولت وقفة احتجاجية لعاملات النظافة إلى نافذة تكشف جانباً من واقع العمل في قطاع المناولة داخل المؤسسات الصحية العمومية، حيث تتقاطع شكاوى الهشاشة المهنية مع مطالب الكرامة والإنصاف الاجتماعي.

في حديثها لمنصة “هنّ”، تقول بشرى، إنّ واقع العاملات ما زال يتميز بعدّة  اختلالات مهنية واجتماعية، من بينها غياب التصريح الفعلي في الضمان الاجتماعي بما يضمن الاستفادة من التعويضات أو حقوق التقاعد، إضافة إلى عدم بلوغ الأجر الحد الأدنى للأجور، فضلاً عن ما تعتبره العاملات أشكالاً من المضايقات والتمييز في محيط العمل.

 هذه الوضعية تمتد كذلك إلى عاملات تقاعدن بعد سنوات طويلة من العمل داخل المستشفى، حيث يجدن أنفسهن دون معاش تقاعدي قار، بسبب غياب التصريح المنتظم خلال سنوات العمل، وهو ما ينعكس في حصول بعضهن على مبالغ هزيلة لا تتجاوز 550 درهماً شهرياً, تضيف بشرى.

كما تشير إلى أنها تشتغل في هذا المستشفى منذ 13 سنة، في نظام عمل يمتد إلى 12 ساعة يومياً، من السابعة صباحاً إلى الخامسة مساءً، مقابل أجر لا يصل إلى الحد الأدنى للأجور.

زهرة البالغة من العمر 65 سنة، تمثل نموذجاً آخر من مسار العاملات السابقات بالمستشفى الجامعي، حيث اشتغلت لسنوات طويلة قبل أن تتوقف عن العمل وتدخل مرحلة التقاعد؛ غير أن خروجها من العمل لم يكن، حسب قولها، “بداية لمرحلة استقرار”، بل بداية لـ“معاناة جديدة” مرتبطة بانعدام دخل قار يضمن لها العيش الكريم.

وتوضح أن وضعيتها بعد التقاعد لم تُترجم إلى معاش كافٍ، إذ لم يضمن لها مستوى الدخل الحالي الحد الأدنى من العيش، وهو ما تعزوه إلى ضعف التصريحات المرتبطة بالضمان الاجتماعي خلال سنوات العمل. وتضيف أن عدد النقط المُصرّح بها لم يكن كافياً لاحتساب تعويض تقاعدي مستقر، لتجد نفسها اليوم في وضعية هشاشة اقتصادية، رغم سنوات الخدمة الطويلة التي قضتها داخل المؤسسة.

(2019–2023): مرحلة “الهشاشة المقنّنة”

تكشف الشكاية الموجهة إلى مدير الشركة بتاريخ 09 يونيو 2026 عن مرحلة سابقة تمتد بين 2019 ونهاية 2023، وُصفت من طرف العاملات بسنوات “العمل بلا حماية”، قبل بروز الصوت النقابي داخل القطاع.

مراسلات وشكايات نقابية توثق خروقات مزعومة في حق عاملات النظافة بالمركز الإستشقائي بفاس

وتُظهر معطيات هذه الفترة صورة وضع مهني شديد الهشاشة، حيث كانت العاملات يشتغلن بشكل يومي ومنتظم داخل المستشفى الجامعي مقابل أجر شهري لا يتجاوز 1800 درهم، وهو مبلغ يقل بشكل واضح عن الحد الأدنى القانوني للأجور، ما يعكس – وفق مضمون الشكاية – اختلالاً في التعويض عن العمل الفعلي.

كما تبرز الوثائق معطى أكثر خطورة يتعلق بالحماية الاجتماعية، إذ كانت الشركة تُصرّح بالعاملات لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على أساس أربعة أيام فقط في الشهر، رغم اشتغالهن الفعلي طيلة أيام الأسبوع. وقد ترتب عن هذا الوضع حرمانهن من جزء كبير من حقوقهن الاجتماعية، سواء على مستوى التغطية الصحية أو التعويضات العائلية، إضافة إلى إضعاف أو انعدام أثر سنوات العمل على مستقبل التقاعد.

وتقدم هذه المعطيات، وفق مضمون الشكاية، صورة عن مرحلة اتسمت بهشاشة مركبة، جمعت بين ضعف الأجر والحرمان الجزئي من التغطية الاجتماعية، قبل أن تبدأ مرحلة المطالبة الجماعية بالحقوق داخل إطار نقابي.

دجنبر 2023: تحسن جزئي لم يُغيّرجوهر المعاناة

وثائق رسمية توثق مسار النزاع بين عاملات النظافة وشركة HYM بفاس

تُبيّن الوثائق أن انخراط العاملات داخل الاتحاد العام للشغالين بالمغرب (UGTM) وتأسيس مكتب نقابي خاص بهن في أواخر سنة 2023، شكّل لحظة فارقة نسبياً، إذ رافقه تحسن محدود في بعض الشروط، من بينها رفع الأجر إلى 2600 درهم، وتحسين عدد أيام التصريح لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) ليصبح بين 20 و26 يوماً.

لكن، ورغم هذا التغيير، ترى العاملات أن ما تحقق ظلّ جزئياً ولم يلمس جوهر معاناتهن اليومية، وفق ما تعكسه شكايات سنة 2026

وتستمر، حسب نفس المعطيات، مجموعة من الإكراهات التي كانت قائمة سابقاً، مثل محدودية العطل السنوية التي لم تكن تتجاوز تسعة أيام في السنة إلى حدود 2023، إضافة إلى عدم الاستفادة من عطل الأعياد الدينية والوطنية المؤدى عنها، فضلاً عن غياب أي تعويض في حال اضطرارهن للعمل خلال هذه المناسبات.

وتشير العاملات إلى أن ما سُجل من زيادات في الأجور خلال الفترة الأخيرة، حيث انتقل الأجر إلى حوالي 2400 أو 2600 درهم، لم يكن دائماً يُصرف بشكل كامل كما هو مُعلن. فبحسب شهاداتهن، كانت بعض المبالغ تُحوَّل إلى الحسابات البنكية، قبل أن تُقتطع منها مبالغ تُقدَّر بحوالي 400 درهم عند الاستلام، عبر ما يصفنه بآليات غير واضحة داخل تدبير الأجور.

وتعتبر العاملات أن هذه الممارسات تطرح علامات استفهام حول طريقة تدبير الأجور داخل الشركة، في ظل غياب الشفافية والشعور بوجود خروقات متكررة تمسّ حقوقهن المالية، سواء على مستوى الزيادات أو التعويضات المرتبطة بالعمل.

تقول لبنى، وهي إحدى العاملات اللواتي تم الاستغناء عنهن، في حديثها لمنصة “هنّ”، إنها تشتغل في هذا المستشفى منذ ثلاث سنوات، ومنذ التحاقها بدأت تكتشف، حسب قولها، عدداً من الاختلالات داخل الشركة المكلفة بتدبير العمل بالمستشفى، من بينها تدني الأجور، وسوء المعاملة، إضافة إلى عدم التصريح بها في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

وتضيف أن زميلاتها لم يُبدين دهشة عندما طرحت عليهن هذه الملاحظات، بل أخبرنها أن هذا الوضع قائم منذ سنوات، وأن كثيرات فضّلن الصمت لتفادي المشاكل، و أنها بدأت للتو وبدأت في الشكوى.

كما تروي أنها عاشت لحظة صدمة حين تعرضت إحدى زميلاتها لحادث داخل المستشفى وسقطت أثناء العمل، حيث طُلب منها التوقف والذهاب للراحة، لكنها عند عودتها وجدت أن مكانها قد شُغل، لتُفاجأ بأنها فقدت عملها رغم التزامها.

وتوضح لبنى أنها، رفقة عدد من الزميلات، قررن البحث عن حل، فانخرطن في إطار نقابي تابع للاتحاد العام للشغالين بالمغرب للدفاع عن حقوقهن.

وتؤكد على أن هذا الانخراط شكّل نقطة تحول، إذ بدأت، حسب قولها، تتعرض وزميلاتها لضغوط ومضايقات متزايدة تهدف إلى دفعهنّ لمغادرة العمل، وهو ما أدى فعلاً إلى استقالة عدد من العاملات تحت هذا الضغط.

وتضيف أنه خلال إحدى جلسات الصلح، واجهها أحد المسؤولين بقولها إنها “سليطة اللسان”، وأن جرأتها لن تنفعها ولن تضمن لها الاستمرار في العمل.

وتتابع لبنى أنها نُقلت إلى مستشفى بعيد عن مقر سكنها، مع فرض العمل الليلي عليها، رغم أنها كانت قد أوضحت منذ البداية أنها أم ولا تستطيع العمل ليلاً، معتبرة أن هذا الإجراء لا يمكن فصله عن طابع انتقامي مرتبط بانخراطها في العمل النقابي

وتتقاطع شهادة لبنى مع ما عاشته زميلتها أمينة داخل نفس المؤسسة، في سياق يعكس، بحسب المعطيات المتوفرة، نمطاً متكرراً من التعامل مع بعض العاملات، حيث تتشابه التجارب رغم اختلاف التفاصيل الفردية.

أما أمينة، وهي عاملة سابقة بنفس المستشفى و عُضوة في المكتب النقابي، تروي بدورها تجربة مشابهة لمنصة “هنّ” أنها تعرّضت بدورها لما تصفه بمضايقات أعقبت انخراطها في العمل النقابي إلى جانب زميلاتها للمطالبة بحقوقهن. 

وتوضح أمينة، أنه جرى تحويلها إلى مستشفى آخر بعيد عن مقر سكنها، وهو ما اعتبرته قراراً يصعب الاستجابة له بالنظر إلى ظروف التنقل وبعد المسافة. وبعد رفضها الانتقال إلى مقر العمل الجديد، تم توقيفها عن العمل، وهي وضعية استمرت، بحسب روايتها، لأزيد من سنة. 

وترى أمينة أن ما عاشتهُ يندرج ضمن الضغوط التي تقول العاملات إنهنَّ تعرضنَ لها بسبب انخراطهنَّ في الدفاع عن حقوقهن داخل المؤسسة.

وفي حديثه لمنصة “هنّ”، يقول إدريس أبلهاض، الكاتب الإقليمي للاتحاد الشغالين بفاس، إن شركة المناولة المكلّفة بخدمات النظافة بالمستشفى الجامعي بفاس ظلّت لسنوات، تفرض على العاملات ظروف عمل وصفها بـ”المجحفة”، سواء من خلال تدني الأجور، أو الحرمان من عدد من الحقوق الأساسية، من قبيل العطل السنوية والراحة القانونية.

ويضيف أن العاملات كنَّ يواجهن صعوبات حتى في حالات المرض، إذ كانت بعضهن تُعتبر في حالة غياب رغم الإدلاء بشهادات طبية، كما لم يكن يُسمح لهن بمغادرة العمل عند الضرورة رغم الادلاء بشواهد طبية.

وأوضح أبلهاض أن النقابة خاضت سلسلة من الأشكال النضالية، من وقفات احتجاجية وشكايات موجهة إلى الجهات المختصة، من أجل استعادة حقوق العاملات وتحسين أوضاعهن المهنية والاجتماعية. ورغم بعض المكتسبات، يؤكد أن الأجور ما تزال دون الحد الأدنى القانوني، وأن العاملات يواصلن المطالبة بتقليص ساعات العمل إلى ثماني ساعات يومياً، مع التعويض عن الساعات الإضافية التي يتم الاشتغال بها.

كما استنكر ما وصفه بحالات التضييق والتمييز التي تتعرض لها العاملات المنخرطات في العمل النقابي، مشيراً إلى أن إحدى العاملات استُدعيت من طرف مفتشية الشغل بعد حصولها على إذن من المشغّل، غير أنها فوجئت بتحرير محضر غياب في حقها خلال تلك الفترة.

وطالب المتحدث نفسه بفتح نقاش حول مدى احترام الشركة لبنود دفتر التحملات الذي يربطها بالمستشفى الجامعي، متسائلاً عن دور إدارة المستشفى والجهات الرقابية في تتبع مدى التزام شركات المناولة بحقوق العاملات واحترام مقتضيات قانون الشغل.

وختم تصريحه بالتساؤل عن أسباب استمرار تشغيل عاملات لساعات طويلة قد تتجاوز 12 ساعة يومياً، دون تعويض مناسب، داعياً إلى تعزيز المراقبة وضمان ظروف عمل تحفظ الكرامة والحقوق الأساسية لهذه الفئة من العاملات.

اقرأ أيضا

  • بين الإقصاء والسرية والوصم.. الثمن الذي تدفعه النساء مقابل حظر الإجهاض في المغرب

    أطلقت "منظمة العفو الدولية"، دراسة رائدة تحذر من أن تجريم الإجهاض في المغرب، حتى في حالات الحمل الناتج عن الاغتصاب، له "آثار مدمرة" على حقوق النساء والفتيات. وقالت "منظمة العفو الدولية"، اليوم الثلاثاء، أن الدولة المغربية تنتهك حقوق النساء؛ بسبب تجريم الإجهاض في البلاد، الأمر الذي يدفع الكثيرات منهن، حتى اللاتي تعرضن للاغتصاب أو سوء…

    Hounna | هنّ|

  • “زوج مع وقف المسؤولية”.. هروب الزوج جحيم تعيشه النساء في المغرب 

    "لم أبحث عن زوجي الذي فر هاربا من مسؤولية طفلين صغيرين، ووالدته المريضة بالسكري، لا وقت لي لذلك، فقد انشغلت بالبحث عن قوت يومي لهذه الأفواه المفتوحة، وعن ثمن كراء البيت الذي يأوينا مخافة طردنا منه، ولادي لي مقسحين، أحيانا لا أستطيع أن أوفر لهم أي طعام طيلة اليوم، يبكون منحرقة الجوع، فأشعر بالعجز أمام…

    سناء كريم|

  • رعب في غرف الولادة بموريتانيا: عندما يصبح الطبيب جلادًا

    بين جنبات مستشفيات نواكشوط، المكان الذي من المفترض أن تتلقى فيه النساء الحوامل الرعاية الطبية، والدعم لهن ولأطفالهن حديثي الولادة، تتكشف قصص مرعبة عن سوء المعاملة والإهمال من قبل بعض الممرضات العاملات في قسم الولادة . وبدلا من إظهار الرحمة والدعم  تتعرض عديد النساء للإساءة النفسية والجسدية أحيانًا، كضريبة يدفعنها لقاء الحصول على الرعاية الطبيّة،…

    سلطانة خليفة|

  • عيد الأضحى.. النساء قربانُ غير مرئي!

    منذ الساعات الأولى لصباح عيد الأضحى، يتصدّر الرجال مشهد الذبح في الساحات وأمام المنازل، باعتباره الطقس الأكثر رمزية وظهورًا في العيد. تتعالى التكبيرات، تُلتقط الصور أحيانًا، ويتحوّل مشهد الأضحية إلى لحظة جماعية يُعاد فيها إنتاج طقوس دينية سنوية للدين الإسلامي. لكن خلف هذا المشهد المباشر، يبدأ عالم آخر أقلّ ظهورًا وأكثر إنهاكًا، هو عالم تُديره…

    يسرى بلالي|