إيناس، أم لثلاثة أطفال، عاملة نظافة بالمستشفى الجامعي “حسين بوزيان” بقفصة منذ أوت/ غشت 2024، وهذا العمل بالنسبة لها ليس مجرد وظيفة، بل هو “حلم العمر” الذي جاء بعد سنوات طويلة من الصبر والبطالة في مدينةٍ لطالما صُنفت ضمن الجهات الأقل نصيباً من التنمية، رغم ثراء رصيدها من الموارد الطبيعية.
بدأت إيناس رحلتها هي وأربع وعشرين عاملة أخرى، يحملن على عاتقهن أعباء ومسؤوليات عائلاتٍ وأبناء يعتمدون كلياً عليهن. بالنسبة لهن، هذا العمل هو طوق النجاة الوحيد لمجاراة واقع معيشي يزداد تعقيدًا.
في الفاتح من أوت/غشت 2024، وقعت إيناس بمعية أخريات على عقد عمل لمدة سنة عن طريق نظام “المناولة” (عبر وسيط شغل)، وباشرت إيناس وزميلاتها مهامهن، حيث تقضين ثماني ساعات يوميا متواصلة في تنظيف أروقة المستشفى، بل وأيضا يقمن بمهام أخرى، وما إن ينتهي اليوم حتى تجد العاملات أنفسهن منهكات، ينخر التعب والإرهاق أجسادهنّ. ورغم هشاشة هذا العمل ومشاقه، تكرر إيناس دائماً: “كل شيء يهون من أجل أطفالي”.
تعمل إيناس منذ سنة وتسعة أشهر في التنظيف بالمستشفى عن طريق المناولة، وبالرغم من الأجر الزهيد، كانت تأمل في الاستقرار المهني لضمان مورد رزق ثابت يعين زوجها على أعباء الحياة، ويوفر الضروريات لأطفالها.
حين جاء قانون المناولة فرحنا… لكن!
بدأت العاملات عملهن منذ بداية غشت/ أوت 2024، بعد توقيع عقد عمل لمدة سنة، لكنّ في المناولة بشكل رسمي في ماي 2025، استبشر الكثير من العمال والعاملات خيراً، واعتبروه سبيلاً للخلاص من “العبودية المقننة” وخطوة لإنهاء عقود العمل الهشة. وهو بالضبط ما حرص الرئيس التونسي قيس سعيد على تأكيده عبر هذا القانون، من خلال إدماج عمال وعاملات المناولة وتسوية وضعيتهم بشكل رسمي وإلغاء الشركات الوسيطة.
إيناس، كغيرها من العاملات، استبشرت بهذا القانون وظلت تنتظر لمدة تسعة أشهر الحصول على أجرها كاملاً، رغم وعود الوزير والمسؤولين خلال زيارتهم للمستشفى، ومقابلتهم للعاملات والالتزام بتسوية وضعياتهن القانونية وإدماجهن رسمياً للعمل في المستشفى كعامِلات نظافة رسميات لدى الدولة، حسب شهادة إيناس.
استمرت التطمينات وطال معها الانتظار، “مرت أشهر ولم نحصل على مستحقاتنا المادية، كنّا نعمل ليلاً ونهاراً ونحن منهكون دون أي مقابل مادي. نحن من طبقة اجتماعية مهمشة ومن عائلات معوزة، وعلى عاتقنا مصاريف كراء، وأطفال تنتظر قوتها، والتزامات مادية وعائلية عديدة لا تقبل التاجيل أو الانتظار، ورغم ذلك كنّا نتحمل”، تقول إيناس.
تؤكد إيناس في شهادتها لهذه المنصة أن “الكثير من العاملات اضطررن إلى البحث عن مصدر دخل آخر”، أو إلى “تقديم خدمات أخرى مثل العمل في المنازل لتأمين المصاريف العائلية وسداد سومة الكراء”، ما استنزفهن جسديا ونفسيا، خاصة مع استمرار سياسة المماطلة والتأجيل في دفع المستحقات المادية لعاملات طيلة 9 أشهر متواصلة.
في ذلك الوقت الذي كانت تقتات فيه العاملات الكادحات على أمل تسوية وضعيتهن الشغلية، إلاّ وصدرت مناظرة وطنية خاريجية في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية بالاختبارات المهنية لانتداب 500 عامل تنظيف وحراسة بصفة تعاقدية وفق شروط محددة، من بينها: إتمام السنة الخامسة أساسي على الأقل، السن بين 18 و40 سنة (مع استثناءات قانونية).، شهادة تكوينية معادلة للمستوى المطلوب. وتشمل هذه المناظرة انتداب 25 عاملة نظافة و13 عامل حراسة بالمستشفى الجامعي حسين بوزيان.
وفي هذا السياق تقول إيناس: “في الوقت الذي كنا ننتظر فيه تسوية وضعيتنا، صدرت هذه المناظرة التي لا تتوافق شروطها مع أغلبنا ما يعني أنه لا يحق لنا المشاركة فيها وبالتالي إقصائنا من العمل”.
وهذا، ما يعتبره الأمين العام للنقابة الوطنية المستقلة لأعوان وإطارات الصحة منير دغبوجي “تضاربا صارخا مع وعود المسؤولين السابقة بتسوية وضعية العاملات اللواتي باشرن العمل فعلياً ومع قانونا المناولة”، مشددا على أن كثيرات منهن “سيتم إقصائهن ويصبحن عاجزات عن تأمين مصدر قوتهن اليومي لأن شروط المناظرة لا تتوفر فيهنّ”.
9 أشهر لم نحصل على مستحقتنا المادية
أمام استمرار تجاهل السلطات لتسوية وضعيتهن المهنية وعدم صرف مستحقاتهن المادية طيلة تسعة أشهر متتالية، انطلقت العاملات في تنظيم سلسلة من التحركات الاحتجاجية للمطالبة بصرف أجورهن وتسوية وضعياتهن القانونية، في مسار نضالي مستمر منذ ديسمبر 2025، احتجاجاً على عدم صرف مستحقاتهن رغم مواصلتهن للعمل طيلة تلك التسعة الأشهر المتتالية، وكان آخر هذه التحركات، وقفة احتجاجية حاشدة يوم الأربعاء الـ4 من مارس الماضي أمام مقر وزارة الصحة.
وفي شهادة لمنصة “هنَّ”، تكشف سامية (اسم مستعار)، وهي واحدة من العاملات عن “تعرضهن لضغوطات وهرسلة ممنهجة من قبل أعوان الإدارة بالمستشفى”، مؤكدة على أنّ الإدارة لجأت إلى أساليب ترهيبية، من بينها “تكليف عدل منفذ لمعاينة عدم مباشرتهن للعمل”، وذلك كإجراء عقابي عقب مشاركتهن في وقفة احتجاجية سلمية للمطالبة بحقوقهن المشروعة.
ما روته سامية لهذه المنصة، تعتبره جمعية تقاطع “انتهاكًا صريحًا للحق في العمل، والحق في الأجر العادل، والحق في الكرامة الإنسانية”.
وتؤكد الجمعية الحقوقية غير الحكومية، على أن ذلك “يتعارض مع أحكام دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022، ولا سيما الفصل 46 الذي ينصّ على الحق في العمل في ظروف لائقة وبأجر منصف، فضلًا عن التزامات الدولة التونسية بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقيات منظمة العمل الدولية ذات الصلة”.
رغم أنّ إيناس وزميلاتها أخيرًا تمكنّ من الحصول على مستحقاتهن المادية، إلا أنهنّ اليوم مازلن مهددات بالبطالة خلال شهر جوان القادم، والأدهى أن عاملات النظافة بقفصة لسن الوحيدات، فشبح البطالة يهدد عاملات وعمال النظافة والحراسة والطبخ في مختلف المستشفيات التونسية التي تشملها المناظرة أو لا تشملهم. والذين اجتمعوا بدورهم وقاموا بتنظيم تحرك احتجاجي في اليوم الثاني من أبريل الجاري أمام البرلمان التونسي.
عمال المطبخ خارج حسابات الدولة
تعمل ليلى (اسم مستعار) بمطبخ المستشفى الجامعي ابن جزار بالقيروان، بعدما ولجت عن طريق شركة مناولة بعقد مدته سنة ثم بعد ذلك أمضت عقد بـ6 أشهر اسداء خدمات، تشتغل ليلى بمعدل 12 ساعة يوميا، وفي حديثها لـ”هنّ” تقول ليلى، “والي الجهة أخبرنا أننا لسنا مناولة، لك\نان نعمل عن طريق وسيط أي شركة (عقود من الباطن) ووزير الصحة يعتبر ذلك مناولة… نحن 25 عامل وعاملة مهددون بعد 3 أشهر بالبطالة”.
وتمثل ليلى هي وزميلاتها الوجه الآخر والمنسي لأزمة إلغاء المناولة في تونس، فحين صدر قرار إلغاء المناولة، استبشرت ليلى خيراً، وظنت أن “ساعة الإنصاف” قد دقت، لتنهي سنوات الاستغلال والهشاشة المهنية، لكن بينما بدأت إجراءات التسوية لبعض القطاعات، وجدت ليلى وزملاؤها في “قسم المطبخ” أنفسهم خارج حسابات الدولة.
تحول القانون الذي وُصف بـ”طوق النجاة” إلى “مقصلة” تهدد بقطع أرزاقهم، بعد أن تبيّن أن الصيغة الحالية لتسوية الأوضاع قد استثنت عمال المطابخ، تاركة إياهم في “منطقة رمادية” بلا غطاء قانوني ولا أفق مهني واضح.
أجري لا يتجاوز 497 دينارا!
مفيدة، عاملة المطبخ بالمستشفى الجامعي “فطومة بورقيبة” بالمنستير، تمثل تجسيداً حياً لمعاناة العمال في ظل عقود الشغل الهشة التي لا تنتهي بالضرورة بتسوية الوضعية المهنية أو بإقرار قانون يمنع المناولة ويجرمها.
بدأت مفيدة مسيرتها مع شركة مناولة منذ عام 2013، واستمرت لعام قبل أن تنقطع وتستأنف العمل مجدداً في سنة 2019 مع الشركة ذاتها. كانت تعمل بجدٍّ مضنٍ، بمعدل 12 ساعة يومياً، دون التمتع بأي يوم راحة، ومقابل أجر زهيد لا يتجاوز 480 ديناراً.
وتروي مفيدة أن استمرارها في العمل كان مرهوناً بـ”عقود إسداء خدمات” قصيرة الأمد (شهر أو شهرين أو ثلاثة)، تُجدد بصفة دورية، مما يبقيها دائماً تحت تهديد فقدان مورد رزقها، ورغم ذلك كانت تعمل بجد لأنه لم يكن لديها خيار آخر يمكن أن تضمن به لقمة عيشها وتسدد به الكراء.
نقطة التحول في قصة مفيدة كانت في 6 أفريل 2025، وتحديداً خلال إحياء ذكرى وفاة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، حين تمكنت ابنة مفيدة وزوجها من مخاطبة رئيس الجمهورية قيس سعيد مباشرة، ناقلين إليه معاناتها ومطالبين بتسوية وضعيتها المهنية وترسيمها.
إلا أنّ هذا المسعى لانتزاع حقها القانوني تحول ففي شهادتها لمنصة “هُنَّ”، أكدت على أنها تعرضت لمختلف أشكال التنكيل والهرسلة من قبل صاحب شركة المناولة “منذ اللحظة التي تحدثت ابنتي وزوجي إلى رئيس الجهورية”.
“منذ ذلك الحين تتالت الضغوط المهنية والهرسلة من قبل المشغل، بل وصلت إلى محاولات التهجم والاعتداء المادي، وتلفيق التهم الكيدية لي ولزوجي”، تقول مفيدة بحرقة، موضحةً أنهم “فعلوا كل هذا بي لأنني طالبت بحقي في شغل يحفظ كرامتي تمنيت لو لم تتكلم ابنتي”.
وعلى الرغم من صدور إعلان رسمي يفيد بتسوية وضعيتها وترسيمها، تؤكد مفيدة أنه لا يوجد أي دليل ملموس على ذلك حتى حدود اللحظة. بل إنها تواجه اليوم فصلاً جديداً من التحديات، فبعد تقليص ساعات عملها إلى 8 ساعات، عمدت الإدارة إلى تقسيم توقيتها بشكل غير منظم (فترات صباحية ومسائية متباعدة)، وهو ما اعتبرته شكلاً من أشكال الانتقام والتنكيل وهو فعلا ما أنهكها جسديا ونفسيا.
وفي السادس من أفريل 2026، تزامناً مع زيارة الرئيس التونسي قيس سعيد إلى مدينة المنستير لإحياء ذكرى وفاة الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، حاولت مفيدة مقابلته مجدداً على أمل أن تروي له معاناتها المستمرة، ملتمسةً منه إنصافها. لكن، وبينما كانت تحاول الوصول إليه وسط الحشود المتراصة، تم إيقافها من قبل أعوان الأمن هي وزوجها، واقتيادهما إلى مركز الحرس بالمنطقة، ليُطلق سراحهما لاحقاً.
تقول مفيدة لمنصة “هنّ”: ‘أخبروني أنّ هناك تعليمات تقضي بمنعي من مقابلة الرئيس، وحين حاولت المقاومة تم إيقافي أنا وزوجي، وكان طفلي معي”.
ورغم كل هذه “التسويات” المزعومة، مازال أجر مفيدة الشهري لم يبرح مكانه، حيث لا يتجاوز 497 ديناراً أي في حدود السميغ، في واقع يتضارب مع كل شعارات العمل اللائق والعدالة الاجتماعية.
“قانون إلغاء المناولة لم تستفد منه إلا قلة قليلة وتسبب في بطالة الكثير”
ويرى الأمين العام للنقابة الوطنية المستقلة لأعوان وإطارات الصحة منير دغبوجي في تصريحه لـ”هنّ” أنّ “قرار الدولة القاضي بإنهاء نظام المناولة وتسوية وضعية العاملين والعاملات في المستشفيات التونسية، ترك العديد من العملة والعاملات في وضعية غامضة وغير مفهومة، خاصة أولئك الذين تقلُّ مدة عملهم عن سنة. حيث طُلب منهم إمضاء’عقود إسداء خدمات’، وهي عقود حسب النقابة غير قانونية، خاصة مع إعلامهم بأنه سيتم إنهاء مهامهم رسمياً في شهر جوان القادم”.
في ذات السياق، ضبابية الوضع القانوني لعاملات النظافة بولاية قفصة، تمتد لتشمل العاملات في كلّ من عاملات المستشفى الجامعي “فطومة بورقيبة” بالمنستير وسيدي بوزيد والقيروان.
من جهته، يرى الأستاذ المحامي صغير الزكراوي، في حديثه لمنصة “هنَّ”، أنّ “قانون المناولة لم يأخذ بعين الاعتبار الوضعيات الخاصة للعمال والعاملات، مثل عامل السن والمستوى الدراسي والوضعية الخاصّة لطبيعة العمل وبالتالي وجب الضغط من أجل تعديله”.
ويعتبر الزكراوي أن “قانون إلغاء المناولة لم يستفد منه إلا قلة قليلة جداً، بل تسبب في بطالة وتسريح الكثير من العمال والعاملات، وفشل في تسوية وضعياتهم الشغلية، خاصة بعد أن أغلقت شركات المناولة أبوابها، مشيراً إلى أنّ بعض هذه الشركات كانت تعمل بشكل موسمي”.
ويضيف الزكراوي أنّ “هذا القانون كان غير مدروسٍ، ما جعل عمالاً في قطاع البنوك وغيرها من القطاعات يجدون أنفسهم خارج سوق الشغل”.
ويرى الأستاذ المحامي أنه “كان من الأجدى تطبيق هذا القانون بشكل تدريجي ومدروس حسب القطاعات تفاديا إلى هذه النسبة الكبرى من التسريحات والبطالة التي طالت الكثير من العمال والعاملات اللواتي يجدن في قطاع المناولة رغم هشاشته مصدر رزق للعيش”.
هذه القراءة تتقاطع مع ما أشار إليه النائب بالبرلمان التونسي عماد أولاد جبريل حين قال إن “إلغاء المناولة تحوّل إلى قطع أرزاق” معتبراً أنّ “من لا يقدر على تطبيق القانون على نفسه، لا يملك الحق في فرضه على غيره”.
وأشار النائب خلال تصريحات إعلامية له أنه تم تقديم مبادرة تشريعية بهدف تنقيح هذا القانون الذي إعتبره “فشل في تحقيق أهدافه بل وكان سببا في إرتفاع معدلات البطالة في البلاد وتسبب في خسائر اجتماعية واقتصادية سواء كان ذلك على مستوى الوظيفة العمومية أو القطاع الخاص”.
واليوم، بين نصوص القانون التي وعدت بإنهاء “العبودية المقننة” وبين واقع ميداني ينذر بتشريد مئات العائلات، تجد عاملات النظافة والحراسة والطبخ في مستشفيات تونس أنفسهن في مواجهة مصير مجهول. فالعاملة إيناس في قفصة، ومفيدة في المنستير، وليلى في القيروان، وغيرهنّ من العاملات المناضلات من مناطق مختلفة، ليست مجرد حالات معزولة، بل هي صرخة جماعية في وجه ضبابية المشهد الشغلي العام، وصرخة في وجه القانون الذي جاء للقضاء على الشغل الهش فتحول إلى مقصلة للإقصاء المهني وتشريد عشرات العاملات عبر بنود قانونية لم تراع سنوات التضحية ولا وضعيات العمال الخاصة.



















