في صباح العاشر من فبراير 2026، طرقت امرأة باب مركز صحي صغير في ضواحي مورسيا، لم تكن تركض، ولم تكن تصرخ، بل كانت تمشي ببطء، كما لو أن جسدها يتذكر للمرة الأولى معنى أن يتحرك من دون إذن.
كانت تلك المرأة هي سلمى المغربية المختفية منذ حوالي سنتين، حين رفعت رأسها، لاحظت الممرضة أن إحدى عينيها لا ترى جيدًا، أسنانها مكسورة، ووجهها يحمل آثار عنف قديم وحديث، قالت سلمى بصوت خافت: “كنت محتجزة”، ولم تكن تعرف أن احتجازها دام لـ680 يومًا، في بيت شريكها السابق.
اسمها سلمى، مغربية، في عمر الـ38 عامًا، وخلال ما يقارب العامين، كانت تعيش في منزل معزول بين الحقول في إحدى القرى التابعة لإقليم مورسيا. محتجزة خلف جدار لا يبدو مختلفًا عن بقية الجدران، في بيت مرّ بجانبه الجيران يوميًا، دون أن يلاحظ أحد أي شيء.
بداية الاختفاء
في الأول من أبريل 2024، أبلغت عائلتها في برشلونة عن اختفائها، ونشرت منظمة “SOS Desaparecidos” بطاقة بحث بالبيانات المعتادة تتمثل في؛ الطول، لون العينين، آخر مكان ئ شوهدت فيه، ولكن الملف لم يتحول إلى قضية ذات أولوية، بل صنف اختفاؤها ضمن الملفات التي يُطلق عليها”اختفاء طوعي”. وهذا التصنيف، حسب منظمات حقوقية، لم يفعل لا إنذارًا موسعًا، لا حملة إعلامية، ولا متابعة مكثفة.
وبحسب مصادر مطلعة على مجريات الملف، لم تظهر في الأيام الأولى مؤشرات اعتُبرت “عالية الخطورة”، لم يُربط غيابها المحتمل بأي سجل سابق لشريكها، ولم تُفعل فرضية الاحتجاز القسري، اختفت امرأة مهاجرة، وافترض النظام أنها غادرت بإرادتها، ولكن الاختفاء، كما سيظهر لاحقًا، لم يكن قرارًا، بل كان قسرًا.
المكان الذي احتُجزت فيه سلمى لا يلفت الانتباه؛ منزل بسيط، محاط بأراضٍ زراعية، مكان جيد للاحتجاز، ساعدت فيه الجغرافيا الطبيعية للمكان.
وفق إفادتها أمام الشرطة، بدأ العنف في اليوم نفسه الذي فقدت فيه حريتها؛ ضرب مبرح، تهديد، وعبارات تملك وسيطرة.
وخلال 680 يومًا، تقول إنها كانت “تُقيَّد، وتُعزل، وتتعرض لاعتداءات متكررة”، وفي تفتيش المنزل، عثرت الشرطة على أسلحة نارية ومواد مخدرة وحبال.
ألقي القبض على شريكها، ألبرتو، البالغ من العمر 54 عامًا، إلى جانب ثلاثة أشخاص اخبريني بتهمة التستر، من بينهم ابنته. الملف الآن أمام محكمة العنف ضد المرأة في مورسيا، حيث يواجه المتهم الرئيسي اتهامات بالاحتجاز غير القانوني، والاعتداء الجنسي، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وهي جرائم قد تفضي إلى عقوبات سجنية طويلة الأمد.
جيران غض النظر
بعض الجيران، وفق شهادات نشرتها وسائل إعلام إسبانية، أقروا بسماع أصوات شجار متكرر، صراخ أحيانًا، وضجيج غير عادي.
لم يتصل أحد بالشرطة، “ظنناها خلافات زوجية”، قال أحد الجيران. وثلاثة من الجيران أوقفوا لاحقًا بتهمة التستر. ولكن التحقيق مازال جاريًا لتحديد درجة علمهم الفعلية بما كان يحدث داخل المنزل.
ويجرّم القانون الإسباني التستر حين يكون هناك علم بارتكاب جريمة خطيرة وعدم الإبلاغ عنها، لكن ما يطرحه هذا الملف يتجاوز الإطار القانوني إلى سؤال اجتماعي أوسع: متى يتحول الشك إلى مسؤولية؟
في البيئات الريفية، كما تشير دراسات اجتماعية عدة، يميل الأفراد إلى تجنب “التدخل في شؤون الآخرين”، لكن حين يتعلق الأمر بصراخ متكرر وعنف مستمر، يصبح الامتناع قرارًا لا حيادًا.
هشاشة مضاعفة: الاختفاء من دائرة الاهتمام
حين ظهرت سلمى في مركز صحي بعد عامين تقريبًا، تحولت قصتها إلى قضية رأي عام، صور الجاني، تفاصيل الاعتقال وسردية الهروب، ولكن عند اختفائها، لم يسلط الضوء عليها بتاتًا.
هذا التفاوت ليس جديدًا في دراسات التغطية الإعلامية؛ حيث تشير أبحاث في علم الاجتماع الإعلامي إلى وجود تفاوت في “عتبة الاهتمام”، من يُعتبر اختفاؤه قصة تستحق المتابعة ومن يُختزل في سطر عابر. كما تتفاوت كثافة التغطية بعد تحقق الاهتمام.
في إسبانيا، تُظهر المعطيات الرسمية أن النساء الأجنبيات ممثلات بنسبة مرتفعة في ضحايا جرائم العنف القائم على النوع الاجتماعي مقارنة بحصتهن السكانية. ورغم ذلك، لا تحظى جميع الحالات بالاهتمام نفسه.
والسؤال هنا ليس مقارنة مأساة بأخرى، بل فهم آلية الانتقاء: من هن النساء اللواتي يبحث عنهن بعد اختفاءهن؟ ومن هن اللواتي تُفترض مغادرتهن طواعيةً وليس اختفاءا؟
وتشير تقارير حقوقية إلى أن النساء المهاجرات يواجهن عوائق إضافية عند التبليغ عن العنف؛ الخوف من التبعات الإدارية، ضعف العلاقات الاجتماعية، الحواجز اللغوية، الاعتماد الاقتصادي.
وفي حالة سلمى، كانت عائلتها بعيدة في برشلونة، ولم تكن لها شبكة قريبة في محيط احتجازها، وكانت العزلة الجغرافية مرافقةً لعزلة اجتماعية.
هذا التداخل بين النوع، والأصل، والوضع الإداري هو ما يصفه الأدب النسوي بمفهوم “التقاطعية”، أي “تراكب أشكال التمييز بحيث تتضاعف الهشاشة بدل أن تُجمع”، فسلمى لم تختفِ فقط كامرأة، بل اختفت كامرأة مهاجرة بلا شبكة حماية قريبة.
وليست سلمى هي الأولى، ففي نوفمبر 2019، قتلت الشابة المغربية وفاء سباح، في كاركايكسنت (فالينسيا) على يد ديفيد سولير، “إل توفي”، بعد أشهر من التعرض للمضايقات والتعذيب والاغتصاب، وعُثر على جثتها بعد عامين داخل بئر عميق يبلغ 16 مترًا، غارقًا بالمياه، في قطعة أرض تعود لعائلة المتهم في نفس المدينة.
وهي قصة تكشف عن نمط مقلق متكرر، فالضحيتان لم تحظيا بالتدخل ولا البحث اللازم، سواء في الإعلام أو الاستجابة الرسمية أو التحرك الاجتماعي، مما يوضح أن بعض الأرواح تُحسب أكثر من غيرها في عناوين الأخبار.
ما الذي فشل؟
من المبكر الجزم بما إذا كانت هناك أخطاء مؤسسية في تصنيف اختفائها الأولي، فالتحقيق القضائي قد يحدد لاحقًا ما إذا كانت هناك مؤشرات خطر لم تُؤخذ بجدية كافية، لكن الثابت أن 680 يومًا مرت دون أن يُكسر هذا الجدار المضروب على النساء المهاجرات، جدار لم يكسره نظام الإنذار، لم يكسره الجوار، لم يكسره الشك، بل كسرته هي بنفسها.
فعندما وجدت سلّمًا في الحديقة، استغلت لحظة نوم مختطفها، وقفزت؛ سارت كيلومترات بجسد أنهكه العنف، حتى وصلت إلى باب يُفتح.
ما بعد الجدار
تقيم سلمى اليوم في مركز إيواء متخصص، وتتلقى رعاية طبية ونفسية، فاستعادة الحياة بالنسبة لها ليست حدثًا لحظيًا، بل مسار طويل.
قد تُختزل قضيتها في تفاصيل صادمة، لكنها في جوهرها تطرح اختبارًا جماعيًا في دول يفترض أن لها قوانين تحمي النساء، كيف يمكن أن تختفي امرأة قرابة عامين دون أن تتحول إلى أولوية؟ كيف يمكن أن يُفترض الهروب قبل افتراض الخطر؟ وكم من حالات أخرى لم تصل إلى باب مركز صحي؟
اليوم سلمى لم تعد مفقودة، صار لها اسم في ملف، وصورة في الإعلام، ومكان في النقاش العام، لكن بين الأول من أبريل 2024 والعاشر من فبراير 2026، كان هناك فراغ بطول 680 يومًا، فراغ لا يملؤه فقط عنف رجل واحد، بل أيضًا صمت محيط كامل وعنف رمزي يتمثل في سياسة دولة متنكّره لمهاجراتها.
في الاطار ذاته، عبّرت “جمعية العاملات المغربيات المهاجرات” (ATIM)، التي وفّرت لسلمى مرافقة قانونية بعد تحريرها، بوضوح صادم في بيانها الرسمي: “الصمت شريك في الجريمة، فالامتناع عن الإبلاغ من قِبل من يعلمون أو يشتبهون في وجود حالة إساءة لا يؤدي إلا إلى إدامة معاناة الضحايا وحماية المعتدي”.
هذا التصريح يوجّه الاتهام إلى الجيران الذين سمعوا الضرب والبكاء على مدى عامين واعتبروه مجرد “خلافات زوجية”، وإلى المؤسسات التي صنّفت حالتها كاختفاء طوعي، وإلى مجتمع يدير وجهه حين تحمل الضحية اسمًا عربيًا وملامح لا تنسجم مع صورة “الضحية المثالية”.
وتؤكد المعطيات الرسمية هذه الهشاشة الخاصة؛ فبحسب المرصد الحكومي للعنف ضد المرأة، بآسبانيا، شكّلت النساء الأجنبيات 43 بالمائة من ضحايا جرائم القتل المرتبطة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي بين 2006 و2022، رغم أنهن لا يمثلن سوى نحو 10 بالمائة من مجموع النساء في البلاد.
وأشار المجلس العام للقضاء هو هيئة دستورية جماعية مستقلة (El Consejo General del Poder Judicial) إلى أن نسبة النساء الأجنبيات المقتولات عام 2024 بلغت 50 بالمائة، وهي الأعلى في السلسلة التاريخية. وتوضح الحسابات الإحصائية إلى أن احتمال تعرّض امرأة من أصل أجنبي للعنف القائم على النوع يفوق نظيرتها الإسبانية بـ4.6 مرات.
كما كشف تقرير “MIGRADAS”، (النساء المهاجرات اللواتي يواجهن العنف القائم على النوع الاجتماعي)، أن “63 بالمائة من النساء المهاجرات في إسبانيا تعرضن لشكل من أشكال العنف”، وكانت الإساءة النفسية والعاطفية الأكثر شيوعًا والأقل اعترافًا بها.
ومن أبرز عوائق التبليغ حسب التقرير: “الخوف، والوصم، ونقص المعلومات بلغتهن، والخشية من التبعات الإدارية”.
وأعرب فريق خبراء اتفاقية إسطنبول (GREVIO) عن “قلق خاص”، إزاء تمثيل النساء المهاجرات تمثيلًا غير متناسب بين ضحايا العنف، ومواجهتهن “عقبات جوهرية”، في الحصول على الحماية.
وتختزل قضية سلمى كل هذه الطبقات من العنف في قصة واحدة، حيث استدرجها رجل ذو سوابق في العنف القائم على النوع، وهو معطى كان يفترض أن يطلق إنذارات مبكرة.
ووفق إفادتها للشرطة، “اعتدى عليها بالضرب في اليوم نفسه للاحتجاز”، وقال لها إنها “ملك له وأنها عبدته”، وطوال 680 يومًا احتجزها في منزل معزول بين الحقول، كان يقيدها، ويعتدي عليها جنسيًا، ويهددها بأسلحة نارية عثرت عليها الشرطة أثناء التفتيش إلى جانب مخدرات وحبال.
وتفاقم العزل الجسدي بعزل اجتماعي مرتبط بوضعها كامرأة مهاجرة بلا شبكة دعم قريبة. عائلتها كانت في برشلونة. وجيرانها، بحسب شهادات نشرتها وسائل إعلام محلية، رأوا الخاطف يدخل ويخرج دون إثارة الشكوك.
ليست حالة معزولة
من جهتها، تؤكد صباح اليعقوبي، المتحدثة باسم “جمعية العاملات المغربيات المهاجرات” (ATIM)، أن ما حدث لسلمى ليس حالة معزولة، “في المجتمع هناك المزيد من النساء مثل سلمى”.
وتشير اليعقوبي بذلك إلى وجود نساء وفتيات أخريات يعانين من الاختطاف أو الإساءة أو العنف الشديد بصمت، دون الإبلاغ، خوفًا أو لأن “الكثيرين يغضون الطرف ولا يريدون الاعتراف بذلك”.
وتبرز الجمعية أن النساء المهاجرات أكثر عرضة للخطر، “المرأة المهاجرة تعاني الضعف المزدوج، تعاني لأنها امرأة ولأنها مهاجرة”، كما توضح المتحدثة.
كما أن نقص الوثائق، وصعوبة الحصول على عمل، وغياب شبكة الدعم تزيد من هشاشتهن، بحسب اليعقوبي، والتي تُشير أيضًا إلى تصاعد “الخطاب المعادي للأجانب والعنصري في المنطقة، ما يزيد من صعوبة اندماجهن”.
وتضيف المتحدثة أن التمييز يمتد أيضًا إلى أبنائهن: “يستمرون في المعاناة لمجرد ما يحمله أسماؤهم وألقابهم”، مؤكدة أنها لاحظت خلال 26 سنة عاشتها في مورسيا “تزايد التمييز والخطاب العنصري في السنوات الأخيرة”.
ليلة الهروب
انتقلت سلمى من برشلونة إلى منطقة “سان خوسيه دي لا فيغا” التابعة لإقليم مورسيا لتعيش مع شريكها، وبدأت تتعرض للضرب منذ اللحظة الأولى.
وصادر الموقوف، ألبرتو، هاتفها المحمول ولم يكن يتركها بمفردها مطلقًا. وكان أحد الأشخاص المقرّبين منه يتولى مهام الوسيط، بل وحتى شراء الحاجيات، ما جعل المعتدي نادرًا ما يغادر المنزل.
وأفاد عدد من جيران الحي لوكالة “إيفي” أنهم لم يكونوا يعرفون الخاطف إلا “سماعًا”، إضافة إلى صلاته المزعومة بالاتجار بالمخدرات. ووفقًا لعدد من سكان المنطقة، كان الحضور الأمني متكررًا في محيط المنزل، الذي شهد حركة دائمة لسيارات وأشخاص يُعتقد أنهم كانوا يترددون عليه بحثًا عن مواد مخدرة.
هذا، ووفقًا لمصادر مقربة من الضحية، تمكنت سلمى من الفرار من محتجزها بعد أن تعرّضت لاعتداء وحشي، وكان الرجل يتركها دائمًا مقيّدة اليدين ومحبوسة في الحمّام عندما يخلد إلى النوم، غير أنه في ليلة 10 فبراير لم يتخذ تلك الاحتياطات، ما أتاح لها الهروب من المنزل مستخدمة سلّمًا لتجاوزِ السياج المحيط به.
وبحسب روايتها للشرطة، سارت بعد ذلك عدة كيلومترات حتى وصلت إلى منزل أحد معارفها، الذي تولّى نقلها إلى مركز صحي، حيث قام الطاقم الطبي بإبلاغ الشرطة الوطنية بالوقائع. وتتلقى الضحية الرعاية حاليًا في إحدى الشقق المخصصة لحماية ضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي في إقليم مورسيا.
تبقى قصة سلمى قصة امرأة فرت من الجحيم بعدما قفزت فوق سياج، كما أنها قصة تدين نظامًا لم يقفز بالسرعة نفسها لحمايتها؛ فبين تاريخ اختفائها وتاريخ ظهورها، 680 يومًا من الغياب القسري على يديّ وحش بشري، ليس متورطًا وحده، بل معه الصمت الجماعي، والعنف متعدد الأوجه في حق النساء المهاجرات، ورغم أن سلمى استعادت روحها واسمها من خانة “اختفاء طوعي”، إلا أن السؤال الذي بقي معلقًا يتجاوز قضيتها؛ كم امرأة أخرى مازالت خلف جدارٍ لم يُكتشف بعد؟ وكم واحدةً لم تستطع القفز فوقه لتعلن نجاتها؟



















