طريق التحدي.. كفيفاتُ ليبيا بين الصمود والأحلام الكبيرة

“أرغب دائمًا في الاستغناء على مساعدات الدولة وأن يكون هذا المشروع خلاق وذو منفعة عميقة ليّ ولغيري من الشباب”، هكذا تفسر منتهى حلمها وتطلعاتها، وهي شابة، رغم أنها فاقدةٌ للبصر، إلا أن لها بصيرةً نافذة، تشبه الجميع في كل شيء، لديها أحلام وتسعى لإقامة مشروعها الخاص، والذي تعتبره طوق النجاة لتحقيق استقلاليتها. 

في حديثها تلخص منتهى؛ خريجة جامعة ناصر قسم العلوم السياسية؛ تفاصيل أيامها المتكررة: “اعتبرها رحلة صمود أبدية، عشتها لحظة بلحظة منذ سنوات طفولتي الأولى عندما بدأت شيئا فشيئا أعي ما الذي يعنيه أن تكون فاقدًا للبصر في بلد مثل ليبيا”.

تسرد بثقة عن توظيفها للتقنية كي تتجاوز التحديات اليومية “نحن المكفوفين نُعد من أكثر أصحاب الهمم الذين تمكنوا من توظيف التقنية وقد ساعدتنا كثيرًا”، وترى أن الهاتف الذكي نعمة عظيمة حيث سهّل عليها الدراسة والاطلاع وحتى التسوق، “الهاتف الذكي هو عيناي تقريبًا”. 

هاجس دائم

في كل صباح، يتحوّل الخروج من المنزل إلى اختبارٍ يومي محفوف بالحذر والترقّب بالنسبة للمكفوفات في ليبيا؛ فالتنقّل في الفضاء العام لا يبدو مسألة عادية، بل هاجسًا متجدّدًا يفرض نفسه مع كل مشوار، حيث يصبح وجود مٌرافق ضرورة لا خيارًا. 

وتقول المتحدّثة إن الاستقلال في الحركة يظل حلمًا مؤجّلًا “لا بدّ من وجود مرافق يصطحبني، ولا يمكننِي بأي حال من الأحوال التغلب على هذه المعضلة، حتى لو استخدمت العصا البيضاء”، وتلك معضلة مردها واقع بنيةٍ تحتيةٍ لا تراعي أبسط معايير السلامة.

الأرصفة، كما تصفها؛ “غير مهيّأة حتى للأشخاص العاديين، فكيف يمكن أن تكون آمنة للمكفوفين؟”، كنا أنّ هنالك مخاطرًا يومية تتربّص بها في الطريق: “قد أقع في حفر التصريف أو ربما تكون الطريق مائلة” توضح قبل أن تضيف بقلق واضح: “أخشى كثيرًا من أعمدة الإنارة التي قد تكون أسلاكها غير معزولة بشكل جيد”.

وتتذكر منتهى بشجونٍ اليوم الذي أرادت فيه إتمام عملية مصرفية في أحد المصارف الخاصة، إذ انتظمت الشابة في الطابور في انتظار دورها، ولكن بعض المواطنات حاولن استغلال وضعها والتسلل قبلها، “بسبب عدم قدرتي على الانتباه لهنّ حاولنّ أخذ دوري”، وكان ذلك موقفًا يعكس إنعدام الوعي بحقوق هذه الفئة، ولكن منتهى تلجأ في مثل هذه المواقف إلى التحلي بالصبر كي تكون كل الأمور على ما يرام في النهاية.

يُبرز إكمال أي إجراء إداري عددًا من الحقائق، تتقدمها حالة التهميش الممنهج، حيث يعتمد النظام الإداري الليبي على نظام “النماذج”، وتشرح الشابة هذا “الحدث المتكرر” قائلةً: “بكل بساطة غالبًا ما استلم النموذج مصحوبًا بقلم حبر ويطلب مني ملأ البيانات أو التصرف بمفردي عن طريق الاستعانة بشخص ما لتعبئة النموذج”.

وبسبب غياب التدريب يجهل الكثير من الموظفين كيفية التعامل مع ذوي الإعاقة البصرية، فقد يتم توجيه الكفيف إلى إدارة أخرى أو كما تؤكد منتهى يقولون لنا “تلقيه في الشباك الثاني”، وقد تكرر ذلك  مع الشابة وبشكل دوري في سنوات دراستها الجامعية.  

تُغفل أماكن الترفيه كالمطاعم مثلًا، أهمية الولوجيات بالنسبة للمكفوفين، فلا توفر معظم المطاعم قوائم الطعام الإلكترونية “الباركود”، وتقول منتهى أننا تفضل الذهاب إلى أي مطعم يوفر هذه الخدمة، فهي “تسهل علي القراءة والاستمتاع بالتجربة دون عناء أو إحراج”.

تتمنى منتهى، أن يحظى كل ذوي الإعاقة باهتمام من الدولة ومنظمات المجتمع المدني، وأن يتم التركيز على تهيئة المواصلات والتوعية المجتمعية،  عبر ترسيخ ثقافة التعامل العادل مع  ذوي الإعاقة بعيدًا عن الشفقة أو النبذ. 

تزداد الأمر صعوبة إذا كان الكفيف فتاة

يوضح الأستاذ الجامعي عبد الباسط العقوري، رئيس “المنظمة الليبية لحقوق ذوي الإعاقة البصرية”، حجم التعقيدات اليومية التي تواجه ذوي الإعاقة البصرية بدءً من قيود التنقل وضرورة وجود شخص يرافق الكفيف في أغلب المشاوير الروتينية.

ويؤكد أن “الأمر يكون أصعب إذا كانت فتاة أو امرأة” ما يقوض من استقلاليتها ويزيد من حدة الواقع الإجباري الذي يحكم حياة المكفوفين.  

غالبًا ما يَصدِمُ غياب الحلول الإلكترونية المكفوفين، فالإجراءاتُ الإدارية تحكمها تعقيدات كثيرة، تبدأ مع إلزامية الحضور الشخصي، وما يتبعه من ضرورة وجود مرافق ووسيلة مواصلات؛ “قد يتطلب الأمر التنقل بين عدة إدارات ما يفاقم المعاناة ويهدر الوقت، ناهيك عن غياب البنية التحتية التي تسهل تنقل الكفيف بأمان ويُسر”، يوضح العقوري.

ويؤكد على إحراز بعض التحسن، وذلك عندما استجاب مصرف ليبيا المركزي لمطالب المنظمة وفعّل خاصية التمييز لبعض فئات العملة النقدية، “هناك تفاؤل كبير بتحقيق استقلالية شمولية للمكفوفين وذلك بفضل ثورة الذكاء الاصطناعي والذي سوف يمكّن ذوي الإعاقة البصرية من صنع الفارق والوصول إلى مزايا جديدة”.

ويتشاطر الكثير من المكفوفين وجهة النظر التي تتمثل في اعتبار قضية المكفوفين قضية وعي جمعي، إذ تواجههم الكثير من الصعوبات اليومية حتى في المطاعم مثلاً، “كل ذلك يعود إلى غياب الوعي لدى بعض الأشخاص باحتياجات ذوي الإعاقة البصرية، وحقهم في التواجد والتنقل والتمتع بالحياة”، يقول الأستاذ الجامعي. 

جهدٌ شخصيّ 

خيرية الزنداح، وهي مهندسة زراعية، وناشطة حقوقية في قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة، ترى أن عمق التحديات التي تواجه الكفيف تبدأ مع بداية انخراطه في الدراسة، “يمكن وصف هذه المعضلة بأزمة الاندماج”.

وتعتبر أن كل برامج الاندماج نظرية فقط، “رغم وجود قوانين وتشريعات هي من الأفضل لكن المشكلة تكمن في التنفيذ”.

وتعتبر أن، “ما يكابده ذوي الإعاقة البصرية في ليبيا من صعوبات يحول بينهم وصولية التعليم، وطنيًا، توجد ثلاث جمعيات تُعنى بتعليم المكفوفين، ولا تشمل التعليم الجامعي، هذه الجمعيات تعمل في طرابلس ومصراتة وبنغازي، وهذا يطرح استفهامًا هامًا: ماذا عن  المكفوفين خارج هذه المناطق؟”. 

الزنداح، هي مدربة في فريق النور للروبوتات للمكفوفين، تؤكد على أن “كل ما يحققه الكفيف هو بالجهد الشخصي، نظرًا إلى غياب الإمكانيات، حتى المدارس المستهدفة بدمج هذه الفئة هي غير مهيأة، وينسحب ذلك على الجامعات”.  

عراقيلُ غيابِ الوعي

لم تواجه الشابة خيرية أيّة عراقيل في مراحل تحصيلها العلمي السابقة، فقد فقدت بصرها بعد مرحلة الجامعة، “كانت لديّ أحلام كبيرة بدءًا من مواصلة الدراسات العليا، ومن ثم الدكتوراه واكتساب مهارات لغوية، لكن تلاشى كل ذلك مع فقدان بصري”. تتمسك بالأمل في التغيير، والذي يتجسد في تكوّن وعي مجتمعي يغير النظرة النمطية لكل من فقد بصره.

انعكست هذه الصورة النمطية، على نفسيتها وأثّرت عليّها بالسلب، “وضعتٌ نٌصب عيناي كسر الصورة النمطية عن المكفوفين، وبفضل الله غصت في عالم المكفوفين ولم أجد أي اختلافات تذكر”، يتجسد الاختلاف في اختلاف أساليب الإنجاز، فخيرية لم تتعلم لغة برايل، حيث وجدت التكنولوجيا بديلًا فعّالًا وعمليًا. 

لا يغيب عن ذهن خيرية، ذلك اليوم الذي قررت فيه الذهاب إلى الأكاديمية الليبية للاستفسار عن إمكانية متابعة دراستها، حيث واجهت تساؤلات عديدة: كيف سنتعامل معك؟ وكيف ستصلك المعلومة؟ وكيف يمكنك الكتابة؟ وهكذا اصطدمت بكم العراقيل التي ولّدها غياب الوعي.

لحظتها، كان على الشابة أن تتسلح بالشجاعة اللازمة لخوض التجربة ومجابهة هذه النظرة ومحاولة إثبات نفسها، “كان يجب عليّ قبول التحدي وإقحام نفسي من باب تذليل العراقيل أمام الأجيال القادمة”، ولكن انعدام البيئة المساعدة وغياب الإمكانيات في الجامعات والأكاديميات، جعل خيرية تكتفي حاليًا بدرجة البكالوريوس على أمل حدوث تغيير إيجابي قريبًا.  

صراع يومي مُرهق

يمنع افتقار ليبيا إلى البنية التحتية الداعمة وغياب المواصلات المهيأة، الشابة خيرية من الخروج بمفردها دون وجود مرافق، “مثلًا قد يكلفني مشوار حوالي 50 دينار، فيما أتقاضى 650 دينار كمعاش تضامني، بحسبة صغيرة في حال تكرر خروجي لعشرة أيام سينفذ الراتب”.

خيرية تُعيل والدتها وأختها الصغرى نظرًا لوفاة والدها وإقامة شقيقها خارج البلاد، وتحتاج دائمًا للمواصلات التي أعاقت طموحها، “لديّ طموح كبير بأن أعمل وأفتح الآفاق أمام الأجيال لكن الأوضاع الراهنة  قوضت طموحي”. 

البيروقراطية في ليبيا شيئ عمومي وتمس حياة الجميع،  وتشعر خيرية بضيق في الصدر عندما  يجب عليها إتمام أي إجراء في إحدى الإدارات الحكومية، “تغمرني  الراحة والتفاؤل عندما أتمكن من إتمام أي إجراء إلكترونيًا”.

وبمتطلبات كثيرة يرهق صندوق التضامن الاجتماعي المستفيدين منه، ولا يتم إنجاز أي إجراء عن بعد إلى حد الآن، وترى خيرية أن ذلك “سيحقق أعلى درجات الكرامة والاستقلال ليس للمكفوفين فقط بل لكل المستفيدين من خدمات التضامن الاجتماعي”، ورغم ذلك ترّحب الشابة بما وصفته بـ”البشائر التي تلوح في الأفق، والتي قد تُسهل حياة المكفوفين أسوةً بالدول المجاورة”.

تشريعات معزولة

تشرح خيرية بإسهاب عن حزم اللوائح التي تُقرّها الجهات التشريعية الليبية، وآخرها لائحة التيسير الشامل التي اعتمدتها الحكومة لسنة 2025، والتي ينقصها التطبيق، “على سبيل المثال منحة القارئ التي تم إقرارها في سنة 2020، لم يتم صرفها إلا في سنة 2025 وغطت شهري يناير وفبراير فقط”، يعكس ذلك كما تقول الشابة، “عشوائية عميقة وقرارت معزولة لا تمثل منظومة متكاملة تضمن حقوق ذوي الإعاقة البصرية… هل يعقل أن يكون مرتب ذوي الإعاقة 650؟”

تجربة شخصية

تحكي لنا خيرية تجربتها الشخصية، عندما طلبت منها إحدى الوزارات الحكومية تقديم خطة لإدماج ذوي الإعاقة في هذه الوزارة “بناءً على طلب إحدى المنظمات الدولية”، عكفت الشابة على إعداد مشروع متكامل، بعد تسليمها إياه، تفاجأت بالرد الرسمي من قبل الوزير: “هذا اختصاص وزارة الشؤون الاجتماعية وصندوق التضامن الاجتماعي ولن نتجاوز تخصصات الوزارات الأخرى”.

شكّل هذا الرد خيبة أمل لدى خيرية، وبيّن حجم الجهل من قبل وزارات الدولة بالبرامج الحكومية، “بمجرد أنّ وجد جملة ذوي الإعاقة لم يكلف نفسه قراءة الخطة كاملةً”.

وتُرجع خيرية ذلك إلى تدني الوعي لدى المسؤولين، وشرحت فكرتها بالمثال التالي: “وزارة المواصلات هي التي تعمل على تهيئة البنية التحتية لتلائم ذوي الإعاقة، حتى وزارة الاتصالات عند اعتمادها لتطبيقات الجهات العامة يجب أن تراعي فيها إمكانية الوصول للكفيف”.

وتؤكد على ضرورة أن يكون العمل “تكامليًا بين الوزارات، بحيث لا يقع العبء على هيئة التضامن أو وزارة الشؤون الاجتماعية”.

“أحلم بأن أكون جزءً من مشروع وطني يصل بشريحة ذوي الإعاقة إلى بر الأمان، وأن يتمتعوا بكامل حقوقهم و استقلاليتهم”، هكذا تلخص خبرية حلمها، وهو حلم يتجاوز الخيال ليصبح قضية.

ماذا عن الدستور الليبي المنتظر؟ 

حملنا هذه المخاوف إلى ابتسام بحيح، عضو لجنة صياغة الدستور الليبي، حيث فصّلت رؤيا الدستور المنتظر لحقوق ذوي الإعاقة، مؤكدةً أن “المادة التي تناولت حقوق ذوي الإعاقة في الوثيقة الدستورية ونصت على منح هذه الفئة كامل الحقوق هي المادة ستون”.

وبحسب بحيح، فقد وضعت هذه المادة “إلتزامًا على الدولة بضرورة ضمان حقوق ذوي الإعاقة أيً كانت هذه الإعاقة”. 

وأوضحت أن حقوقهم المنصوص عليها على سبيل المثال لا الحصر جاءت كالتالي: “الدولة لا بد أن تضمن حقوق ذوي الإعاقة؛ الحقوق الصحية والاجتماعية والتعليمية والسياسية والاقتصادية والرياضية والترفيهية وغيرها… وهنا لفظ وغيرها ورد كي يستوعب أي حق لم تتم الإشارة إليه، وكل ذلك على سبيل المثال لا الحصر”.  

وأكدت على أن هذه المادة تقوم على مبدأ هام وهو المساواة مع الأخرين، وعززت الضمانات المقررة للأشخاص ذوي الإعاقة، كما نصت على حق الوصول للأشخاص ذوي الإعاقة؛ الوصول المادي وغير المادي، ومن حق ذوي الإعاقة توظيف التكنولوجيا للعب دور فعال في المجتمع.

وتؤكد بحيح، على ضرورة ضمان حقهم في التنقل والوصول، والذي تحققه تهيئة البنية التحتية من مبانٍ ومرافق عامة وخاصة، فـ”الشوارع يجب رصفها بطريقة يراعى فيها الأشخاص ذوي الإعاقة، ويفرض ذلك إدماجهم في كافة الخطط المتعلقة بالأعمار، أو إعادة تهيئة المرافق القائمة احترامًا للتنوع وضمان حقهم في الوصول”. 

كما يهدف نص ذات المادة، إلى إدماجهم في المجتمع بصورة كاملة كلًا حسب وضعه، فمثلًا الإعاقة البصرية لها متطلبات خاصة، ما يفرض ضرورة تعزيز حق الوصول للمعلومات والاتصالات ونظمها.

وأشارت عضو لجنة الدستور، إلى معاهدة مراكش (2013) وهي اتفاقية معنية بالأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، “في وثيقة الدستور لم يتم ذكر ذوي الإعاقة البصرية بشكل مباشر ولكن بمعيار عام كامل يرسخ حماية حقوقهم”.

كما أن ليبيا  بحسب بحيح، موقعة على عدد من الاتفاقيات الدولية التي تسري على الأشخاص ذوي الإعاقة، سواء كانت الاتفاقية الخاصة بذوي الإعاقة التي تم الاتفاق عليها في سنة 2006، أو حقوق الطفل واتفاقية حقوق المرأة “سيداو”، كل هذه الاتفاقيات يمكن أن يستفيد منها الأشخاص ذوي الإعاقة بما في ذلك ذوي الإعاقة البصرية.

هذه المادة لم تُغفل أي حق، بل نصت على مبدأ الحقوق الكاملة، وترى بحيح أنه “من الممكن تخصيص جزئية خاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة البصرية نظرًا لاحتياجهم إلى التعامل مع البيئة المحيطة، فلابد من تهيئة البنية التحتية لذلك، وهذا ما ورد في نص المادة الستين، لتمكينهم من الاندماج في المجتمع بصورة كاملة وفعالة”.

وتشرح المتخدثة ما يجب على الدولة اتخاذه وفقًا للمادة ستون، “يجب على الدولة أنّ تتخذ كل التدابير اللازمة لتفعيل القوانين التي تضمن حقوق ذوي الإعاقة”، فليبيا بعد مصادقتها على اتفاقية الأشخاص ذوي الإعاقة في 2017 أصبحت جزءًا من التوجّه العالمي الذي يراعي ويحمي  ويضمن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

نحن نستطيع وهم يستطيعون

الإنجازات لا تحدث من تلقاء نفسها بل تحتاج إلى إرادة وصبر، هذا ما تخبرنا به هناء ميلا، عضو فريق “جمعية النور للروبوتات للمكفوفين”، وهي تسرد قصة نجاح وتأسيس الفريق، “جاءت فكرة الفريق كتحدي انبثق من التساؤل: لماذا لا يكون هناك فريق للروبوتات من ذوي الإعاقة البصرية؟”، وبعد مراسلة “فريق ليبوتكس ليبيا” وتقديم المُقترح والحصول على الموافقة، انطلق الشباب والشابات في رحلة تأسيس فريق (Alnoor Robotics Team) عبر تدريبات مكثفة وورش عمل.

رُشحت الشابة للانضمام إلى الفريق بفضل ميولها وشغفها بالتقنية، وبتشجيع من عائلتها بدأت رحلتها، التي ساعدتها على اكتشاف قدراتها ومعنى أن تكون قائدة لفريق. 

بدأ الفريق الورش التدريبية عبر جلسات من خلال منصة اليوتيوب، يسرت الثقة المتبادلة بين أعضاء الفريق والمدربين في التواصل وتجاوز كل الحواجز، “العمل الجماعي أنجح المشروع، وتحلّى فريقنا بالإرادة وأبهرنا المدربين”، تقول هناء.

شكّلت الشابة رفقة زملائها فريق روبوتات خاص بالمكفوفين خلال مدة زمنية لا تتجاوز الشهر، وعكفوا بمساعدة المدرب على صناعة الروبوت متخطين كل التحديات.

أدركت هناء وبعد نجاح البداية، كمية المواهب والقدرات التي تتبلور فقط بوجود بيئة داعمة،  “تكلّلت التجربة بمشاركتنا في اليوم الوطني للتقنية لأول مرة”، وحقق الفريق ظهورًا إعلاميًا مميزًا باعتبارهم مدربين مكفوفين ومسؤولين على الفريق. 

“حققنا النجاح الثاني بمشاركتنا في معرض ليبيا للاتصال العام الماضي”، تضيف هناء، مشيرة إلى أن المشاركة رغم كونها رمزية، جسدت تحديًا لكل العوائق بذلك الأثر الكبير الذي تركته مشاركة الفريق في المعرض.

واستطاعت الشابة وزملائها تشكيل فريق ذو مستقبل واعد، وشاركوا في بطولة “ليبوتكس ليبيا الأولى”، حيث قاد الطلاب الروبوت، “أتذكر جيًدا الأيام التي سبقت البطولة كانت مليئة بالحماس والتعاون”.

وتكللت مشاركة هناء وفريقها المشارك بالنجاح، كما تمكنوا من تحقيق إضافات ممتازة للروبوت “لمسة خاصة بالمكفوفين”، رغم تنافسهم مع فرق قوية تحصلوا على ترتيب جيد، “الأروع أننا حظينا بإعجاب لجنة التحكيم كما قمنا بطباعة المذكرة الهندسية بطريقة برايل للفت الانتباه، قمنا بكل الخطوات تقريبًا”.

إصرار هناء وفريقها واضح وجليّ على الاستمرار والتقدم رغم بعض العثرات، كنا أثمر ذلك على تعاون مع “نادي الإنطلاقة” الذي سيفتح الباب نحو إنطلاقة أكبر وبتجارب مختلفة، “شاركنا في منتصف شهر ديسمبر في معرض الابتكارات، ونظرا لضيق الوقت كانت شاركنا بفكرة جديدة تمثلت في نظارة ذكية تعمل بتقنيات جديدة”.

التغلب على التحديات وتجاوزها هو الإنجاز الكبير الذي رأيناه يلمع في عيون هناء، فالشابة تعمل جاهدةً بلا كلل على التواصل  مع جهات في الدولة لإيصال ما يحتاجه المكفوفين في ليبيا، إذ تطالب الشابة بوضع احتياجات ذوي الإعاقة البصرية ضمن أجندة الحكومة وخاصةً التطبيقات الميسرة  التي تطلقها الجهات الحكومية.

“الرائع، هو كم الإعجاب والذهول الذي رأيناه في أعين الجميع، بجدارة كان ولا زال فريق النور للروبوتات للمكفوفين ملهمًا، ومازلنا نعمل جاهدين على فتح آفاقٍ أرحب، يمكننا التطور وتحقيق المستحيل، نعم نحن نستطيع وهم كذلك يستطيعون”، بهذه الكلمات تختم هناك حديثها.

أنجز هذا العمل بدعم من صحافيون من أجل حقوق الإنسان

اقرأ أيضا

  • اللاإنجابية.. نساء يتمردن على غريزة الأمومة في مواجهة مع المجتمع

    "لا أتصور نفسي صحبة رضيع طوال الوقت، أتكلف بكل تفاصيل يومه، جهد كبير جدا لا أجدني مستعدة له، بل لست على استعداد لأحمل ثقلا لتسعة أشهر، وأشتغل، وأسافر… لدي طموح أكبر من إنجاب أطفال أهديهم حياتي التي بنيتها بعناء، وجهد"، هكذا بدأت أسماء تفسر قرارها في ما بات يعرف بـ"اللاإنجابية"، وهو قرارٌ طوعي بعدم إنجاء…

    سناء كريم|

  • جحيم شركات “الكابلاج”.. بديل للبطالة ينهك صحة المغربيات 

     "صحتي مشات"، تقول صفاء بصوت منهك، يعتريه حزن وحنق كبيران، قبل أن تظهر الشابة ذات الـ29 سنة أوراق الفحوصات والشواهد الطبية التي تؤكد إصابتها بمشاكل في الظهر والعمود الفقري، بعد أربع سنوات من العمل في إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية، والموجهة لصناعة السيارات بمدينة القنيطرة. الشابة الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع، تحكي…

    هاجر اعزة|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • أميرة محمد: وضع حرية التعبير في تونس أخطر مما كانت عليه في عهدي بن علي وبورقيبة

    منظمات دولية وجمعيات محلية مستقلة في تونس، تنبه إلى تصاعد  مستوى قمع الإعلام وحرية التعبير، وتعبّر عن تخوفها من المحاكمات القضائية لصحفيين وإعلاميين ومعلقين، بسبب الرأي الذي بدأ منسوب حريته يتناقص في البلاد.  وتأتي هذه المتابعات قبل الانتخابات الرئاسية الأولى، في فترة ما بعد الـ25 جويلية 2021، وفي ظل توجه ممنهج لتقويض القضاء، سجن عشرات…

    ريم بلقاسم|

  • سيدات خلف مقود الباصات في موريتانيا.. كسر التقاليد وتمكين المرأة في وجه التحديات

    في مجتمع موريتاني ما يزال يتشبث بالتقاليد الاجتماعية، التي تحصر أدوار المرأة في وظائف محددة، بدأت نساء شجاعات في كسر هذه القيود، ودخول مجالات مهنية طالما كانت حكرًا على الرجال، إحدى هذه المهن قيادة الباصات، والتي كانت حكرا على الرجال فقط. عملٌ مليء بالتحديات الاجتماعية ففي خطوة تُعد سابقة في البلاد، أطلقت السلطات الموريتانية مؤخرًا…

    مريم إسحاق إبراهيم|

  • اللجان العمالية تتحرك بعد صمت.. انتهاكات بحق عاملات مغربيات تُفجر حملة نقابية في هويلفا 

    لم تكن “فاطمة” (اسم مستعار) تعلم أن الرحلة التي بدأت في السابع من أبريل الماضي من قريتها في شمال المغرب، ستنتهي بها في زاوية منسية من حقول الفراولة في هويلفا الإسبانية، محاطة بالخوف، وقلة الحيلة، وبطنٍ يكبر حاملاً جنينًا في شهره الخامس. بين الحلم والكابوس فاطمة ليست وحدها، هي واحدة من مجموعة عاملات موسميات مغربيات…

    Hounna | هنّ|

  •  منع مسيرات تضامنية مع فلسطين “دعم لجرائم الإبادة” 

    منعت مسيرات احتجاجية، ضد العدوان الإسرائيلي، تخليدا ليوم الأرض الفلسطيني، نهاية الأسبوع الماضي، من طرف قوات الأمن في عدد من المدن المغربية، مثل سلا، أكادير ووجدة، ما خلف تنديدا واستنكارا واسعينِ من طرف المشاركين في الاحتجاجات. وتدخلت قوات العمومية، لمنع المحتجين والمحتجات، من المسير في المسار المخطط له، وقوبل هذا المنع بشعارات، مستنكرة للتدخل “القمعي”،…

    Hounna | هنّ|

  • سيدة تفتح بيتها مأوى للنساء المصابات بالسرطان في المغرب

    "إيفي"-فاطمة الزهراء بوعزيز/ ترجمة "هنَّ": قبل خمسة عشر عاما، فتحت خديجة كورتي، منزلها في الرباط للنساء المصابات بالسرطان اللاتي يسافرن إلى العاصمة المغربية للعلاج ولا ليس ليدهن ما يسد تكاليف الإقامة.  وتحت سقف بيت خديجة، وجدت المئات منهن منزلاً مؤقتًا، ومأوى في رحلة العلاج للتغلب على  هذا المرض العضال. تقدم لهن خديجة، ذات الـ84 عامًا،…

    Hounna | هنّ|