طاقة الأنوثة: إعادة إنتاج للأدوار الجندرية التقليدية عبر الروحانيات والتنمية البشرية

أُغرقت مواقع التواصل الاجتماعي مؤخّراً بموجة جارفة من الفيديوهات والنصائح التي تحصد ملايين المشاهدات وتتحوّل إلى “تريند” عابر للثقافات لمؤثّرين ومؤثّرات أغلبهم من النساء يقدّمن إرشادات وقوانين صارمة يجب احترامها إذا أردت أن تكوني “أنثى”. 

المفارقة الصارخة تكمن في أنّ الغرض منه في رأي المروّجات والمروجين له أبعد ما يكون عن استصغار قيمة النساء بل يرفع شعار “الانتصار للنساء” وتمكينهن النفسي والعاطفي؛ إلاّ أنّه ينتهي، ومن حيث يعلم أو لا يعلم، إلى تقديم محتوى نمطي بامتياز يُعيد إنتاج نفس القوالب التقليدية بعباءة حداثية.

تقوم فكرة “تفعيل طاقة الأنوثة” على تقسيم قسري وجامد لمجموعة من الصفات وردود الأفعال بما فيها نبرة الصوت وحتى الكلمات المستخدمة وغيرها من التعبيرات الإنسانية الطبيعية التي ينبغي على “الأنثى” أن تتصرّف بناءا عليها لكي تكون كذلك.

وبينما يرى المدافعون والمدافعات عن “طاقة الأنوثة” أنّ الانتقادات الموجّهة إليها تنطلق من سوء فهم لفكرتها الأساسية. فبحسبهم، لا يتعلّق الأمر بفرض قوالب سلوكية أو نمطية على النساء، وإنّما بدعواتهن إلى إعادة الاتّصال بجانب من شخصياتهن، ويعتبرون أنّ هذا الخطاب يشجّع المنساء على الاعتناء بأنفسهن، ووضع حدود صحية في علاقاتهن، والتعبير عن مشاعرهن بثقة، والتخلي عن أنماط سلوكية يرون أنها فُرضت عليهن باسم الاستقلالية أو المساواة. 

ماهي طاقة الأنوثة؟ 

تُعرّف طاقة الأنوثة (أو “الين” في الثقافة الصينية القديمة) بأنّها مفهوم نفسي وفلسفي يرتكز على اللين، الحدس، والاستقبال. ويتطلّب توازنها معايير صارمة؛ أبرزها احتفاظ الفرد بنسبة تتراوح بين 70% إلى 80% من صفات الأنوثة مقابل نسبة أقل للذكورة، بالإضافة إلى تميزه بالاستحقاق العالي والسلام النفسي والاتزان الانفعالي. 

وتتجلّى أهم خصائصها في الحدس القوي، القدرة العالية على الاستقبال، والتعاطف، والمرونة، والإبداع. تاريخياً، تعود جذور المفهوم لآلاف السنين في الفلسفات الشرقية، إلاّ أنّ انتشاره الحديث بدأ عالمياً سنة 2012. بعد ذلك، شهد العالم العربي طفرة هائلة في انتشاره بين سنتي 2020 و2022. واليوم، تحوّل هذا المفهوم إلى ظاهرة رقمية وثقافية ضخمة تسيطر على منصات التواصل الاجتماعي من خلال آلاف الدورات والكتب والبودكاست. 

اختزال النساء في قوالب جاهزة

تكمن خطورة هذا الخطاب حسب الباحثتين في علم الاجتماع بشرى المرابطي وسناء العاجي الحنفي في اختزال الإنسان داخل قوالب جامدة، ومنحه صفات إنسانية عامة، كالحزم أو اللين، المبادرة أو التردّد، العقلانية أو العاطفة، وبعداً جندريا لا يستند إلى أي أساس علمي. 

وبدلا من الاعتراف بأنّ هذه السمات تتفاوت بين الأفراد بغض النظر عن جنسهم، يجري تصنيفها إلى صفات “ذكورية” أو “أنثوية”، وهو ما يدفع كثيراً من النساء إلى مراقبة أنفسهن باستمرار، لا سعياً إلى تطوير شخصياتهن، بل خشية الخروج عن الصورة المثالية التي يرسمها هذا المحتوى.

كما تنتقد الباحثتين في تصريح خاصّ لمنصّة “هن” أنّ أثر هذه الرسائل لا يقتصر على طريقة نظر النساء إلى ذواتهن، بل يمتد إلى طبيعة علاقاتهن بالآخرين. إذ تُختزل العلاقات الإنسانية المعقّدة في معادلات من قبيل: “افعلي كذا ليطاردك الرجل”، أو “لا تقولي هذه الكلمة لأنّها تقتل طاقة الأنوثة”، أو “كوني غامضة”. وهكذا تتحوّل العلاقات إلى أدوار مؤدّات بدلاً من أن تقوم على الصراحة والتلقائية.

تدير لينا (39 سنة) وهي مؤثّرة على مواقع التواصل الاجتماعي، صفحة على “إنستغرام” يتابعها أكثر من 5 آلاف شخص، وأخرى على “تيك توك” تضم نحو 9 آلاف متابعاً، وتشكّل النساء والفتيات النسبة الأكبر من جمهورها، حيث تقدّم محتوى نسائي يتمثّل في فيديوهات تعليم المكياج تقدّم خلالها للنساء نصائحا حول كيف يتصرفن مع شركائهن الرجال، وفي مختلف الفيديوهات تذكر لينا عبارة “طاقة الأنوثة”. 

“الرصانة”، و”الكرامة”، و”التحكم في الأعصاب”، إلى جانب التحذير من دفع ثمن القهوة عند الخروج مع شريكك، أو التحدث والضحك بصوت مرتفع، أو إظهار حجم معارفك أمامه خشية أن “يقلل ذلك من أنوثتك”.. كلّها نصائح تقدّمها لينا -التي فضّلت عدم إدراج اسم صفحاتها في هذا المقال- عبر حسابيها على “إنستغرام” و”تيك توك”، ضمن محتوى تدرجه تحت عناوين مثل: “كيف تفعلين طاقة الأنوثة المظلمة؟” و”كيف تظهرين طفلة أمامه؟”، وغيرها من المقاطع التي تلقى تفاعلاً واسعاً بين متابعاتها.

 “بدأت على مواقع التواصل الاجتماعي بتقديم محتوى خاص بالمكياج، لكن مع مرور الوقت أصبحت أتابع فيديوهات تتناول الذكاء الاجتماعي والإتيكيت والنصائح الحياتية، وكانت تقدمها في الغالب مؤثرات أجنبيات على منصة ‘تيك توك’ سمعت خلالها عن  “Feminine Energy”، ولاحظت أنّ كثيراً من الأفكار المتداولة حوله تتقاطع مع قناعات كنت أؤمن بها مسبقاً، غير أنّ هذه التسمية اختزلت الفكرة في أسلوب عيش ونمط حياة”. تقول لينا في تصريح خاصّ لمنصّة “هنّ”.

وتضيف صانعة المحتوى ذاتها: “من هنا جاءتني فكرة دمج محتوى المكياج الذي أقدّمه مع بعض هذه النصائح، التي أستقيها من مجموعة من الكتب المتخصّصة في هذا المجال.”

وعند سؤالها عن بعض هذه العناوين ارسلت لينا نسخة الكترونية من كتاب “Dark Feminine Energy – How To Become A Femme Fatale: The Dark Feminine Secrets To Self-Discovery & Confidence”، ( طاقة الأنوثة المظلمة – كيف تصبحين المرأة اللعوب: أسرار الأنوثة الغامضة لاكتشاف الذات والثقة)، وهو كتاب يصنّف ضمن كتب التنمية البشرية للسياسية ساماثا جين غراهام Samantha Jane Graham تقوم فكرته أساسا على وضع الحدود الصارمة لتعزيز الثقة بالنفس والسيطرة على مجريات حيوات النساء، كما يركّز على تحويل القارئة إلى شخصية “المرأة الفاتنة” من خلال أفكار رئيسية تشمل سيكولوجية الإغواء، الشفاء العاطفي، وبناء الجاذبية الشخصية. 

طقس جديد من أجل القبول الاجتماعي 

تُحلّل الأخصائية النفسية والباحثة في علم النفس الاجتماعي بشرى المرابطي ظاهرة طاقة الأنوثة بأنّه “يمكن النظر إلى الانتشار المتزايد لخطاب طاقة الأنوثة بوصفه تحولاً في استراتيجية صناعة التنمية الذاتية التي تنتشر مقابل أموال، أكثر منه ظهور لمفهومٍ جديد”. معتبرة أنّه يأتي بعد عقود هيمنت فيها الصناعات المرتبطة بالجمال على تسويق صورة النساء من خلال الاستثمار في أجسادهن ومعايير الجاذبية الجسدية لديهن.

هذا الخطاب حسب محدّثتنا، هو إعادة إنتاج لهذه الصناعات في صيغة جديدة، تنقل الاستثمار من الجسد الأنثوي إلى الأنوثة الداخلية أو ما يطلق عليه أحيانا “الأنوثة السوداء”، مقدمةً إياها باعتبارها المورد الجديد للتميز والتأثير والقبول الاجتماعي.

كما فسّرت المرابطي التركيز المكثف لهذا الخطاب على النساء، بتفاعل عوامل نفسية واجتماعية وتسويقية، أكثر من كونه انعكاساً لاختلافات نفسية جوهرية بين الجنسين. مذكّرة بالصناعات الموجّهة للنساء “التي لطالما ارتبطت بتحسين الذات والجمال والعلاقات، وهو ما جعل منهنّ هدفاً رئيسياً لخطابات تعدهن بتعزيز حضورهن الاجتماعي أو نجاحهن العاطفي والمهني، أو نجاح صورهن، لتستثمر هذه الخطابات في الحاجة الإنسانية لدى النساء إلى التقدير والانتماء وبناء صورة إيجابية عن الذات، لكنّها تعيد تقديمها في قالب تسويقي جذاب يسهل تداوله عبر المنصات الرقمية”.

وشدّدت الباحثة ذاتها في تصريحها لمنصّة “هنّ”: “على الرغم من هذا الانتشار الواسع الذي يعرفه مفهوم طاقة الأنوثة أو الأنوثة السوداء أو غيرها من التسميات في منصات التواصل الاجتماعي، فإنّه لا يستند إلى أساس علمي راسخ داخل حقول علم النفس أو داخل أيّ حقل علمي معين؛ إذ لا يندرج ضمن المفاهيم التي خضعت للتعريف الإجرائي أو القياس التجريبي أو التحقّق الإمبيريقي”. معتبرة أنّ الرواج الكبير له يرتبط في جانب منه بازدهار صناعة ما يسمى بالتنمية الذاتية واقتصاد المنصّات الرقمية، رغم محدودية الأدلة العلمية التي تسند الادعاءات المرتبطة به، وهو مغلف بدوافع مالية ربحية أساساً.

“مع ذلك، فإنّ عدداً من المضامين التي يروّج لها هذا الخطاب ليست غريبة عن علم النفس، مثل تقدير الذات، الذكاء الانفعالي، والكفاءة الاجتماعية، وتنظيم الانفعالات، ومهارات التواصل، وبناء الحدود النفسية السليمة. غير أنّ هذه المتغيرات تناولتها الأدبيات النفسية بوصفها موارد نفسية وإنسانية دون ربطها بجنس معين أو تقديمها في إطار طاقة خاصّة بأحدهما، سواء كانت روحية أو سوداء”. حسب المرابطي.

“النساء لم يُخلقن ليعملن”

أثناء متابعة هذا النوع من المحتوى باللغة العربية أو الإنجليزية يُسجًّل أمر رئيسي وهو اعتبار أنّ هنالك طاقتين في حياة البشر: طاقة الانوثة feminin Energy وطاقة الذكورة  masculin Energy التي تُعبّر عن سمات التوجيه، الإنتاجية، وتحمّل المسؤولية، وتتصف بالمنطق، والإنجاز، والقيادة، والحماية، والحركة. 

يعود أصل المفهوم لآلاف السنين في الفلسفة الصينية (اليين واليانغ)، ثم أطّره مؤسّس علم النفس التحليلي كارل يونغ نفسياً في القرن العشرين، حتى شهد طفرة وانتشاراً عربياً واسعاً بين سنتي 2019 و2021 عبر منصات التواصل الاجتماعي، ليصبح اليوم أداة رئيسية لتحليل العلاقات والاتزان النفسي. 

كلّ طاقة من الطاقتين هي عبارة عن معايير، حيث تذهب الأولى إلى: الحدس والابداع والتقبّل والرقة والتعاطف والتواصل والرعاية والانسيابية، في حين تُعبّر الثانية عن المنطق والبنية أو البناء والانضباط والانجاز والفعل والتوجّه.

وبدل أن تكون هذه المعايير تكمّل بعضها البعض فهي هنا متضادّات من العيب تجاوزها، فالمنطق هو عكس الحدس الذي يتعلّق بالمشاعر والعواطف، والبناء هو عكس الإبداع الذي يتميز بنوع من العشوائية والفنية. 

إلاّ أنّ هذا الخطاب لم يلصق قط الصفات السلبية الصريحة إلى النساء مثل ما تفعل الخطابات الأبوية المعتادة التي تلصق “التواكل” و “التخاذل” و”النقصان” و”قلة الذكاء” بهنّ، لكنّها بالمقابل تؤمن بأنّ النساء لم يُخلقن للعمل بل “للراحة والدلع”، ويُرجع مروّجو ومروّجات هذا الخطاب السبب إلى البيولوجيا وطبيعة أجسادنا، ليحقّق الخطابان بذلك نفس الأهداف بطرق تختلف عن بعضها قليلا من حيث الأسلوب فقط.

في هذا الصدد، تُؤكّد الفاعلة الجمعوية والناشطة النسوية، سعيدة الإدريسي، أنّ الصور النمطية القائمة على النوع الاجتماعي تشكّل إحدى أبرز الآليات التي يعتمد عليها المجتمع لتكريس دونية النساء وإبقائهن في مرتبة أدنى. 

وأوضحت الإدريسي، في تصريح لموقع “هنّ”، أنّ هذه الصور ليست وليدة المصادفة، بل هي نتاج منظومة متكاملة تتضافر فيها الأعراف والتقاليد والقوانين، فضلاً عن التأويلات الدينية المحافظة، التي تعمل جميعها على ترسيخ واقع يسلب النساء إرادتهن وطموحاتهن.

وأضافت المتحدّثة أنّ الصور النمطية الجنسانية تروّج لخطاب مفاده أنّ النساء غير قادرات على تولي مناصب السلطة أو ممارسة بعض المهن التي تُحتكر للرجال، عبر إدراج صفات مثل “الحنونة”. واعتبرت أنّ إطلاق هذه النعوت يسعى بالأساس إلى الحد من طموح الفتيات والنساء وجعلهن دائمات الخضوع للوصاية الذكورية، مشيرة إلى أنّ الواقع الفعلي يُفنّد هذه الادعاءات ويؤكد قدرة النساء على  القيادة.

وفي معرض تحليلها لتأثير وسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات الرقمية، أوضحت الناشطة النسوية أنّ “الترويج للصور النمطية بات يخضع للاستغلال التجاري والأيديولوجي؛ وهو ما تستفيد منه شركات وعيادات التجميل كما أصبح يستفيد منه الان صناع المحتوى هؤلاء”. معتبرة إيّاها “مرحلة وصيغة جديدة وأسلوب من نوع آخر”. 

الأسلوب القديم المتجدّد

في السياق ذاته اعتبرت الباحثة المغربية في علم الاجتماع والصحفية، سناء العاجي الحنفي، أنّ ما يُتداول اليوم بكثافة على منصات التواصل الاجتماعي حول مفهومي “الطاقة الأنثوية” و”الطاقة الذكورية” لا يعدو كونها “خزعبلات” واسعة الانتشار، مؤكدةً افتقارها التام لأيّ أساس علمي راسخ.

أوضحت العاجي الحنفي، في تصريح لمنصّة “هنّ”، أنّ المشهد البحثي والعلمي لم يُثبت قط وجود سمات نفسية أو سلوكية حصرية على النساء دون الرجال، أو العكس. وأشارت إلى أنّ الشخصية الإنسانية هي بنية معقدة تتشكّل وتنمو نتيجة تفاعل ديناميكي لشبكة من العوامل؛ أبرزها أساليب التربية والتنشئة، والبيئة الأولية للفرد، جنباً إلى جنب مع تاريخه النفسي والعائلي، وسياقاته الاجتماعية والثقافية والجغرافية.

وفي معرض تحليلها لأبعاد هذا الطرح، أفادت الباحثة المهتمّة بالقضايا النسوية بأنّ: “خطورة هذا الخطاب وإشكاليته لا تقف عند حدود غياب السند العلمي والمنهجي فحسب، بل تمتد لتطال تكريس الصور النمطية التقليدية، وإعادة إنتاج الأدوار الجندرية الجامدة للرجال والنساء داخل المجتمع، وذلك عبر الترويج لأفكار تدّعي أنّ النساء مطالبات بالتحلّي بصفات محدّدة، وأنّ الرجال ملزمون بالامتثال لسلوكيات أخرى بموجب طبائعهم المفترضة”.

أكّدت المتحدّثة على أنّ هذه التصنيفات القسرية تُجافي حقيقة الطبيعة الإنسانية المرنة؛ فالسمات النفسية والسلوكية لا تحدّدها البيولوجيا أو الجنس، وإنّما يصوغها مسار التنشئة الطويل، والخبرات المتراكمة، والتجارب الحياتية التي يمر بها الفرد، كائناً من كان، رجلاً أو امرأة.

وفي السياق ذاته، رفضت العاجي الحنفي احتكار الرجال لصفات القيادة والحزم، معتبرة أنّ هذا الربط يجعل من امتلاك النساء لهذه الميزات – وفوق هذا التصنيف – دليلاً على تمتّعهن بما يُسمى بـ “الطاقة الذكورية”. وفي المقابل، استهجنت حصر قيم التعاطف والذكاء العاطفي كمظاهر لـ”الطاقة الأنثوية”. 

كما تُؤكّد على أنّ هذه الصفات هي “ملكات إنسانية” بامتياز، تتوفّر لدى الأفراد بغضّ النظر عن نوعهم الاجتماعي؛ فالذكاء الاجتماعي، والحس الإنساني بالآخر، وحسن التصرف، هي مهارات يطورها البشر من خلال تفاعلاتهم اليومية. منبّهةً إلى أنّ الإشكال الأكبر والعميق في هذا الخطاب الوافد يكمن في كونه يكرّس النمطية المعتادة، مغلّفةً بأسلوب يبدو في ظاهره حديثاً، بينما هو أبعد ما يكون عن ذلك.

إنّ ما يُعزّز انتشار هذه النوعية من المحتويات، هو استضافة قنوات تلفزيونية دولية مثل فرانس 24 وام بي سي و سكاي نيوز وغيرهم لصانعات محتوى طاقة الأنوثة عبر شاشاتها مقدّمة لهم فرصة نشر خطاباتهن بشكل أوسع وأكثر مصداقية، دون الاستعانة بمختصّات ومختصّين في علم النفس أو الاجتماع أو الدراسات الجندرية لتقديم قراءة علمية متوازنة، ودون طرح أسئلة نقدية عليهن أو حتى تحليلية.

تكتفي هذه البرامج التلفزيونية بعرض تجارب الضيفات الشخصية، ما يجعل الصحافة تُساهم في تضخيم ترندات تفتقر أحيانًا إلى أي أساس علمي، بينما كان الأولى بها أن تمارس دورها النقدي في تفكيكها وكشف آليات انتشارها ومصالح الجهات المستفيدة منها، بدل الاكتفاء بتسويقها تحت غطاء “مواكبة الرائج”. 

يُثير التقديس للأدوار الجندرية، والمثالية في التصوير تساؤلات جوهرية حول آثاره النفسية والاجتماعية، لا سيما على الفتيات والمراهقات اللواتي يجدن أنفسهن أمام معايير تُقدَّم على أنّها حقائق علمية، وتُملي عليهن كيف يفكرن، وكيف يتحدثن، وكيف يختبرن ذواتهن. 

كما يمتد هذا التقديس، إلى المراهقين والمراهقات والشباب الذين يتلقّون بدورهم تصورات جامدة عن “الرجل الحقيقي”، بما يعزّز توقعات غير واقعية تجاه النساء والعلاقات بين الجنسين. ومن الوارد أن يسهم ترسيخ هذه الصور النمطية في تطبيع ممارسات السيطرة أو التحقير والعنف القائم على النوع الاجتماعي، عندما ينظر إلى الفتيات باعتبارهن ملزمات بالامتثال لأدوار محدّدة يقتضي رفضها العقاب.

اقرأ أيضا

  • من ورقة الامتحان إلى ورقة الاتهام.. طالبة تونسية تواجه تهمة التشهير لأنها قالت الحقيقة 

    في قاعة امتحان جامعية، حيث يُفترض أن تُقاس قدرات الطلبة لا مدى صمتهم، وقعت حادثة جعلت من مرام الجبري، طالبة بالسنة الثالثة بـ”كلية العلوم القانونية والاقتصادية والتصرف” بمدينة جندوبة (أقصى الشمال الغربي)، ضحية مزدوجة؛ أولًا للتحرّش داخل مؤسسة تعليمية، وثانيًا لمحاولة إسكاتها قانونيًا من خلال شكاية بالتشهير والثلب تقدم بها الأستاذ الذي اتهمته، أمام فرقة…

    Hounna | هنّ|

  • السُّمْنة في موريتانيا.. طريقُ الجمالِ المفروشُ بِالمخاطر

    السُّمْنَةُ، مفهوم جعل كتلة المرأة مرادفًا لثراء الأهل، وشرطًا للزواج في موريتانيا، فهي معيار للجمال لدى المجتمع الموريتاني، وعلى الرغم من خفوتِ التسمين القسري التقليدي، المعروف محليًا بـ"لَبْلُوحْ" أو "اَلتًّبْلَاحْ"، والذي تدرجه الكثير من المنظمات الحقوقية في خانة "العنف ضد المرأة"، إلا أن بعض الشابات تقمن بممارسات جديدة من أجل الوصول لهذا "المثل الأعلى" من…

    Hounna | هنّ|

  • سوق الغزل.. ملاذُ مهمشاتِ مراكش

    خلف أكوام من القفاطن المطرزة والجلالب الملونة المستعملة، تجلس نساء جمعهن شظف العيش، يفترشن الأرض وينتظرن ظهور السائحات الأجنبيات أو المغربيات الباحثات عن ضالتهن في بضاعة عتيقة بعيدا عن غلاء أسعار المحلات الفارهة.  سامي صبير/هوامش بابتسامة خجولة تستقبلنا نعيمة، الأرملة السبعينية، التي تلخص قصتها في حديث لمنصة هوامش، “أمضيت حياتي بكاملها في هذا السوق، كان…

    Hounna | هنّ|

  • شهادات بلا اعتراف: كيف تُستدرج النساء بوعود أكاديمية عابرة للحدود؟

    "تحقيق: من إنجاز رويدا العربي لـ "هي تتحقق أثار المحتوى الرقمي الذي نشره حامد الإدريسي حول "أكاديمية هندسة الأجيال" حالة من الاستقطاب والجدل الواسع على المنصات الاجتماعية، حيث عكست آلاف الإعجابات ومئات المشاركات حجم الانبهار بمنظومة تعليمية بديلة يتم الترويج لها. ​في منشور استشهد فيه بحالة ابنته، يقدم الإدريسي الأكاديمية لا كخيار تعليمي فحسب، بل…

    Hounna | هنّ|