“بدأتُ، كأي طالبة حديثة التخرج، أبحث عن وظيفة، حتى وإن كانت خارج تخصصي. فقد مللتُ من البيت والروتين العائلي، وأردتُ الحصول على فرصة عمل أُؤمّن بها مصاريفي الضرورية”، بهذه الكلمات تبدأ رانية سرد تجربتها مع مجموعات البحث عن عمل في مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة منصة “فيسبوك”.
كانت رانية، تقضي يومها بين “لينكدإن” و“إنديد”، وغيرها من المواقع الرسمية للبحث عن عمل، ترسل سيرتها الذاتية وتنتظر الرد، وتقول لـ“هنَّ”: “مرت أشهر دون أي جديد، وبدأ اليأس والإحباط يتسلل إلى أعماقي’’.
مجموعات البحث عن عمل: مصيدة لاستغلال النساء جنسيًا
ذات يوم، وبينما كانت رانية تحدث صديقة لها، عن محاولاتها اليائسة في الحصول على فرصة عمل تضمن كرامتها، دعتها صديقتها للبحث عبر مجموعات البحث عن عمل في “فيسبوك”، مؤكدة أنها “حصلت على فرصة مهنية مؤخرا عن طريق إحدى هاته المجموعات”.
ماهي إلا ثوانٍ معدوات، حتى انضمت رانية بضغطة زر بسيطة إلى عشرات المجموعات المختصة في البحث عن عمل على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، ونشرت تدوينة كتبت فيها اسمها، تجاربها، وذكرت أنها في حاجة ماسة إلى وظيفة؛ نادلة في مطعم أو مقهى، عاملة في مركز نداء، خدمة استقبال، أو أي شيء من هذا النوع.
بعد دقائق فقط، تقول محدثتنا: “انهالت علي الرسائل في الخاص، عشرات عروض العمل، في الواقع شعرت أن بعضها غير جدي فلم أرد، إلى أن تواصل معي شخص وأخبرني أنه سيوفر لي فرصة عمل في مركز نداء سهل وبسيط وباللغة العربية”.
“فرحتُ كثيرًا لأن لغتي الفرنسية لم تكن جيدة. أرسل لي العنوان، وأعطاني موعد المقابلة. لم يعطني تفاصيل إضافية سوى أن ظروف العمل مريحة والأجر جيد”، تضيف رانية.
في “لافايات”، بقلب العاصمة التونسية، وصلت رانية وكلها حماس وأمل بأن تبدأ تجربة مهنية، صعدت البنت درج إحدى العمارات المنتصبة هناك، لا شيء يوحي بالشبهات، مكتب طبيعي، دون أي لافتة أو عنوان، رغم ذلك دخلت. أجرت المقابلة، وتم إعلامها بالقبول في نفس اليوم.
كان كل شيء يبدو طبيعيًا، ويسير بنسق سريع وسهل، مركز نداء يضم حوالي 30 فتاة، كأي مركز نداء آخر، “أعطتني سيدة ‘سكريبتات’، قرأتها، أحدهما باللهجة اللبنانية، والآخر باللهجة السعودية، كان الهدف هو تقديم خدمات بشكل عادي تتغير من فترة لأخرى”، تسرد رانية.
بعدئذٍ، أعلمتها المسؤولة هناك أنها في فترة تربص مدة أسبوع غير مدفوعة الأجر، كانت رانية، تتصل بالأشخاص أو تتلقى مكالمات بشكل طبيعي، كان السكريبت سهلًا وبسيطًا، وكانت تحاول إبقاء الزبون المتصل أطول وقت ممكن.
“في اليوم الأول طلبت مني المسؤولة غلق هاتفي ووضعه في خزانة خاصة مع بقية العاملات، موضحة أنه من ضمن النظام الداخلي للعمل يمنع استخدام الهاتف إلاّ عند انتهاء العمل والخروج من المكتب”، تسرد رانية متذكرةً.
كانت المكالمات في البداية تسير بنسق طبيعي، لكن مع بداية اليوم الثالث، بدأت المكالمات تتخذ منعرجا آخر؛ اتصالات غريبة، كلام إباحي، محادثات لا أخلاقية وعبارات جنسية وكأن الشخص يتصل بك لممارسة الجنس هاتفيًا.
“استغربتُ الأمر وشعرتُ أنه يمكن أن يكون خطأ تقني أو مكالمة عشوائية كان من المفروض أن لا تصلني، حاولت أن أتحدث مع المسؤولة، فأخبرتني أن كل شيء طبيعي، وأنه يجب أن أتعامل مع هذا النوع من الاتصالات لأن أجري سيرتفع وأحصل على مزيد من الامتيازات’’، تضيف رانية في شهادتها لهذه المنصة.
خرجت رانية مذهولة مما عاشته لمدة 3 أيام فقط، “لم أكن أتوقع أن أجد نفسي في مركز نداء لممارسة الدعارة هاتفيًا، اكتشفت حينها أني كنت ضحية للتحايل والتلاعب’’. تقول الشابة.
بعد مدة وجدت فتاة أخرى شاركت تجربتها في مجموعة البحث عن عمل تعرضت لنفس الحادثة من نفس الشخص، تقول رانية أنها حاولت التواصل مع الفتاة للتعرف على هوية الشخص لكنه لم يكن يضع صورا أو أي شيئ يكشف هويته مجرد حساب وهمي يتصيد الفتيات الباحثات عن عمل.
رانية لم تستطع أن تُخبر عائلتها عن السبب الحقيقي وراء استقالتها السريعة من مركز النداء، كما أنها لم تتجرأ على تقديم شكوى لأن ظروفها المادية لم تكن تسمح لها بالتنقل، ومعاينة التحيل وتكبد تكاليف القضية والمحاكم.
“تعالي خاص”.. كلمة سرّ المتحرش الرقمي
رانية ليست الضحية الأولى، ورغم أن الحادثة مرّ عليها قرابة 3 سنوات، ما تزال ظاهرة التحرش والتحايل عبر هاته المجموعات متواصلة، أحلام ( اسم مستعار) هي الأخرى، طالبة أنهت سنتها الدراسية، وأرادت أن تبحث عن عمل خلال الصيف لتحصيل مصروفها للسنة القادمة مثل أغلبية طلبة تونس، نشرت بدورها في مجموعة “أبحث عن عمل” تدوينة على صفحتهم.
وبتدما كتبت أحلام في تدوينتها، “أنا أبحث عن عمل”، لم تمر إلا دقائق معدودة حتى كتب لها شخص تعليقًا واضحًا، “تعالي إلى الخاص”، أرسلت أحلام رسالة لهذا الشخص، الذي رد بدوره وطلب أن يتصل بها عبر خاصية مكالمات “المسانجر” ويوضح لها تفاصيل العمل.
وفق حكاية أحلام، زعم هذا الرجل أنه “صاحب وكالة بيع كاميرات مراقبة ويبحث عن من يتكفل بالرد على التعليقات في مواقع التواصل الاجتماعي للوكالة وبيع الكاميرات، ومواصفات العمل فتاة جدية، ملتزمة وبشوشة”.
“كان الحديث في البداية هادئ، طبيعي وبسيط، عبارة عن توضيح لتفاصيل العمل، لكنه سرعان ما تحول إلى محادثة جنسية قذرة”، تقود أحلام لـ“هنَّ”.
وتوضح أحلام، “بدأ صوته يتغير تدريجيا، وشعرت أن نسق المحادثة تغير فجأة وانقلب من تفسير وتوضيح للفرصة العمل إلى أصوات قذرة وغريبة، استدراج للانزلاق بالحديث إلى مواضيع جنسية قذرة، ليصل إلى طلب ارسال صوري الخاصة”.
وتضيف أحلام أن الرجل طلب منها إرسال صورة شخصية، أرسلت له صورة بروفايل، “لكنه طلب مني صورًا العارية، وقال كلما أرسلت لي صورًا إباحية إلا وزدتك الفلوس”.
ظاهرة العنف الرقمي: أرقام صادمة
ما تعرضت له أحلام ليس بحادثة معزولة، بل حادثة بسبب التكرار تحولت إلى واقع يومي، ونوع من التطبيع مع هاته الممارسات الشنيعة، تُجبر الفتيات على التعامل معه إما بالفضح والتشهير كما فعلت أحلام أو الصمت والخضوع.
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، اتخذ التحرش بالنساء والتحايل عليهنَّ أشكالا جديدة، فالفضاءات الرقمية لم تعد آمنة للفتيات والنساء بل تحولت إلى مسارحٍ لجرائم ر قمية متعددة؛ تنتهك فيها كرامتهن وخصوصيتهن، وتتحول بعض النساء الباحثات عن فرص عمل إلى فريسة سهلة للمتحرشين، والمستغلين الذين يتربصون بهنّ عبر هاته المجموعات، دون أي رقيب أو متابعة.
منظمة “أصوات نساء”، كشفت في دراسة أجرتها عام 2021 أن 73 بالمائة من النساء الناشطات في الحياة العامة في تونس “تعرضن للعنف الرقمي”.
فيما كشفت دراسة أجرتها “هيئة الأمم المتحدة للمرأة” في عام 2020 أن العنف الرقمي ضد النساء في الدول العربية “ازداد بشكل كبير خلال جائحة كورونا”، وشملت تلك الدراسة تسع دول عربية، من بينها تونس.
ومن أبرز أشكال العنف الرقمي ضد النساء نجد تلقي صور أو رموز جنسية غير مرغوب فيها (43%)، التعرض لمكالمات هاتفية أو اتصالات مزعجة (38%)، تلقي رسائل مهينة أو تحريضية (35%).
القوانين المتاحة
وتقول المحامية والناشطة الحقوقية مريم كلوز في حديثها لمنصة “هنَّ”، أنه “ليس هناك نص خاص بالعنف ضد المرأة في الفضاء السيبراني، ولكن هناك عدة نصوص تواكب هاته الظواهر يمكن الاعتماد عليها في حالة تعرضت المرأة لأي شكل من العنف أو التحايل”.
وذكرت المحامية هذه النصوص أنها ضمن “المجلة الجزائية، فصل 291( الاحتيال)، الفصل 222(التهديد)، الفصل 226 مكرر( الاعتداء على الأخلاق الحميدة)، الفصل 245 ( القذف)، القانون الاساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة: التحرش( الفصل 226 ثالثا جديد)، الفصل 17 ( مضايقة امرأة في فضاء عمومي)، المرسوم عدد 54 لسنة 2022 مؤرخ في 13 سبتمبر 2022 يتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، القانون الأساسي عدد63 لسنة 2004 المتعلق بحماية المعطيات الشخصية، مجلة الاتصالات (الفصل 86)”.
وتوضح كلوز أنه “يمكن أن تكيف بعدة صور حسب الوقائع الخاصة بكل حالة، ونفس الفعل يمكن أن يجمع بين أكثر من تكييف قانوني”.
إجراءات التبليغ والإثبات والتحديات
وفي سؤالنا عن “كيفية إثبات الجريمة وتقديم الضحية لشكاوى”، تقول كلوز أنه “يمكن معاينة الحادثة عن طريق القيام بـ screen shot للرسائل أو الصور أو المراسلات أو البريد الإلكتروني أو المحادثات عن طريق محاضر معاينة لدى عدل تنفيذ وغيرها من وسائل الإثبات الممكنة، كون الإثبات في المادة الجزائية هو إثبات حر حسب الفصل 150 من مجلة الإجراءات الجزائية”.
لكن في المقابل تقول المحامية والحقوقية كلوز، أن “الصعوبة تكمن في استعمال هويات أو حسابات وهمية أو خوادم أجنبية و لكن منذ 2018 أحدثت فرقة مكافحة جرائم تكنولوجيا الاتصال بالادارة الفرعية للوقاية الاجتماعية بإدارة الشرطة العدلية وهي تملك من الخبرات والوسائل مايمكنها من تعقب العناوين الإلكترونية (IP adresse) بالتنسيق مع شركات الاتصال”.
“أي ضحية يمكن أن تقوم في البداية بجملة من الإجراءات تتمثل في البدأ بتجميع الأدلة التوجه الى الفرقة المختصة في جرائم العنف ضد المرأة ، وللوحدة المركزية المختصة بالبحث في جرائم العنف ضد المرأة بالادارة الفرعية للوقاية الاجتماعية بادارة الشرطة العدلية و/أو مصلحة وقاية الأحداث بالادارة الفرعية للوقاية الاجتماعية بادارة الشرطة العدلية، أو تقديم شكاية لوكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية، ونظرًا لمسكنها يمكنها التوجه مباشرة إلى الفرقة المختصة أو تقديم شكاية وإن كانت الاستعانة بمحام.ية أمر مستحسن و لكنه غير إجباري”، توضح كلوز.
وتسترسل كلوز، أن العقوبات متنوعة وهامة وهي عقوبات سجنية وخطايا، ولكنها على مستوى التطبيق تبقى “خاضعة لمبدأ التخفيف من قبل القاضي المعمول به بمختلف المحاكم”.
وتشير كلوز إلى أنه في حالة ما إذا “كانت الضحية قاصرا فإن العقوبات تشدد، وتكون مضاعفة في عديد الجرائم حسب القانون عدد 58 وغيره من القوانين الأخرى”.
“كما يمكن ملاحقة الجاني خارج تونس عند خضوع هاته الجرائم لمبدأ إقليمية القانون الجزائي ضد من يكون في الخارج حين يكون مرتكب هاته الجرائم تونسي الجنسية، عند ارتكابه لجناية أو جنحة يعاقب عليها القانون التونسي يكون عرضة للتتبع من قبل المحاكم طالما الفعل مجرم في تونس، وفي البلد مكان تواجد المواطن تونسي الجنسية (الفصل 305 مجلة الاجراءات الجزائية)”، تضيف المحامية.
وتخلص كلوز، بوصفتها محامية وناشطة حقوقية، إلى أن المنظمات والجمعيات الحقوقية والنسوية “تلعب دورا هاما ومصيريا اليوم، في التوعية بهذا النوع من الجرائم وتقديم المساعدة القانونية والدعم النفسي للضحايا، إضافة إلى تنظيم حملات توعية وتحسيسية، ومناصرة من أجل نصوص خاصة تتعلق بالعنف السيبراني ضد النساء، باعتبارها واقعا ملموسا”.



















