في لحظة فارقة ضمن المسار الحقوقي المغربي، انتُخبت المحامية والحقوقية سعاد براهمة على رأس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، خلفًا للحقوقي عزيز غالي، في ختام أشغال المؤتمر الوطني الرابع عشر للجمعية الذي انعقد بمدينة بوزنيقة من 23 إلى 25 ماي 2025.
وأسفر اجتماع اللجنة الإدارية عن انتخاب مكتب مركزي مكوّن من 23 عضوًا، من بينهم 8 نساء و7 شباب، وفق بلاغ للجمعية توصلت “هنَّ” بنسخة منه، وقد انتخبت خديجة الرياضة كاتبة عامة لأهم منظمة حقوقية في البلاد.
من قاعات المحاكم إلى قيادة النضال الحقوقي
عرفت سعاد براهمة بمرافعاتها الصارمة في قضايا الرأي والتعبير، حيث وقفت إلى جانب معتقلين مثل “مول الكاسكيطة”، مدافعة عن حرية الكلمة ضد سطوة الدولة، معتبرة أن الأحكام التي صدرت في حقه تمثل عودة صريحة إلى “سنوات الرصاص”.
كما تولّت الدفاع عن الناشطة الحقوقية سعيدة العلمي، التي واجهت السجن بسبب منشوراتها على وسائل التواصل، في قضية أثارت جدلاً واسعًا حول حدود حرية التعبير في المغرب.
ولم تكتف براهمة بالدفاع داخل المحاكم، بل كانت صوتًا نسائيًا حاضرًا في الإعلام، وفي الساحات، وفي بيانات الإدانة الصريحة.
مناضلة نسوية قبل كل شيء
بعيدًا عن المحاكم، تعد براهمة واحدة من الوجوه النسوية البارزة في المغرب، إذ ترأست الجمعية المغربية للنساء التقدميات، وعُرفت بدفاعها المستميت عن النساء ضحايا العنف، والتهميش، والتمييز المؤسساتي.
خلال جائحة كورونا، دعت إلى محاسبة الدولة على سياسات الإقصاء التي طالت النساء، وشاركت في مبادرات وندوات رقمية قارعت من خلالها الخطاب الرسمي الذي همّش واقع المرأة المغربية، لا سيما في الأرياف والمناطق الهشة.
كما اعتبرت أن الكوارث الطبيعية، مثل زلزال الحوز، تكشف هشاشة السياسات الاجتماعية تجاه النساء، اللواتي هنّ “الحلقة الأضعف في منظومة متصدّعة”.
الطريق إلى الرئاسة: توافق نضالي رغم الخلافات
لم يكن الطريق إلى رئاسة الجمعية سهلًا، إذ جاءت براهمة في سياق نقاش داخلي حاد بين تيارات متعددة داخل الجمعية.
وبالرغم من وجود توجهات راديكالية عارضت ترشيحها، استطاعت براهمة أن تُحقق توافقًا واسعًا داخل اللجنة الإدارية المنتخبة، بفضل مسارها النضالي ومواقفها المستقلة.
وقد أُعلن عن انتخابها بعد جلسات مطوّلة في اللجنة الإدارية، على أن يتم الإعلان الرسمي عن تشكيل المكتب المركزي خلال اجتماع تم اليوم 15 يونيو 2025.
ورغم تأجيل الإعلان الرسمي، إلا أن مصادر من داخل الجمعية أكدت سابقًا أن سعاد براهمة أصبحت عمليًا ثاني امرأة تقود الجمعية منذ تأسيسها سنة 1979، بعد قيادة خديجة الرياضي لها ما بين سنتي 2007 و2013.
ووُلدت سعاد براهمة في مدينة الدار البيضاء، في كنف أسرة عرفت معنى القمع في أكثر صوره قسوة. كان شقيقها مصطفى البراهمة من بين المعتقلين السياسيين في سنوات الرصاص، وهو ما شكّل وعيها المبكر تجاه قضايا الحرية والكرامة. لم تكن النضالات مفروضة عليها بقدر ما كانت فطرة تتغذى من البيت، ومن الوطن الذي طالما ضاق بالصرخات الحرة.
جذور نضالية في تربة الألم
سعاد براهمة ليست مجرد اسم على رأس مؤسسة حقوقية غير حكومية هي الأكثر شهرةً ومصداقية في البلاد، إنها وعدٌ بصوت نقي في زمن التعتيم، وعنوانٌ لصمود نسائي لا يتزعزع.
وتمثل سعاد اليوم حلقة وصل بين جيل مؤسس شب على “سنوات الجمر والرصاص”، وجيل جديد تواق إلى الحرية الرقمية، العدالة الاجتماعية والكرامة الحياتية.
في قاعات المحاكم، على منابر النقاش، وفي الصفوف الأمامية للاحتجاجات، كانت براهمة حاضرة دومًا. ورئاستها للجمعية ليست تتويجًا لمسار، بل بداية مرحلة تُكتب بالحبر النسائي، وبصرامة المحامية، وبشجاعة المناضلة التي لا تزال تؤمن أن الحرية ليست منحة، بل حق يُنتزع.
ووُلدت سعاد براهمة في مدينة الدار البيضاء، في كنف أسرة عرفت معنى القمع في أكثر صوره قسوة. كان شقيقها مصطفى براهمة من بين المعتقلين السياسيين في “سنوات الرصاص”، وهو ما شكّل وعيها المبكر تجاه قضايا الحرية والكرامة.
ولم تكن النضالات مفروضة عليها بقدر ما كانت فطرة تتغذى من البيت، ومن الوطن الذي طالما ضاق بالصرخات الحرة.
درست سعاد براهمة القانون، وتخرّجت بإجازة في الحقوق، ثم التحقت بسلك المحاماة. منذ بداياتها، اختارت أن تكون محامية الشعب، لا محامية الامتيازات.
وتميّزت بمواقفها الجريئة في قاعات المحكمة، وتصدّت لقضايا اعتبرت خطًا أحمر في دولة لا تزال تصارع شبح السلطوية.
في ملفات مول الكاسكيطة وسعيدة العلمي وربيع الأبلق، والصحفيان سليمان الريسوني وعمر راضي، لم تكن سعاد مجرد ممثلة قانونية، بل كانت درعًا واقيًا للكرامة، ولسانًا يتكلم حيث تخرس الألسنة، كما كانت من أبرز الأصوات في هيئات الدفاع عن الصحفيين.
وحين أدين “مول الكاسكيطة”، أعلنت أن البلاد ترتد إلى “سنوات الرصاص”، متحدية السقف القضائي والسياسي في آنٍ واحد.
حقوق الإنسان بين القمع والأمل
يتطلع النشطاء الحقوقيون إلى مرحلة جديدة تقودها براهمة، قائمة على توسيع فضاء الحريات ومواجهة التراجعات الحقوقية المتسارعة في البلاد.
فالمغرب يعيش على وقع تضييق متزايد على الصحافة المستقلة، ومحاكمات للرأي، ومتابعات تعسفية ضد المدونين والنشطاء، وهي ملفات تعرفها براهمة جيدًا من موقعها كمحامية وناشطة ومرافعة.
وبين التحدي والمسؤولية، ترفع براهمة الآن راية الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، محملة بثقة جيل من المناضلات والمناضلين، وبتاريخ من الصمود القانوني في وجه الجور، وبتطلع إلى غدٍ أكثر عدلًا وحرية.














