تعمل الصحفيات في ليبيا في مناخ يتّسم بهشاشة أمنية وانقسام سياسي مستمرّ، إلى جانب انتشار السلاح ووجود ميليشيات مسلّحة خارج إطار الدولة. ورغم تراجع حدّة المواجهات العسكرية المفتوحة خلال السنوات الأخيرة، إلاّ أنّ حريّة الصحافة تُواجه قيودًا واسعة تشمل التهديد والملاحقة والتضييق المهني، في سياق يفتقر إلى آليات حماية فعّالة ومساءلة قانونية.
ومن هذا المشهد، تُواجه النساء الصحفيات مستوى إضافيًا من المخاطر، إذ تتقاطع التهديدات الأمنية مع ضغوط اجتماعية وعنف رقمي يستهدفهن بسبب عملهن وآرائهن، ما ينعكس مباشرة على قدرتهن على ممارسة المهنة وعلى حقّ الجمهور في الوصول إلى روايات متعدّدة الزوايا.
في هذا النصّ، موجز لتقرير صدر عن منظّمة محامين من أجل العدالة في ليبيا تحت عنوان “صحفيات ليبيا تحت الضغط: تهديد رقمي وميداني يقيّد حرية الإعلام” ويطرح معاناة الصحفيات في ليبيا بين التهديد والرقابة الذاتية.
واقع حرية الصحافة بالأرقام
تُصنّف منظمة “مراسلون بلا حدود” ليبيا ضمن الدول ذات الوضع “الصعب” في مجال حريّة الصحافة لسنة 2025، إذ جاءت ضمن المراتب المتأخّرة بين 180 دولة. وعلى الرغم من تسجيل تحسّن طفيف مقارنة بالسنوات السابقة، لم ينعكس هذا التحسّن على واقع سلامة الصحفيات. توثّق منظمات حقوقية محلية ودولية أيضا انتهاكات مستمرّة بحقّهن منذ سنة 2014، شملت القتل والاختطاف والاحتجاز التعسفي والاعتداءات الجسدية والتهديد.
وتشير تقارير منظّمة Women Journalists Without Chains إلى تسجيل نحو 550 انتهاكًا بحقّ صحفيين وصحفيات في ليبيا بين عامي 2014 و2024، ما يعكس هشاشة البيئة الإعلامية واستمرار غياب المساءلة القانونية.
وحسب الصحفية والناشطة النسوية نورة جربي فإنّ “الصحافة هي أداة مقاومة سلمية، تدافع عن الحق في المعرفة والمساحة المدنية التي تتآكل يوميًا تحت ضغط انتشار السلاح والميليشيات.”
العنف الرقمي: وسيلة لإسكات الصحفيات
تُشير ورش عمل لجنة حماية الصحفيات (CPJ) بالتنسيق مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى أنّ 73% من الصحفيات المشاركات تعرضّن للعنف الرقمي، بما يشمل التهديد والتشهير ونشر البيانات الشخصية وحملات منظّمة تستهدف السمعة والسلامة النفسية. ويؤثّر هذا العنف مباشرة على المسار المهني، إذ تدفع بعض الصحفيات إلى تقليص حضورهن العام، تجنّب ملفات حسّاسة، أو الانسحاب من المجال الإعلامي بالكامل.
تؤكّد الصحفية نورة الجربي في هذا الصدد، على وجود قصور مؤسّسي وقانوني واضح في حماية الصحفيات في ليبيا، يتركّز في غياب تشريعات واضحة لمكافحة العنف الرقمي وحملات التشهير، وافتقار المؤسّسات الإعلامية إلى آليات دعم فعّالة. وتوضّح أنّها تقدّمت بشكوى رسمية أمام لجنة الأمم المتحدة لحماية الصحفيات نتيجة تعرضّها للعنف الرقمي، موجّهة ضدّ الدولة الليبية، لكنّها لم تتلق أيّ رد، ما يعكس الفجوة بين الالتزامات الدولية والتنفيذ على أرض الواقع.
وتشير نورة إلى أنّ انتهاك الحقوق يشمل السلامة الشخصية والعمل دون خوف، الحقّ في الخصوصية والحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي، حريّة التنقل والمشاركة في الفضاء العام والمداولات السياسية، وحرية التعبير، وهي من الحقوق الأساسية المعرّضة لانتهاك مستمر. وتُضيف: “الضغط النفسي والميداني اليومي يجبر الصحفية على اتخاذ قرارات مسبقة حول ما يمكن نشره أو عدمه، مع الحفاظ على سلامتها الشخصية وعائلتها.”
من جهتها، تُضيف الإعلامية زينب تربح بعدًا آخر لتجربة الصحفيات في ليبيا، موضّحة أنّ العمل داخل البلاد يفرض تضييقًا مزدوجًا: رقميًا وميدانيًا، بسبب احتكار المجال الإعلامي وغياب فرص العمل للناقدات. “عندما عملت من الخارج لم أشعر بهذا الضغط، لكن داخل ليبيا، البيئة الإعلامية محتكرة، وأيّ انتقاد يؤدّي إلى انحصار الفرص المهنية.” حسب قولها.
تشرح تربح أنّ الحملات الرقمية التي تعرّضت لها كانت منسّقة عبر عشرات الصفحات والحسابات الوهمية، تهدف إلى تشويه صورتها وإبراز سردية مضلّلة عن مواقفها، خاصّة بعد انتقادها لتصريحات وزير الداخلية في نوفمبر 2024 بشأن استهداف النساء غير المحجبات وفرض الحجاب في المدارس والشوارع. وتوضّح أنّ هذه الحملات امتدت إلى حياتها اليومية، بما في ذلك مضايقات مباشرة في الشارع ومحاولات تهديد حياتها أثناء القيادة، ما دفعها للانتقال خارج البلاد في مايو 2025.
“كانت أشرس حملة رقمية واجهتها، متّهمة بالإلحاد، وبأنّني ضد الحجاب، بينما كان كل ما أقوم به هو الدفاع عن حق النساء في الأمان والحركة بحرية.” حسب قولها.
تؤكّد تربح أنّ الحملات الرقمية والضغط الاجتماعي كان له أثر نفسي ومهني كبير، وأنّ الدعم المؤسّسي والمهني شبه معدوم، باستثناء تواصل محدود مع منظمات خارجية، لكنّها تمكّنت من تحويل هذه التجربة إلى منصّة إعلامية ناجحة بعد الانتكاسة، مؤثّرة على المشهد السياسي وجعلت المسؤولين يتواصلون معها للحصول على المعلومات.
الضغوط اليومية وتأثيرها على حرية الصحفيات
تُشير شهادات الصحفيات إلى أنّ الاستهداف لا يقتصر على الهجمات الرقمية، بل يمتد ليشمل الضغط الاجتماعي والثقافي، وتشويه السمعة، والتهديد المباشر للعائلة، ما يُعيد تشكيل أجندة التغطية الإعلامية بالقوة. ونتيجة لذلك، تضيق مساحة تغطية المواضيع الحساسة، تؤجّل التحقيقات الصحفية، وتخفّف اللغة النقدية أو تختار مواضيع أكثر أمانًا.
“الأمان الشخصي أصبح أولوية قصوى، ويستهلك جزءًا كبيرًا من الطاقة المهنية والنفسية، ويحوّل العمل الصحفي إلى دفاع عن الذات والأسرة بدل التركيز على الخبر والتحقيق.” حسب تربح.
في الأثناء، تشدّد الصحفيات على أنّ حماية النساء في الإعلام ليست قضية هامشية، بل شرط أساسي لإعلام حرّ ومستقل. تشمل توصياتهن تبنّي تشريعات واضحة لمواجهة العنف الإلكتروني والتشهير المنهجي، ضمان آليات تحقيق شفافة وسريعة لمعالجة حالات الإفلات من العقاب، ترجمة الالتزامات القانونية المتعلقة بحقوق النساء إلى سياسات فعالة على الأرض، تعزيز ثقافة التضامن المهني داخل المؤسسات الإعلامية، وضمان بيئات عمل آمنة وخالية من التمييز، مع دعم قانوني ونفسي مستمر للصحفيات.
وتختتم الصحفيات بندا إلى التضامن بين النساء في المجال الإعلامي:
“لن نستسلم، وباستمرارنا سنغير وعي المجتمع تدريجيًا، ونفرض هذا التغيير، ونكون أفضل نسخة من أنفسنا.” حسب زينب تربح
في الصدد ذاته، تقدّم ليلى (اسم مستعار) شهادة مفصّلة حول تجربتها في “صحافة المنفى”، مع تركيز على تغطية حقوق الإنسان وحقوق النساء والأقليات. أنشأت منصّة إلكترونية نشرت من خلالها مقالات تحليلية واستقصائية، بعيدًا عن الأخبار التقليدية، بهدف تقديم قراءة أعمق للأحداث الجارية في ليبيا. وواجهت مضايقات متعدّدة شملت رسائل تهديد وحملات تشويه منظّمة على وسائل التواصل الاجتماعي، ونشر معلومات شخصية وعناوين المنازل، ومحاولات للضغط النفسي، ما اضطرّها أحيانًا إلى التوقّف مؤقّتًا لحماية صحتها النفسية. وأضافت أنّ معظم الاستهداف يتمّ عن بعد، سواء أثناء وجودها في تونس أو ألمانيا، ما يجعل العودة إلى ليبيا محفوفة بالمخاطر.
تُظهر شهادات كلّ من نورة الجربي، زينب تربح، وليلى أنّ استهداف الصحفيات الليبيات متعدّد الأبعاد: جسدي، نفسي، رقمي، واجتماعي. يُمثّل العنف الرقمي وحملات التشهير المنظّمة وسيلة لإسكات الصحفيات ومنعهن من التطرّق لقضايا حسّاسة، بينما الضغط الاجتماعي والثقافي يُضيف طبقة إضافية من التحدّي. كما أنّ غياب الدعم المؤسّسي والقانوني، بالإضافة إلى ضعف التشريعات المحلية، يجعل الصحفيات أكثر عرضة للخطر ويؤثّر على حق المجتمع الليبي في النفاذ إلى معلومات متوازنة ومتنوعة.
في هذا السياق، يصبح الدفاع عن سلامة الصحفيات مؤشّرًا على صحّة الإعلام في ليبيا وعلى قدرة المجتمع على الوصول إلى الحقيقة. كما أنّ تمكين النساء العاملات في الإعلام وضمان بيئة آمنة ومستقرّة لهن يمثّل شرطًا أساسيًا لأيّ مسار نحو الشفافية والمساءلة، ويعكس التزام الدولة والمجتمع المدني بحقوق الإنسان وحرية التعبير.



















