دخلت الصحافة التونسية، بعد أحداث 25 جويلية 2021، وبعد أن شهدت انتعاشة وتعددية عقب ثورة الياسمين، منحى جديدا خيّمت عليه الاعتقالات، والملاحقات القضائية، والاعتداءات، إلى جانب توسع خطابات الكراهية والتشويه والتحريض. ما أفضى حسب تقارير حقوقية ودولية، إلى إنتاج مناخ مشحون بالخوف والرقابة الذاتية، مما يهدد السلامة الجسدية والمهنية للصحافيين والصحافيات بدرجة أولى، وحق المواطنين والمواطنات في النفاذ إلى المعلومة بدرجة ثانية.
الصحافة التونسية تضييق مستمر
فقدت تونس 64 مرتبة في مؤشر حرية الصحافة بعد 2021 لتحتل المرتبة 137 من أصل 180 دولة سنة 2026 حسب تقرير منظمة مراسلون بلا حدود ، فيما صنفت مؤخرا كدولة “حرة جزئيا” (Partly Free) بعد أن كانت تُصنف كدولة “حرة” بالكامل حسب تقرير بيت الحرية .
وتكشف بيانات التقرير السنوي لنقابة الصحفيين التونسيين لعام 2026 عن تواصل التضييق على الصحفيين والصحفيات والمؤسسات الصحفية بشكل عام؛ حيث رصد التقرير أكثر من 154 اعتداء طال الصحفيين والصحفيات. ورغم تراجع معدل الاعتداءات مقارنة بالسنوات الماضية، تؤكد النقابة أن “هذا التراجع لا يعكس بالضرورة تحسنًا، بقدر ما يخفي تحولات في طبيعة الانتهاكات وأشكالها”.
كما أشار التقرير إلى تراجع الحق في النفاذ إلى المعلومة، وتواصل الإجراءات الإدارية المعقدة التي تعرقل طبيعة العمل الصحفي، وتهدد حق المواطنين في الحصول على المعلومة؛ إذ أغلقت غالبية المؤسسات العمومية والجهات الرسمية أبوابها أمام الصحفيين عند طلب المعلومات.
في هذا السياق، يقول رئيس مكتب شمال إفريقيا لمراسلون بلا حدود، أسامة بوعجيلة في تصريح خاص لمنصة “هنّ”: “بيئة العمل الصحفي اليوم باتت ضمن بيئة مؤسسية وسياسية معادية حيث تسجل المنظمة أن السلطات أغلقت في شهر أوت الهيئة الوطنية للإعلام والاتصال، وهي هيئة مستقلة أُحدثت سنة 2016 لضمان الحق في النفاذ إلى المعلومة”.
كما تلاحظ المنظمة أن رئيس الجمهورية لم يستقبل أي صحفي بقصر قرطاج منذ توليه السلطة، رغم احتجاجات النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، فضلًا عن دعواته المتكررة لوسائل الإعلام العمومية للانخراط فيما يسميه “حرب التحرير الوطني”، وهو ما يغذي المخاوف بشأن “استقلالية التحرير.
صحفيون وصحفيات في السجون
حدود التضييق على الصحفيين والصحفيات في تونس، لاتقف عند القوانين والتعطيلات الإدارية بل تتعداها لتتخذ منحى أكثر خطورة، فحسب نقابة الصحفيين، تم تسجيل أكثر من 13 قضية مرفوعة ضد صحفيين وصحفيات إلى من ماي 2025 إلى 3 ماي 2026، وتقول النقابة أن “هذا التوجه يعكس انزياحا خطيرا نحو تجريم العمل الصحفي.
أكتوبر 2021، اعتقلت الصحفية التونسية شذى الحاج مبارك لأول مرة فيما يعرف بـ”قضية إنستالينغو”، على خلفية انتاجاتها الصحفية، ثم أُفرج عنها لاحقا، قبل أن يُعاد اعتقالها مجددا في يوليو 2023. ليُخلى سبيلها بعد تدهور وضعها الصحي ودخولها في إضرابات متكررة عن الطعام.
وفي الأثناء، يقبع اليوم في السجن أربعة صحفيين، هم: برهان بسيس، مراد الزغيدي، زياد الهاني، ومحمد اليوسفي الذي اعتُقل مؤخرا وما يزال رهن الإيقاف، فيما يلاحق آخرون بالسجن، كالصحفية خولة بوكريم والتي حكم عليها بأربع سنوات سجن، والصحفي صاحب منصة “رشمة” هيثم المكي، وهو أيضا يواجه حكما بسنة حبس على أساس الفصل 86 إثر منشور يفضح أوضاع مستشفى الهادي شاكر بصفاقس.
وفي هذا السياق، يقول بوعجيلة، أن المنظمة، “باتت تلاحظ تصاعد اللجوء إلى نصوص جزائية، لا سيما المرسوم عدد 54 ومجلة الاتصالات وتشريع مكافحة الإرهاب، لملاحقة الصحفيين قضائيًا. كما رصدت المنظمة أن اللجوء إلى الفصل 86 من مجلة الاتصالات ضد الصحفيين يشكّل إجراءً غير متناسب يكشف تدهور المناخ الإعلامي”.
حملات تشويه وتحريض
يتعرض عدد من الصحفيين والصحفيات اليوم لحملات تشويه وتحريض وخطاب كراهية من قبل أشخاص وصفحات موالية لنظام قيس سعيد. وتشن هذه الصفحات هجمات متكررة تتضمن مغالطات ونشر أخبار زائفة طالت الإعلام المستقل والصحفيين والصحفيات بشكل خاص، عبر التشكيك في مصادر التمويل، والتحريض على الصحفيين الذين ينتقدون السلطة القائمة.
انتهت مؤخرا إحدى حملات التشويه بإيقاف الصحفي ورئيس تحرير موقع “الكتيبة” المستقل، محمد اليوسفي في السجن، وسبقتها في إطار حملات التضييق على المجتمع المدني إيقاف نشاط كلٌّ مِنْ “نواة”، و”انكفاضة” التابعة لجمعية “الخط”.
السلطات استهدفت أيضا الإعلام الدولي، حيث تم غلق مكتب قناة الجزيرة بتونس 2021، كما تعرض مؤخرا طاقم قناة الجزيرة في تونس إلى المنع من التصوير وتوثيق أزمة الماء.
وتقود خطابات التحريض، التي تصل حدّ النبش في الحياة الخاصة للصحفيين وعرضها على مواقع التواصل، عبر نشر صورهم وصور عائلاتهم وغيرها من التفاصيل الحساسة، إضافة إلى ترويج الأكاذيب والشائعات وتلفيق التهم، إلى توجيه الرأي العام وخلق حالة من العداء وأزمة ثقة تجاه الصحافة والصحفيين والصحفيات في تونس. وهو ما أثبته تعرض الصحفيين والصحفيات مرارا لاعتداءات ميدانية من قبل مواطنين، كالحادثة الأخيرة التي وثقها تقرير النقابة، المتمثلة في الاعتداء على الصحفية خولة بن حسن أثناء أداء مهامها الصحفية من قبل مواطن بشارع الحبيب بورقيبة.
الصحفيات في مرمى الاستهداف
تتخذ حملات التشويه منحى مضاعفا وأكثر خطورة حينما تستهدف الصحفيات النساء، إذ لا يواجهنَ حملات التخوين والتشويه بل يتعداه ذلك إلى التشهير بهنّ ونشر صورهنَّ الخاصة، والطعن في أخلاقهنَّ وكرامتهنَّ الشخصية، لتقويض أدوارهنَّ الفاعلة في الفضاء العام وممارسة ضغط نفسي يُجبرهنّ على الصمت والانسحاب.
وفي هذا الجو الخانق، تتعرض الصحفية ورئيسة موقع “توميديا” الناقد للسلطة، خولة بوكريم لحملات تشويه متكررة تستهدف الطعن في أخلاقها، والقذف والتشهير بها كصحفية وكامرأة. كما كشفت عبر حسابها على منصة “فيسبوك” عن تعرضها للتهديد بالقتل في أكثر من مناسبة، على خلفية نشاطها الصحفي ومواقفها من السلطة الحاكمة.
وفي تصريح خاص لمنصة “هنَّ”، تقول الصحفية وعضو نقابة الصحفيين التونسيين، جيهان اللواتي: “إن الهرسلة المستمرة وحملات التخوين والتشويه المنهجية التي تستهدف الصحفيات والصحفيين على منصات التواصل الاجتماعي والتي أفضت مؤخراً إلى الاحتفاظ بالزميل محمد اليوسفي تمثل تصعيداً خطيراً ومرفوضاً يعكس نوايا واضحة لتجريم حرية الرأي والتعبير وضرب العمل الصحفي، فهذه الممارسات لم تعد مجرد تجاوزات فردية بل تحولت إلى مناخ ترهيبي ممنهج يُديره طابور من المحرضين بغطاء من الإفلات من العقاب بهدف تدجين الأقلام الحرة وكسر شوكة الصحافة المستقلة”.
من جهته يقول بوعجيلة أن “منظمة مراسلون بلا حدود تجدد دعوتها للسلطات التونسية من أجل الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الصحفيين والصحفيات المحتجزين بسبب عملهم الصحفي، إلغاء الأحكام الجزائية الصادرة في إطار المرسوم 54 ومجلة الاتصالات وتشريع الإرهاب ضد الصحفيين، وقف اللجوء إلى القضاء كأداة لتصفية الحسابات مع الأصوات النقدية، وضمان استقلالية الإعلام العمومي وحماية الحق في النفاذ إلى المعلومة”.
في الواقع، تجمع المصادر التي استشارتها منصة “هنَّ”، على أن أزمة الصحافة في تونس هي “أزمة مركبّة”، إذ لا تقتصر تداعياتها على الترهيب الأمني والملاحقات القضائية، حيث يبدو الصحفي أو الصحفية عند ممارسته للمهنة كأنه يسير على حقل من الألغام، بل تتعداها إلى خلق هشاشة اقتصادية ومالية، فتجفيف المنافذ الرسمية للمعلومات دفعت العديد من المؤسسات الإعلامية الى الاستغناء عن عدد من الصحفيين والصحفيات، أو التعامل معهم بصفة “الفريلانس” ما يخلق هشاشة مادية، إضافة إلى التعتيم على المعلومة هو تهديد لجوهر العمل الصحفي وحق المواطن في المعرفة.



















