صباح حامد.. ملاكُ سبتة وملجأُ من عبروا

في التاسعة صباحًا من كل يوم، تفتح صباح حامد باب منزلها في سبتة، كدأبها منذ اليوم الثاني للعبور الجماعي لحوالي 80 ألف مهاجر وطالب لجوء إلى سبتة؛ تحديدًا منذ الـ31 من يوليوز الماضي لم يعد هذا الباب يُغلق إلا لمامًا. 

لا تعرف صباح عدد الذين سيطرقون بابها اليوم، ولا عدد الوجبات التي ستحتاج لإعدادها، ولا كم امرأة أو طفلة ستأتي بحثًا عن مكان آمن، أو قطعة ملابس، أو مستلزمات نسائية، أو مجرد شخص يريدها أن تستمع إليه أو أن يستمع إليها، فصباح تعرف فقط أن الأزمة أكبر من قدرتها، وأن إغلاق الباب ليس خيارًا. 

“أطعمنا أمس أكثر من ألف شخص، واليوم على الأرجح سيكون العدد أكبر”، تقول صباح لمنصة “هنَّ” وهي تقف بين القدور والأواني، في شرفة منزلها، بحي “روساليس” في سبتة.

في الخارج، كانت سبتة تعيش واحدة من أكثر أزماتها اضطرابًا؛ شوارع تموج بشبان أنهكتهم الطريق، وشواطئ تحولت إلى تجمعات مؤقتة بعدما امتلأت بمهاجرين وطالبي لجوء من كل حدب وصوب، وأحياءٌ كاملة وجدت نفسها أمام أعداد تفوق قدرتها على الاستيعاب. لكن وسط هذا المشهد، الذي يغلب عليه الحضور الذكوري، ظهرت شبكة أخرى أقل صخبًا وأكثر هدوءًا؛ مجموعة من النساء اللواتي بدأن في سد الثغرات التي تركتها الأزمة، من الطعام والملابس إلى الاستماع والحماية، وفي قلب هذه المجموعة تقف صباح، التي حولت منزلها إلى مساحة مفتوحة أمام من لا يعرفون إلى أين يذهبون!

لكن صباح لم تصبح امرأة في قلب الأزمة فجأة؛ هذه المرأة هي سيدة أعمال، رقيقة القلب رغم صرامتها، إنسانة رغم ثرائها؛ فقبل أن يتحول منزلها إلى ملجأ، أمضت أكثر من أربعين عامًا وهي تبني حياتها في التجارة والعمل الاجتماعي. 

بدأت قصتها التجارية في تسعينيات القرن الماضي، عندما انتشرت متاجر “كل شيء رخيص”، كانت تسافر إلى مدينة إيبي في أليكانتي، وتشتري الأواني والمواد البلاستيكية، ثم تعود بها إلى سبتة، حيث كانت البضائع تجد طريقها سريعًا إلى المغرب. 

ومع تغير الظروف، تغيرت هي أيضًا؛ سافرت إلى تركيا ومالقة وإيبي، وبحثت عن أسواق جديدة، وعرفت كيف تستفيد من اللحظات التي كانت فيها الحدود في أفضل حالاتها: “كان علينا فتح المستودع يوم الأحد، كنا نفتحه، حتى لو كان الوقت ليلًا لأن الحدود كانت في وضع جيد، كنت دائما هناك. كان علينا أن نبيع”، تتذكر صباح.

اليوم تستقبلنا في بيتها، بينما متجرها في المنطقة الصناعية بـ”تاراخال” مغلق، فالمكان الذي كان يشهد منذ سنوات حركة تجارية مرتبطة بالحدود، صار خاويًا على عروشه، قبل أن يعود للحياة كمأوى مفتوح للمهاجرين المغاربة؛ نساء، وأطفالا وشبابا. 

تبدو صباح، بأناقتها وحضورها القوي، امرأة تعرف جيدًا معنى أن تدير عملًا في مدينة تتغير باستمرار، بالنسبة إليها، لم يكن قدرها أنها ولدت امرأةً عائقًا أمام النجاح، بل على العكس تماما، وتعرف صباح ذلك جيدًا، حيث تقول بابتسامة: “وُلدت قوية”.

وعلى مدى أكثر من أربعة عقود، لم تبنِ عملها التجاري فقط، بل راكمت حضورًا اجتماعيًا جعلها معروفة في المدينة، قبل أربع سنوات، حصلت على جائزة “ماريا دي إيثا”، التي تحمل اسم أول حاكمة لسبتة، تقديرًا لمسيرتها كرائدة أعمال ولنشاطها في المجال الاجتماعي، بعدما كان اسمها قد ارتبط أيضًا بمساعدة النساء ضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي، إضافة إلى مساندة أخريات في طريقهنَّ إلى العمل والاستقلال الاقتصادي.

تقول صباح إن التجارة علمتها شيئًا بسيطًا، عدم التوقف: “بفضل هذا العمل تمكنا من المضي قدمًا، رغم الأزمة ما زلنا نكافح”، وربما لهذا السبب لم يكن غريبًا أن تجد نفسها، في كل أزمة، تتحرك بالطريقة نفسها التي اعتادت أن تتحرك بها في تجارتها؛ ترى الحاجة، وتبحث عن حل. 

خلال جائحة كوفيد-19، ثم خلال أزمة سبتة في ماي 2021، انخرطت في جهود المساعدة والإغاثة، واليوم، مع موجة العبور الجماعي الجديدة، عادت لتلعب نفس الدور، لكن على نطاق أكبر بكثير.

هذه المرة، لم يعد بإمكان صباح أن تفتح متجرها، لكنها فتحت بيتها؛ تحولت الأسرّة إلى أماكن لتخزين المساعدات، وأصبحت الشرفة مساحة للاستحمام، فيما خُصص جزء من المنزل للنساء اللواتي يحتجن إلى الخصوصية. 

في بيت صباح. تتنقل المتطوعات بين الداخل والخارج، يحملن الطعام والملابس، يبحثن عن المستلزمات الصحية، ويستقبلن نساء لا يعرفن إلى أين يتجهن؛ بعضهن وصلن مع أطفالهن، وبعضهن يعشن في الشوارع أو الغابات، وأخريات لا يملكن سوى الملابس التي عبرن بها البحر.

بالنسبة لصباح، المشكلة لا تبدأ عند نقص الطعام، بل قبل ذلك بكثير؛ عند عدم معرفة مكان النساء، إذ توضح لـ”هنَّ” أن “توفير الرعاية لهنَّ لا يكفي، إذا لم يعرف أحد أين هنَّ أصلًا”.

“ليس المطلوب فقط توفير الرعاية لهنَّ، بل العثور عليهنّ أولًا”، هكذا تروي متوثرة، ففي أزمة بهذا الحجم، يمكن أن تصبح الفتيات والمراهقات غير مرئيات بسهولة، خصوصًا عندما يبقين خارج مراكز الإيواء ومنظومة الحماية، وهناك، بعيدًا عن أعين المؤسسات، تصبح مخاطر الاستغلال والاعتداء والاتجار بالبشر أكبر.

هنا، في منزل صباح، لا تُسأل النساء كثيرًا عن قصصهن في البداية؛ بل يسألن عما يحتجنه أولًا، لذلك في هذا المكان يشعرن بالأمان، فهنا تأتي امرأة تحتاج إلى فوط صحية، وأخرى تبحث عن ملابس، وثالثة تريد الاتصال بعائلتها، وأم تبحث عن مكان تنام فيه مع أطفالها. أحيانًا لا تكون هناك حاجة للكلام أصلًا؛ يكفي أن تجلس امرأة إلى جانب امرأة أخرى، وأن تشعر الأخيرة بأن أحدًا يراها.

ومن حول صباح، تشكلت مجموعة من النساء يعرفن المدينة وأحياءها، ويعرف بعضهن بعضًا. نساء من سبتة، كثير منهنّ من أصول جبلية وريفية، يتحدثنَ لغات متعددة، ويملكن شبكات اجتماعية نسجن علاقاتها على مدى سنوات. 

هذه المعرفة المحلية أصبحت في زمن الأزمة موردًا لا يقل أهمية عن الطعام والدواء؛ هنا واحدة تطبخ، وأخرى تترجم، وهناك ثالثة تبحث عن الملابس، وأخرى تتولى إيصال امرأة إلى الطبيب، فيما تتحرك صباح بين الجميع، تنظم المتطوعات، وتتواصل مع من يحتاجون للمساعدة.

وبالنسبة إلى صباح، لا يتعلق الأمر بثقافة أو جنسية بعينها؛ عندما يجد آلاف الأشخاص أنفسهم فجأة في الشوارع، بلا طعام أو مأوى أو معلومات واضحة عن مصيرهم، فإن فراغ السلطة والحماية يمكن أن يفتح الباب أمام الفوضى والاستغلال.

ولهذا ترفض صباح أن تتحول المبادرة المدنية إلى بديل دائم عن الدولة: “نحن نقوم بعمل إنساني، وهذا يفوق طاقتنا، هذا عمل الدولة والأحزاب” تنتقد صباح، قبل أن تضيف أن المؤسسات جعلتهنَّ يشعرن بأنهنَّ متروكات وحدهنَّ. 

ما تقوم به النساء، في نظرها، ليس اختصاصًا يجب أن يتحول إلى عمل تطوعي دائم: “هذا عمل الحكومة، فهي التي يفترض أن تأتي بحل”، لكن المشكلة أن النساء اللواتي يصلن إلى بابها لا يستطعن انتظار الحل السياسي أو الإداري؛ فالجوع لا ينتظر، والخوف لا ينتظر، والطفلة التي تنام في الشارع لا تستطيع أن تنتظر توفر الحلول السياسية.

الأزمة، في الوقت نفسه، بدأت تنزل بثقلها على صباح نفسها؛ المنزل الذي كان فضاءً خاصًا للعائلة أصبح مكانًا يستقبل المهاجرين طوال اليوم، والعمل الذي بدأ بمساعدة بسيطة تحول إلى مسؤولية يومية ثقيلة. ومع ذلك، تستمر فيما تقوم به. فبالنسبة لامرأة بنت مسيرتها على فكرة أن التوقف يعني الخسارة؛ يبدو أن الأزمة الحالية وضعت أمامها المعنى الأكثر قسوة لهذه القاعدة.

حين تتحدث صباح عن النساء، لا تتحدث عنهنَّ بوصفهنَّ ضحايا فقط، هي ترى فيهنّ قوة أيضًا، كما ترى ذلك في نفسها، ولهذا تقول إن النساء “مصدر القوة، وصاحبات البيت، وهنّ من يمنحن الاستقرار، هنّ المناضلات، ورائدات الأعمال، والأمهات العاملات”.

وهي نفسها مثال حي على هذه الصورة؛ امرأة مسلمة، إسبانية من أصول ريفية، سيدة أعمال، وفاعلة اجتماعية، قضت حياتها في بناء استقلالها، ثم وجدت نفسها في لحظة أزمة تستخدم كل ما راكمته من خبرة وعلاقات ومعرفة بالمدينة لمساعدة أشخاص لا تعرفهم.

لا تستطيع صباح أن تحل أزمة الهجرة، ولا أن تحدد مصير آلاف الأشخاص الذين وصلوا إلى سبتة، ولا أن تعيد الموتى إلى عائلاتهم، ولا أن توفر مأوى للجميع؛ لكنها تستطيع أن تفعل ما فعلته طوال حياتها: أن تتحرك حين يكون الانتظار مكلفًا.

في نهاية اليوم، تستمر المدينة في الانتظار على صفيح ساخن، المهاجرون ينتظرون، والنساء ينتظرن، والعائلات تنتظر أخبار أبنائها، فيما تبحث المؤسسات عن مخرج من أزمة لم تعد أرقامها وحدها قادرة على وصفها؛ أما صباح، فهي في منزلها، حيث مازال هناك طعام يجب توزيعه، وامرأة تحتاج إلى المساعدة، وطفل يحتاج إلى مكان آمن.

وغدًا، في التاسعة صباحًا، ستفتح الباب من جديد؛ ليس لأنها تملك حلًا للأزمة، بل لأنها لا تريد أن يجد شخص آخر نفسه أمام باب مغلق.

اقرأ أيضا

  • تراجيديا السودانيات بين نار الحرب ومُعاناة النزوح في ليبيا

    في ظل التصاعد المتواصل لوتيرة الحرب في السودان، وجد آلاف المدنيين أنفسهم مجبرين على الفرار من مدنهم وقراهم، تاركين خلفهم منازلهم ومصادر رزقهم، بحثًا عن الأمان عبر الحدود، غير أن الوصول إلى الأراضي الليبية لم يكن نهاية لمعاناتهم، بل بداية لواقع إنساني أكثر تعقيدًا، حيث اصطدم النازحون السودانيون بظروف معيشية قاسية وتحديات يومية تهدد أبسط…

    إيمان بن عامر|

  • “كان فخا للموت”.. حقائق جديدة في مأساة مليلية

    قبل أقل من أسبوع من الذكرى الثانية لمأساة مليلية، التي أسفرت عن "مقتل 23 شخصا"، حسب الرواية الرسمية للمغرب و"مقتل 27" وفق منظمات حقوقية؛ كانوا يحاولون القفز على السياج الحدودي، كشف تحقيق جديد عن المسؤولية المشتركة بين السلطات الإسبانية والمغربية عن الأحداث. وفي ظل غياب تحقيق مستقل، قامت منظمات غير حكومية، وهي مركز الدفاع عن…

    سعيد المرابط|

  • من مخيم “أمبرة” بموريتانيا.. لاجئة مالية: “رحلة اللجوء صعبة”

    "وصلتُ إلى مخيم أمبرة سنة 2012، أتذكر ذلك اليوم أكثر مما أتذكر غيره.. غادرنا تمبكتو، في الساعة السادسة صباحًا، وصلنا إلى فصالة (بلدة في جنوب شرق موريتانيا على الحدود مع مالي) حوالي الساعة الخامسة بعد الظهر… كان ذلك الصباح الذي غادرت فيه الوطن، هو بداية رحلتي مع اللجوء"، بهذه الكلمات تبدأ اللاجئة المالية بموريتانيا، مريامة…

    Hounna | هنّ|

  • أوروبا تأكل بأفواه دولنا ثوم الهجرة! 

     كان من المفترض، بل من الضروري، أن تقوم الدنيا ولا تقعد في بلداننا المغاربية: موريتانيا، المغرب وتونس، وحتى في ليبيا الممزقة؛ بعد ما كشفه تحقيق مشترك بين ائتلاف "لايت هاوس ريبورت"، ووسائل إعلام دولية مختلفة، لكن صمت القبور طغى على كل صرخات المهاجرين والمهاجرات؛ ضحايا السياسات أوروبية، التي أصبحت تصدر لنا من تحت الطاولات، عبر…

    سعيد المرابط|