“شهامة الرجل” تُثير الجدل.. وزيرة الأسرة الموريتانية تُعوّل على الأخلاق بدل تنفيذ أحكام النفقة 

أثار تصريح وزيرة العمل الاجتماعي والطفولة والأسرة، صفية بنت انتهاه، بشأن تعويل قطاعها على “شهامة الرجل الموريتاني” في دفع النفقة، جدلاً واسعًا وردود فعل متباينة، كان أبرزها ما عبّر عنه الصحفي حنفي ولد الدهاه في تدوينة ناقدة حادة اعتبر فيها أن الوزيرة “اختزلت دور الدولة في كلمة واحدة: الشهامة”.

وقال ولد الدهاه إن الوزيرة فاجأت الرأي العام بتصريحها، الذي ورد خلال حفل تدشين منسقية النفقة، والذي أشارت فيه إلى أن الوزارة تعوّل على مبادرة الرجل الموريتاني بدفع ما عليه من التزامات، تجنبًا لإرهاق الإدارة في تنفيذ الأحكام القضائية.

وأضاف أن هذا التصريح يطرح تساؤلات عميقة حول موقع القانون في بنية الدولة، متسائلًا: “هل أصبحنا في جمهورية فضائل أخلاقية، لا في دولة قانون ومؤسسات؟”، واصفًا التعويل على القيم الأخلاقية النبيلة كبديل عن تنفيذ الأحكام القضائية الملزمة بـ”السذاجة المؤسسية” التي تهدد فلسفة العدالة ذاتها.

وشدد الصحفي على أن إسناد الحق إلى النية الطيبة والرجاء الطوعي، يحوّل الحقوق من مستحقات قانونية إلى هبات شخصية، مما يُضعف سلطة الدولة ويُعرّض كرامة المرأة والطفل للخطر، وهو ما يتناقض – حسب رأيه – مع ما أكدته الوزيرة نفسها حول حرص القطاع على تنفيذ الأحكام القضائية.

وأشار إلى أن هذا التناقض يفتح باب التأويل حول ما إذا كانت هذه السياسة العامة للقطاع، أم مجرد “مجاملة عاطفية” تم تمريرها في مناسبة رسمية، مؤكدًا أن برامج الدولة لا تُبنى على التوسّل للعواطف، بل على ضمان الحقوق.

وأوضح ولد الدهاه أن منسقية النفقة، إن أُريد لها أن تكون فاعلة، يجب أن تُمارس دورها كذراع تنفيذية للقضاء، ترتكز إلى القانون لا إلى الشهامة، محذرًا من أن تتحوّل هذه المنسقية إلى “خدمة طوعية” تعتمد على مزاج المُلزم بالنفقة.

وفي ختام تدوينته، أكد أن “الشهامة”، رغم كونها قيمة محترمة في الثقافة الموريتانية، لا يجب أن تكون بديلاً عن التشريع والتنفيذ، معتبرًا أن الدولة التي تستبدل القانون بالأخلاق تُحوّل أصحاب الحقوق إلى متسولين لما كان يجب أن يكون مضمونًا بأحكام قضائية نافذة.

وختم بالقول: “نحن لا نطلب من الدولة أن تكلنا لأخلاق الناس، بل نريدها فقط أن تُطبّق العدالة”.

جدير بالذكر، أن المرأة في موريتانيا، خصوصًا المطلّقة أو المعيلة، تواجه واقعًا معقدًا في تحصيل حقوقها المرتبطة بالنفقة، وسط قوانين شرعية تُنصفها نظريًا، لكن آليات التنفيذ والمؤازرة تظل ضعيفة عمليًا. 

ويُعدّ التعويل على الأخلاق أو “شهامة الرجل” بدلًا من أدوات الدولة والمؤسسات واحدًا من مظاهر القصور البنيوي الذي لا يزال يعيق العدالة الاجتماعية والإنصاف الأسري.

وفي السنوات الأخيرة، حاولت الحكومة سد بعض الثغرات بإطلاق منسقية النفقة، وهي وحدة إدارية جديدة تُعنى باستقبال طلبات النفقة وتسهيل إجراءاتها، وتوفير المؤازرة الإدارية والقانونية.

ولكن رغم أهمية هذه الخطوة، يرى حقوقيون أن المنسقية لن تحقق فاعليتها إذا لم تُمنح سلطات تنفيذية حقيقية، وميزانية كافية، وأن تكون قادرة على إلزام الممتنعين عن الدفع دون اللجوء إلى التوسّل أو الانتظار.

وتشير تقارير حقوقية محلية إلى أن كثيرًا من النساء، لا سيما المطلقات أو المنفصلات، يعانين من صعوبات مزمنة في تحصيل النفقة، وتضطر بعضهن للاعتماد على أهل الخير أو الجمعيات الخيرية لإعالة أطفالهن.

هذا، ويبقى التحدي الأكبر في قضايا النفقة في موريتانيا هو ذلك التداخل الحاد بين الخطاب القانوني والمؤسسي من جهة، والخطاب الأخلاقي والمجتمعي من جهة أخرى.

وفي غياب أدوات تنفيذ حاسمة، تجد المرأة نفسها عاجزة أمام مماطلة الزوج أو الأب، أو محاصرة بضغوط اجتماعية تسلبها صوتها وحقها.

إن استقرار الأسرة الموريتانية؛ كما أكدت الوزيرة نفسها؛ لن يتحقق إلا بتفعيل القانون، وتحرير المرأة من التبعية العاطفية للمنظومة الأبوية، ومنحها حقًا كاملًا لا انتظارًا طويلًا.

اقرأ أيضا

  • النساء ضحايا حوادث السير بالمغرب.. قصص تكشف معاناة العاملات الزراعيات 

    أعادت حادثة السير المروعة التي وقعت أمس الأحد، على الطريق الرابطة بين أيت بوكماز وأيت بولي، والتي راح ضحيتها عشرة قتلى بينهم طفلة وأغلبهم نساء يشتغلن أستاذات، صور عشرات الحوادث التي تحصد أرواح الأبرياء الذين تمثل النساء السواد الأعظم منهم، بينهن عاملات زراعيات ومواطنات عاديات وأخريات يشتغلن في مهن أخرى. هذه الحوادث التي تتكرر دائما،…

    هاجر الريسوني|

  • رعب في غرف الولادة بموريتانيا: عندما يصبح الطبيب جلادًا

    بين جنبات مستشفيات نواكشوط، المكان الذي من المفترض أن تتلقى فيه النساء الحوامل الرعاية الطبية، والدعم لهن ولأطفالهن حديثي الولادة، تتكشف قصص مرعبة عن سوء المعاملة والإهمال من قبل بعض الممرضات العاملات في قسم الولادة . وبدلا من إظهار الرحمة والدعم  تتعرض عديد النساء للإساءة النفسية والجسدية أحيانًا، كضريبة يدفعنها لقاء الحصول على الرعاية الطبيّة،…

    سلطانة خليفة|

  • اللاإنجابية.. نساء يتمردن على غريزة الأمومة في مواجهة مع المجتمع

    "لا أتصور نفسي صحبة رضيع طوال الوقت، أتكلف بكل تفاصيل يومه، جهد كبير جدا لا أجدني مستعدة له، بل لست على استعداد لأحمل ثقلا لتسعة أشهر، وأشتغل، وأسافر… لدي طموح أكبر من إنجاب أطفال أهديهم حياتي التي بنيتها بعناء، وجهد"، هكذا بدأت أسماء تفسر قرارها في ما بات يعرف بـ"اللاإنجابية"، وهو قرارٌ طوعي بعدم إنجاء…

    سناء كريم|

  •  الزواج السري في موريتانيا| بين أباء جاحدين وسماسرة رابحين: النساء ضحايا تائهات

    تحول الزواج السري خلال السنوات القليلة الماضية، من زواج غير مُعلن إلى ظاهرة مستشرية في موريتانيا، حيث أصبح لهذا الزواج ما يشبه الشبكات المنظمة، لها قيادات ومنسقين وسماسرة؛ منتشرين في عموم البلاد، دون أي اعتبار لما يترتب عليه هذا الزواج من مشكلات اجتماعية ونفسية وقانونية. وكان للزواج السري في موريتانيا، وقع الفضيحة للمرأة بالدرجة الأولى،…

    نور عبدالدائم|

  • الفيديوهات

  • “لم نتوصل بالدعم”..نساء الحوز يكشفن الوجه الآخر لإهمال ضحايا الزلزال

    يبدو أن بلدة مولاي إبراهيم بإقليم الحوز، جنوب مدينة مراكش، لن تتعافى قريبا من تبعات الزلزال الذي بعثر سبل العيش هناك، خاصة أن أغلب سكان البلدة كانوا يعيشون على نشاط السياحة الداخلية التي يجلبها ضريح مولاي إبراهيم، فالتجارة والإيواء وخدمات أخرى توفرها الساكنة، خاصة نسائها، توقفت اليوم بشكل كلي، ولا أمل يلوح في الأفق لعودة…

  • محاكمة عسكرية للمعارضة التونسية شيماء عيسى

    لم تغلق المحكمة العسكرية بعد، ملف محاكمة شيماء عيسى، المعارضة التونسية والقيادية في جبهة الخلاص الوطني، فقد تم تأجيل جلسة، محاكمتها إلى 10 أكتوبر، القادم.