كان يركض وسط الحشود في حي من أحياء مرسيليا الفرنسية، يحمل سكيناً ملطخة بالدماء، وأخرى تسيل من وجهه وعلى رقبته. صرخاته الهستيرية ووجهه الذي يرمي بشرر الغضب، والفوضى كانت تعكس حالة من الضياع والتشتت. بدا وكأنه يحاول النجاة أو السيطرة على الوضع لكن في لحظات حاسمة، رأت فيه الشرطة تهديداً كبيراً يجب إيقافه فوراً. لم يمنحوه فرصة للتفاوض أو الكلام أو التبرير. أُطلقت عليه النار، وسقط قتيلاً على الفور.
هكذا قتل، عبد القادر الذيبي المهاجر التونسي، البالغ من العمر 35 سنة، ابن منطقة الدشرة، التابعة لولاية القصرين التونسية؛ منطقة مهمشة، يعاني أهاليها الفقر والبطالة والظلم الاجتماعي والاقتصادي.
يعمل عبد القادر الذيبي جزارًا في مسلخ قريب من الفندق الذي استقر فيه مؤخرًا، والذي يديره ثلاثة أشقاء تونسيين. يقع الفندق في شارع مشبوه، ولكنه كان يوفر له سكنًا زهيد الثمن، مما يشير إلى أن الشاب كان يواجه صعوبات في إيجاد مأوى مستقر.
انتشر الفيديو كالنار في الهشيم، وتداولته وسائل إعلام محلية وأجنبية ورواد مواقع التواصل الاجتماعي، العائلة سمعت بمقتل ابنها مثل الجميع، عبر شاشة التلفزيون حسب رواية سجرة الذيبي شقيقة الضحية في تصريحها لمنصة “هنَّ”.
“قتله كسر قلوبنا”
“اكتشفنا مقتل شقيقنا مثل الجميع، خلال مشاهدتنا الفيديو المتداول على شاشة التلفزيون بإحدى القنوات، كانت لحظة صادمة، وأمي أُصيبت بانخفاض حاد في الضغط، ونُقلت على إثره إلى المستشفى. الآن والدتي مرهقة، ما تزال تعاني من أثار الصدمة ولا يمكنها الحديث كثيرًا’’ .
في روايتها لـ”هنّ”، تؤكد سجرة أن شقيقها عبد القادر الذيبي تعرّض لعنف شديد قبل أن يُقتل على يد البوليس الفرنسي، “نطالب بتحقيق عاجل، عادل، ومنصف في قضية مقتله”، تضيف الشقيقة المفجوعة.
“عبد القادر كان شخصًا ملتزمًا ومعروفًا بأخلاقه الطيبة، والاعتداء عليه بهذه الطريقة المهينة والمؤلمة أمام الجميع وتداول لحظة قتله هو ما كسر قلوبنا” تتابع سجرة.
“نحن نشكك في جميع الروايات المتداولة، خاصة بعد رفض صاحب النُّزل تقديم تسجيلات الكاميرات التي توثق الحادثة منذ بدايتها، وهذا يثير احتمالات كثيرة أو ربما كمين مدبر”، تقول، وتضيف “نثق في عدالة القضاء، ونطالب بفتح تحقيق جاد يكشف كل تفاصيل الجريمة ويُحاسب كل من تورط فيها”.
الرواية الفرنسية تبرر قتل عبد القادر
أثارت الحادثة ردود فعل غاضبة في تونس، حيث استدعت وزارة الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، القائم بأعمال سفارة فرنسا بتونس، وأبلغته احتجاجا شديد اللهجة على إثر قتل المواطن التونسي عبد القادر الذيبي بمرسيليا، وأوردت الوزارة في بلاغ رسمي، أن حادثة القتل “غير مبررة”.
أثار استدعاء الخارجية التونسية السفير الفرنسي موجة غضب لدى الإعلام الفرنسي، الذي اعتبر مقتل عبد القادر الذيبي مبررًا. واستند الإعلام في تبريره إلى “السجل الإجرامي للضحية وتصرفاته العدوانية”، مقدمًا شهادة لزوجته الفرنسية السابقة، زعمت فيها “تعرضها للاعتداء منه في عدة مناسبات”.
فيما اعتبر الصحفي الفرنسي إيريك نولو في برنامج Punchline أن رد الخارجية التونسية “غير دبلوماسي”. وبرر نولو قرار الشرطة بقتل عبد القادر الذيبي بكونه “كان يمثل خطراً على الحشود التي كان يتواجد وسطها ولم يكن من الممكن السيطرة على الوضع بسهولة”.
كما وصفت وسائل الإعلام الفرنسية الرد التونسي بـ”المهين” و”المتجاوز للأعراف الدبلوماسية”، مشيرة إلى أنه “لم يأخذ بعين الاعتبار عمق العلاقات بين البلدين”.
واعتبرت أن هذا الموقف التونسي يعكس “عدوى” انتشرت في عدة بلدان، في مقابل “الصمت الفرنسي” الذي شمل حتى مواقف دول مثل الجزائر.
عمادة المحامين تتولى التحقيق في القضية
في تصريح خاص لمنصة “هنَّ”، أفاد عميد المحامين التونسيين حاتم المزيو عن تكفل 3 محامين ممثلين عن العمادة مقيمين بفرنسا بالقضية، وأنه قد تم التواصل مع العائلة والحصول على موافقتها، “ننتظر تفاعل وتجاوب إيجابي من السلطات الفرنسية في هاته القضية”.
وأشار مزيو إلى أنه “تم فتح قضيتين، قضية تتعلق بالشرطة أثناء عملية القتل، وقضية تتعلق بالتحقيق فيما قبل الجريمة؛ تخص الإعتداءات والمناوشات داخل النزل التي ما تزال غامضة”.
ويرى مزيو أنه حسب المعاينة الأولية للحادثة من خلال الفيديو المتداول أن هاته الجريمة “جريمة حق عام تم سلب فيها الحق في الحياة من الشاب التونسي عبد القادر الذيبي، بأبشع طريقة أمام ناظر الجميع، وهو ما يتعارض مع القوانين والاتفاقيات الدولية”.
وأشار إلى أن “التعامل الأمني وتدخله في حالات مثل الواقعة يخضع لشروط وتدرج وليس قتل بدم بارد بتلك السرعة”.
وشدد مزيو على أن الجريمة والأحداث الواقعة “عكست تمييزا واضحًا تجاه الضحية، خاصة فيما يتعلق بردود فعل الإعلام الفرنسي وطريقة تبريرها للواقعة”.



















