حين أعلنت الأمم المتحدة أنّ النساء سيشغلنَ ما لا يقل عن 35 بالمائة من مقاعد الحوار السياسي المهيكل، بدأ الرقم في ظاهره خطوة متقدّمة في مسار توسيع حضور النساء داخل عملية سياسية معقّدة وممتدّة في ليبيا. لكن في جلسات الحوار، ليست النسبة هي ما يهيمن على الأجواء، بقدر ما يُهيمن الاستعلاء الذكوري والثقافة الأبوية على الأجواء.
في هذا التقرير نتتبّع تجارب النساء السياسيات في ليبيا، أمام الهيمنة الذكورية، ومسار مقاومتهنّ لكلّ أشكال الإقصاء ومحاولة انتزاع مكانتهنّ في المشهد السياسي ومواقع القرار الكُبرى.
كواليس جلسة حوار
“إنّ النقاش الذي كان يفترض أن يدور حول قضايا سياسية انتهى إلى لحظة توتّر حادة رافقتها عبارات مسيئة وتهديدات مباشرة داخل القاعة من قبل أحد الزملاء في الحوار”، بهذه الكلمات تبدأ عضو الحوار المهيكل جيهان مطاوع سرد تجربتها لمنصة “هنَّ”.
في تلك اللحظة، طرأ في بالها سؤال حادّ، ما الذي يحدث عندما يصبح وجود النساء أنفسهنّ داخل النقاش موضع صدام؟ فغادرت مطاوع الجلسة، لكن أثرها لم يتوقّف عند حدود القاعة، إذ تقول أنّ ما حدث أعاد فتح سؤال أوسع حول طبيعة المشاركة السياسية للنساء في ليبيا، وحول ما إذا كان الحضور داخل هذه المساحات يعني فعلاً القدرة على التأثير، أم أنّه يظل محكوماً بحدود أضيق من ذلك؟
وبحسب مطاوع، فإنّ هذا السؤال لا يخصّ تجربة واحدة، بل يتكرّر داخل المشهد السياسي الليبي لدى نساء كثيرات يعملن داخل الحوارات السياسية والمؤسسات العامة والمجال المدني، في سياق تتقاطع فيه الأرقام الرسمية مع تجارب يومية أكثر تعقيدًا.
تصف مطاوع المشهد داخل بعض المساحات السياسية بأنّه لا يمنح النساء دائمًا إحساسًا بالأمان في التعبير، وتقول: “العديد من النساء يتعاملن مع النقاشات العامة بحذر متزايد. إذ تبقى مساحة التعبير -رغم وجود أطر داعمة للمشاركة- في الواقع مشروطة بسياقات اجتماعية وسياسية تجعل بعض الأصوات أكثر عرضة للتقييد أو التحفّظ”.
وتشير إلى أنّ “النساء اللواتي يمتلكن مواقف واضحة أو مستقلة يواجهن في كثير من الأحيان مستويات أعلى من الضغط والنقد والتشويه مقارنة بالرجال، وهو ما لا يرتبط فقط بالموقف السياسي نفسه، بل بكيفية استقبال هذا الموقف داخل بيئة لا تزال تحمل، في بعض جوانبها، طابعًا ذكوريًا في بنية النقاش”.
تتوقّف مطاوع عند تجربتها الشخصية، مؤكّدة بأنّها تعرّضت لحملات استهداف عبر منصّات التواصل الاجتماعي، رافقتها محاولات ترهيب وتشويه مرتبطة بمواقفها السياسية. واصفة التجربة بأنّها ليست استثناءً، بل جزء من نمط أوسع يطال نساء شابات داخل المجال العام، حيث تُصبح المشاركة السياسية نفسها مصدرًا للضغط بدل أن تكون مساحة للتأثير.
وتشير إلى أنّ هذه الضغوط لا تبقى في إطارها الفردي، بل تمتدّ إلى طبيعة المشاركة السياسية ككل، إذ إنّ تراجع مساحة الأمان داخل النقاش العام يؤدّي، بحسب قولها، إلى تراجع قدرة النساء على المشاركة الفاعلة، حتى عندما يكنّ حاضرات عدديًا داخل المؤسسات.
في ظل هذا السياق، ترى مطاوع أنّ الحديث عن تمكين النساء لا يُمكن فصله عن طبيعة البيئة السياسية نفسها، معتبرة أنّ أي شراكة سياسية حقيقية تحتاج إلى قواعد واضحة تحكم النقاش العام وتحدّ من ممارسات الترهيب أو الإقصاء.
تقف مطاوع عند الفجوة بين الخطاب الداعم لتمكين النساء وبين الواقع العملي التي مازالت قائمة، وذلك، ليس فيما يتعلّق بالنساء، بل بالشباب الذين لا تحظى مساهماتهم، بحسب قولها، بالاستماع الكافي رغم ما يمتلكونه من كفاءة ورؤية.
وترى أنّه رغم التحوّلات النسبية في حضور النساء داخل المشهد السياسي، إلاّ أنّ بعض المساحات ما زالت تتعامل مع هذا الحضور بوصفه وجودًا شكليًا أكثر من كونه شراكة في صناعة القرار.
في المقابل، تُشير إلى أنّ تجربتها داخل حزب الجبهة الوطنية كانت مختلفة، حيث وجدت مساحة دعم ومشاركة ساعدتها على تطوير أدواتها السياسية، معتبرة أنّ البيئة الحزبية يُمكن أن تلعب دورًا حاسمًا في تحويل المشاركة من حضور إلى تأثير. وتختصر مطاوع رؤيتها لمستقبل المشاركة السياسية للنساء في ليبيا في ضرورة الانتقال من منطق الحضور العددي إلى منطق الحماية والتأثير، حيث تُصبح المشاركة مرتبطة بقدرة فعلية على التعبير وصناعة القرار داخل بيئة آمنة.
تختم مطاوع سرد تجربتها برسالة إلى النساء الليبيات، مؤكّدة على أنّ المشاركة السياسية رغم ما تحمله من تحديات تبقى مسارًا ضروريًا لا يمكن التراجع عنه، وأنّ الحضور في المجال العام ليس لحظة مؤقّتة بل امتدادا لمسار طويل من التراكم والنضال.
ذلك أنّ، الاستمرار في هذا المسار-رغم الصعوبات- هو ما يمنح المشاركة معناها الحقيقي، ويجعلها أكثر من مجرد وجود داخل القاعات، بل قدرة على التأثير داخلها.
البُعد الزمني….تجارب ممتدّة وصراع الأنماط التقليدية
لا ترتبط التحدّيات بالمسار السياسي الحالي فقط، إبل تمتدّ جذورها إلى المراحل الأولى من التجربة السياسية الليبية بعد سنة 2011. في امتداد لسياق تاريخي واكب مساعي التمكين السياسي النسائي في بيئة محمّلة بالانقسامات.
تستعيد النائبة السابقة في المؤتمر الوطني العام والناشطة السياسية، نادية الراشد ، ملامح تلك المرحلة المبكّرة بوصفها تجربة واكبت ظروف الانتقال السياسي الصعب وتحديات بناء مؤسسات الدولة من نقطة الصفر. وتصف الراشد انتخابات سنة 2012 بأنّها شكّلت منعطفاً كبيراً داخل المشهد الليبي؛ حيث مثّل وجود 39 امرأة داخل المؤتمر الوطني العام تجربة رائدة في بيئة سياسية تفتقر إلى الاستقرار والتجربة الديمقراطية المؤسّسية، خضن خلالها نقاشات يومية حادّة لإثبات قدراتهن على المشاركة في صناعة القرار وفرض حضور سياسي في ملفات سيادية وتشريعية معقّدة.
وتوضّح الراشد أنّها واجهت شخصياً، رفقة زميلاتها، محاولات مستمرّة للإقصاء والتقليل من أهليتهن للعمل السياسي من قبل بعض الشخصيات والتيارات، إلى جانب نظرة اجتماعية عامّة تتعامل مع النساء بعقلية تقليدية تحصر دور القيادة في الرجال. كما تشير إلى تعرّضها لضغوط سياسية وأمنية مباشرة بسبب مواقفها الثابتة من بعض القرارات الخلافية الكبرى، ومن بينها “قانون العزل السياسي” والملفات الأمنية الساخنة داخل المؤتمر الوطني العام، معتبرة أنّ تمسّك النساء بمواقف مستقلة وخارجة عن الاصطفافات التقليدية يضعهن في مواجهة مباشرة مع حملات الضغط والتشويه.
وبالعودة إلى النقاشات الحالية المتعلّقة بنسب التمثيل، تبيّن الراشد أنّ “معركة الكوتا” (المحاصصة) كشفت حجم المقاومة المنهجية لقَبول النساء كشريكات معترف بهن، لاسيما بعد الاعتراضات السياسية والاجتماعية التي واجهت محاولات رفع نسب تمثيل النساء داخل الأجسام التأسيسية والتشريعية، ممّا يجعلهنّ يتحمّلن كلفة مضاعفة نتيجة تداخل تعقيدات الصراع السياسي مع الأنماط الثقافية التقليدية.
كما تُفيد الراشد، بأنّ الحضور النسائي جرى اختزاله في أحيان كثيرة ليصبح رمزياً من خلال استدعاء شخصيات نسائية لملء المحاصصات دون منحهن مساحة حقيقية للتأثير في القرار، ممّا دفع بعض الكفاءات النسائية القادرة إلى الابتعاد عن المناصب السياسية لغياب الاستقرار والضمانات الحقيقية، داعية الليبيات إلى التركيز على بناء وعي مجتمعي قاعدي وتوسيع حضورهن في مختلف مجالات الحياة العامّة استناداً إلى الخبرة والمعرفة التخصّصية.
الوعود الدولية والمحدّدات الهيكلية للمشاركة
ينطلق البحث في هذه التساؤلات من رصد المسارات الرسمية الأخيرة؛ إذ ترتبط إشكالية التمثيل الحقيقي بالآليات التي تضعها الأطراف الدولية والمحلية المشرفة على العملية السياسية. وفي هذا السياق، تشهد الجهود الدولية الداعمة للمسار السياسي في ليبيا تحرّكات متسارعة لتعزيز حضور النساء في عمليات الحوار وصنع القرار، تماشياً مع التوجّهات الأممية الرامية لرفع نسب تمثيل الفئات التي واجهت تهميشاً تاريخياً في بيئات النزاع.
وفي إطار هذه التحركات، رعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL) مسار مشاورات موسّعاً شمل طيفاً واسعاً من النساء الليبيات، لاستطلاع رؤيتهن ومقترحاتهن ضمن مسارات ركزت على ملفات جوهرية تشمل الحوكمة، الاقتصاد، الأمن، المصالحة الوطنية، وحقوق الإنسان. وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن البعثة الأممية، استوعبت تلك اللقاءات نحو مائة امرأة من داخل ليبيا وخارجها، من بينهن شابات ونساء من ذوات الإعاقة، إلى جانب مشاركات يُمثّلن مناطق جغرافية مختلفة تعاني تحديات اقتصادية واجتماعية متباينة.
وقد عُقدت هذه اللقاءات بصيغ حضرية وافتراضية مرنة بهدف تذليل العوائق الجغرافية والأمنية، وإتاحة الفرصة للمشاركات لتقديم تصوراتهن حول مستقبل المشاركة السياسية وتحديد الأولويات الوطنية المقترح إدراجها ضمن الحوار الليبي، تفعيلاً لمبدأ الشراكة في إدارة الشأن العام. وبناءً على مخرجات تلك اللقاءات المشتركة، صِيغ “ميثاق المرأة الليبية” الذي أعلنت بناءً عليه الممثّلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن الدولي، أنّ النساء سيشكّلن ما لا يقلّ عن 35% من أعضاء “الحوار السياسي المُهيكل”، في إجراء استهدف الانتقال بالمشاركة النسائية من الأطر الرمزية إلى موقع الشراكة الفعلية في صنع القرار، وضمان وصول القضايا التي تهم النساء إلى طاولة التفاوض، بما يشمل الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية ومطالب الحماية القانونية.
وفي مقابل هذه الإجراءات الحسابية، لم تغفل الإحاطة الأممية الإشارة إلى وجود عوائق هيكلية عميقة تواجه المشاركة الكاملة للنساء في الحياة السياسية؛ حيث أوضحت الممثلة الأممية أنّ هذه التحديات تتداخل فيها العوامل القانونية بالأبعاد الأمنية والثقافية، مؤكّدة أنّ التعامل مع هذه العقبات يتطلّب إرادة سياسية محلية صارمة إلى جانب التزام دولي مستمر بتوفير الضمانات والآليات الداعمة. ومع تشكيل “الحوار السياسي المُهيكل” وانطلاق جلساته فعلياً على الأرض، ينتقل هذا المستهدف الأممي المتمثّل في نسبة الـ 35% إلى محكمة العملي الأول داخل قاعات النقاش.
فرض الشراكة وآليات المناورة السياسية
تبرز من داخل مسارات الحوار الجارية أمام التحليلات التي تركز على الطبيعة الطاردة للبيئة السياسية الحالية، قراءات أخرى ترى في آليات التنظيم الحالية فرصة سانحة للانتقال من مرحلة إثبات الوجود والاعتراف القانوني إلى مرحلة فرض الشراكة السياسية كأمر واقع.
في هذا الصدد، تُقدّم عضوة الحوار المهيكل حواء زيد، قراءة مغايرة تُشير فيها إلى أنّ مشاركة النساء لم تعُد مجرّد تلبية لمتطلّبات الصورة الدولية أو الحضور الرمزي، بل تتّجه تدريجياً نحو بناء دور أكثر تنظيماً وتأثيراً داخل مسارات الحوار القائمة وصناعة القرار.
تصف زايد مشاركة النساء داخل الحوار المهيكل الحالي بأنّها “مشاركة فاعلة وبنّاءة”، تهدف بالدرجة الأولى لتهيئة بيئة سياسية أكثر أماناً وضمان تمثيل عادل ومستدام في مرحلة ما بعد الاستقرار السياسي، مشروطة بوجود ضمانات قانونية دستورية واضحة تشمل التطبيق الصارم لنظام الكوتا وتنفيذ المخرجات المتّفق عليها، معتبرة أنّ الأدوار السياسية للنساء تقوم على فكرة التكامل البنيوي لا المنافسة الصفرية مع الرجال.
وبحسب زايد، فإنّ النقاشات داخل مسار الحوار الحالي لم تشهد تمييزاً علنياً أو مباشراً في آليات طرح الآراء وتداولها، لكنّها تلفت في الوقت ذاته إلى أنّ بعض النساء يدخلن الجلسات وهنّ محمّلات بعبء نفسي حيث يشعرهن بالحاجة إلى الدفاع عن حقوقهن في الكلام والمشاركة أولاً، نتيجة الإرث الاجتماعي التقليدي الذي يربط صناعة القرار الاستراتيجي بالرجال.
تؤكّد زايد أنّ هذا الواقع بدأ يشهد تحوّلاً تدريجياً مع استمرار الممارسة والاشتباك السياسي اليومي؛ حيث انتقلت النساء “من مرحلة الدفاع عن الوجود والشرعية إلى مرحلة فرض الشراكة في النقاش وصناعة القرار”. وتحدّد التحدّي الأساسي في حدود المساحة الممنوحة للتأثير الفعلي في المخرجات النهائية، مشيرة إلى أنّ النساء صاحبات المواقف المستقلة والخطاب النقدي يواجهن ضغوطاً غير مباشرة تشمل التهميش والتشكيك في دوافعهن، حيث يُنظر للنساء المستقلاّت كعناصر “مزعجة” تعوق التوافقات الجاهزة بدل التعامل معهن كشريكات طبيعيات في صياغة الحلول.
وتوضّح أنّ المجموعات النسائية تعمل حالياً على تقليص الفجوة بين الخطاب الدولي والتطبيق المحلي عبر المطالبة بنسبة كوتا لا تقل عن 35% لتضمينها بشكل ملزم في المخرجات الدستورية النهائية، مؤكّدة أنّ بناء البيئة الآمنة يتطلّب حماية سياسية واجتماعية مشتركة وتعاملاً مع المشاركة كحق مواطنة أصيل، موجّهة رسالتها لليبيات بكلمة واحدة حاسمة: “انطلقي”.
العمل العام والقواعد المحلية..الطموح والواقع الاجتماعي
لا يتوقّف تجاوز العوائق السياسية عند حدود الأجسام التشريعية المركزية وحوارات النخبة في العواصم، إذ يمتدّ ليشكّل تحدّياً مباشراً على مستوى القواعد المحلية والمجالس البلدية، حيث تتشابك الحسابات الاجتماعية والعائلية المعقّدة مع الطموح السياسي الميداني.
تكشف تجربة الناشطة والمترشّحة السابقة للبرلمان والمجلس البلدي، زمزم أحمد، هذا الجانب الميداني؛ حيث تداخل طموحها الشخصي في تمثيل منطقتها مع تعقيدات الواقع الاجتماعي والانقسام السياسي الذي ألقى بظلاله على المواعيد الانتخابية. وتوضّح زمزم أنّها بدأت الاستعداد الفعلي والترتيب لخوض انتخابات مجلس النواب سنة 2018، إلاّ أنّ تأجيل الانتخابات المتكرّر بسبب الصراعات السياسية والأمنية أبقى التجربة معلّقة لسنوات طويلة.
وخلال هذه الرحلة المستمرّة، واجهت زمزم في البداية رفضاً قاطعاً من محيطها العائلي لفكرة الترشّح ودخول السلك السياسي، وهو موقف تبيّنت لاحقاً وبمرور الوقت أنّه لم يكن ناتجاً عن رغبة في مصادرة طموحها، بل كان يعكس قراءة واقعية ومخاوف حقيقية من العائلة لحجم التحدّيات والضغوط والتشهير التي تواجه النساء عند انخراطهن في المجال العام.
كلّ هذه المرحلة الانتقالية والعوائق الاجتماعية، دفعت زمزم إلى تغيير استراتيجيتها؛ حيث ركّزت جهودها على تطوير كفاءتها المهنية وبناء حضور مجتمعي وتنموي قوي بعيداً عن الصراع السياسي المباشر. هذا الحضور الميداني، ساعدها على بناء شبكة ثقة محلية صلبة انعكست إيجاباً على قرارها الحالي بالترشّح للمجلس البلدي، بعد أن تحوّل موقف عائلتها ومحيطها من الرفض والتخوّف إلى الدعم والمساندة الكاملة. مؤكّدة من واقع تجربتها أنّ قيمة المشاركة السياسية للنساء لا تُقاس بمجرّد الظهور في القوائم، بل بالقدرة على تحويل هذا الحضور إلى تأثير ملموس يمسّ الاحتياجات اليومية والتنموية للمواطنين والمواطنات على المستوى المحلّي.
التوظيف الرمزي وإشكالية “العنف الناعم”
يفتح التداخل بين القيود الاجتماعية والآليات الحزبية الباب أمام قراءات نقدية تفكّك طبيعة الحضور النسائي داخل الهياكل الحزبية القائمة، وسط تحذيرات حقوقية متزايدة من تحويل الكوتا والنسب القانونية إلى أداة لتقديم صورة شكلية تفتقر للصلاحيات السيادية والتنفيذية الفعلية.
وفي هذا الإطار، ترى المهندسة منال كامل، مستشارة المرأة لرئيس حزب ليبيا الكرامة، والمترشّحة السابقة لانتخابات المجلس البلدي في بنغازي، أنّ الأزمة الحقيقية تكمن في تشجيع النساء على “الظهور الإعلامي والمؤسّسي أكثر من تمكينهن من أدوات التأثير الحقيقي وصناعة القرار داخل المطابخ السياسية.
تُشير كامل إلى أنّ حضور النساء داخل بعض المؤسّسات الحكومية والقوائم الحزبية يُستخدم في أحيان كثيرة كأداة تسويقية لتقديم صورة نموذجية عن التنوع والتوازن أمام المجتمع الدولي والمنظّمات المانحة لانتزاع الشرعية، في حين تُستبعد النساء بشكل ممنهج من المساحات المغلقة المتعلّقة بصياغة الاستراتيجيات، عقد التحالفات، أو إدارة النفوذ المالي والحزبي، ويُدعَين فقط لملء المقاعد الشاغرة استكمالا للشروط القانونية؛ ممّا يفسّر في نظرها تراجع الحماس وضعف نسب ترشّح النساء مقارنة بالرجال.
وتربط كامل انسحاب بعض الكفاءات النسائية من المشهد بطبيعة البيئة السياسية الطاردة، والتي تضعهن في مواجهة ضغوط مركّبة تشمل العقلية الذكورية المهيمنة داخل المؤسسات، القيود العائلية الصارمة، والمحدودية الكبيرة في الموارد المالية والتمويلية اللازمة لإدارة الحملات الانتخابية مقارنة بنظرائهن من الرجال.
كما تصف العنف السياسي الموجّه ضدّ النساء في الوقت الحالي بأنّه يتّخذ شكلاً “ناعماً” وخفياً لكنّه شديد التدمير، ويتمثّل في حملات التشويه الممنهجة والطعن في الذمة والسمعة الشخصية عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ الأمر الذي يجبر النساء على فرض “مراقبة ذاتية” صارمة وحذرة على مواقفهن السياسية، تصريحاتهن، وحتى طريقة ظهورهن الاجتماعي خوفاً من الهجوم الارتدادي.
وتُضيف كامل أنّ بعض القوى والكيانات السياسية تفضّل عمداً تقديم نماذج نسائية أقلّ صداماً وأكثر قابليّة للتوجيه والامتثال، مما يدفع كفاءات علمية ومهنية رصينة للابتعاد كلياً عن المستنقع السياسي نحو مجالات العمل الأكاديمي أو القطاع الخاص، مؤكّدة أنّ المشاركة الحقيقية تتطلّب امتلاك سلطة القرار التنفيذي لا مجرّد شغل مقاعد منتخبة منزوعة الصلاحية.
الفجوة البنيوية.. الوجود مقابل النفوذ
تلتقي رؤى منظمات المجتمع المدني والاتحادات النسائية التي تتابع عن قرب برامج التمكين السياسي حول فكرة مفادها أنّ الانتقادات تتركّز فقط على اعتماد “معيار الأرقام والنسب المئوية” كأداة وحيدة ومعيار حصري لتقييم نجاح أو فشل المشاركة السياسية للنساء الليبيات.
في هذا الصدد، تُؤكّد المديرة التنفيذية للاتحاد النسائي حفصة عبد الحميد، أنّ مشاركة النساء في ليبيا ما تزال في كثير من الحالات والمؤسّسات أقرب إلى الحضور الشكلي والإجرائي؛ موضحّة أنّ وجود النساء داخل الهياكل الحكومية، اللجان الفنية، والمؤسسات المدنية لا يعني بالضرورة امتلاكهن لصلاحيات حقيقية تُتيح لهنّ اتّخاذ القرار بحرية واستقلالية كاملة بعيداً عن الإملاءات الفوقية.
وتُحدّد عبد الحميد جوهر الأزمة في الفجوة البنيوية بين “الوجود الفيزيائي للنساء” و”النفوذ السياسي الفعلي”، إذ تُمنح النساء في كثير من الأحيان مواقع ومناصب قيادية ذات طابع استشاري أو بروتوكولي دون تمكينهن من صلاحيات مالية أو إدارية حقيقية أو دعم مؤسّسي يحمي قراراتهن. وتلفت الانتباه إلى خطورة دفع بعض النساء إلى الواجهة السياسية لمجرد إظهار صورة التمثيل المتوازن دون مراعاة معايير الكفاءة، الخبرة، والخلفية السياسية بشكل كافٍ؛ ممّا يؤدّي في النهاية إلى إنتاج تجارب ضعيفة تُستغل لتعميم التشكيك في قدرات وأهلية النساء عموماً، بدل تقييم كل تجربة نسائية بشكل مستقل بناءً على ظروفها وصلاحياتها.
تربط عبد الحميد هذا الواقع المعقّد بضعف المظلّة السياسية الحامية وغياب المساحات الآمنة للعمل، لافتة إلى أنّ النساء الصريحات اللواتي تتبنّين خطاباً نقدياً قاطعاً داخل المجال السياسي تُعاملن بصرامة وحدّة أكبر بكثير مقارنة بالرجال؛ حيث يجري التركيز من قبل الخصوم والمجتمع على حيواتهنّ الشخصية، أساليبهن، ومظهرن أكثر من التركيز على أفكارهن، أطروحاتهن السياسية، وكفاءتهن المهنية. وتؤكّد المديرة التنفيذية للاتّحاد النسائي أنّ الانتقال الفعلي نحو مربّع المشاركة الحقيقية يتطلّب مراجعة جذرية للخطاب الحقوقي والسياسي الحالي الذي يركّز على الأرقام الصماء وحدها، والعمل بدلاً من ذلك على صياغة تشريعات تضمن منح صلاحيات فعلية، وفتح المجال للتقدّم على أساس الكفاءة والخبرة، مع توفير دعم قانوني ومؤسّسي يحمي استقلالية النساء ويقربّهن من القواعد الشعبية والدوائر الانتخابية الحقيقية.
خارطة طريق نحو الشراكة الفعلية
تتّفق شهادات المشاركات في الشأن العام وقراءات الفاعلات الحزبيات والمدنيات على أنّ تجاوز إخفاقات المراحل الانتقالية السابقة يتطلّب الانتقال الحاسم والسريع من مربّع الوعود المكتوبة والمواثيق الشفهية إلى مربع الآليات التنفيذية والتشريعية الملزمة. وفي ضوء جلسات الحوار المُهيكل المنعقدة حالياً، ركّزت المجموعات النسائية والمنظمات الحقوقية جهودها على صياغة حزمة مطالب إصلاحية ملحّة تُطرح كشروط أساسية وغير قابلة للتفاوض لتشكيل أيّ مشهد سياسي أو دستوري مستقبلي في البلاد، تمثّلت في:
إنشاء آليات رقابية مستقلّة: التأسيس لجسم رقابي مستقل يتولّى متابعة تنفيذ مخرجات الحوار السياسي والالتزامات الخاصّة بحصص التمثيل النسائي في سائر مؤسّسات الدولة، وربطها بجداول زمنية واضحة ومؤشّرات أداء لضمان استدامة الإصلاحات وتجنّب الالتفاف عليها.
واستكمال وتأمين المسار الدستوري: تفعيل وإنجاز المسار الدستوري كمدخل رئيسي وثابت لترسيخ الحقوق والحريات العامّة، وضمان دسترة كوتا واضحة وملزمة لا تقلّ عن 35% للنساء في كافة الأجسام التشريعية والتنفيذية والمناصب السيادية في الدولة الليبية القادمة.
بالاضافة إلى تفعيل مدوّنات سلوك صارمة ومسؤولة: إنشاء آليات مساءلة قانونية وإدارية واضحة داخل المجالس النيابية والحوارات السياسية للتعامل الجاد والفوري مع الانتهاكات، والتصدّي الحازم لأيّ ممارسات عنف لفظي، تمييز، أو ترهيب معنوي وأمني تتعرّض له النساء أثناء ممارستهن للعمل العام.
وأيضا توفير الحماية التشريعية والأمنية المركّبة: سدّ الفراغ القانوني الحالي عبر إصدار تشريعات جنائية حاسمة تجرّم العنف السياسي الموجّه والاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي، بما يضمن حماية الناشطات والمترشّحات والسياسيات، ويوفّر لهن بيئة عمل آمنة تضمن ممارسة حقوقهن الدستورية بحريّة واستقلالية كاملة.
يُظهر المشهد السياسي الليبي تبايناً في التقييم بين المسارات التشريعية والممارسة الميدانية فبينما أسفرت الضغوط الحقوقية والمبادرات الدولية عن اعتماد نسب تمثيل محدّدة، مثل كوتا الـ 35% في أعمال الحوار السياسي، تظلّ الآراء متباينة حول مدى انعكاس هذه الأرقام على تولّي النساء أدواراً تنفيذية وسيادية.
وبين من يرى في هذه النسب خطوة إجرائية ضرورية نحو الشراكة، ومن يعتقد بأنّ غياب الضمانات القانونية والمؤسّسية قد يختزل الحضور في إطار رمزي، يبقى المسار السياسي الجاري بمثابة الاختبار العملي لقدرة الأطراف المحلية والدولية على الموازنة بين خطط التمكين وتحديّات الواقع على الأرض.



















