“سيليا”.. صوت الريف الذي تحدى الخوف والسجن

خيّم الصمت والحزن على شوارع الحسيمة، الجميع خارج منازلهم خزنًا على رحيل الزفزافي الأب، والأعلام السوداء معلقة بصمت على سطح منزل الراحل، والتي كانت رمزًا للحزن على اعتقال قادة “حراك الريف”، تحولت إلى رمزٍ للحداد والحزن على رجل ترجل عن صهوة الحياة، قبل أن يعانق ابنه في الحرية.

قبل انطلاق موكب جنازة والده، اعتلى قائد “حراك الريف”، ناصر الزفزافي، سطح منزلهم بالحسيمة، وألقى كلمة مأثرة على المعزين الذين جاؤو لتشييع الراحل، أحمد الزفزافي، إلى مثواه الأخير.

أثناء كلمته، ظهرت بجانبه شابة ريفية، تلتحف عباءة سوداء، رمزًا للحداد، تارة بملامح حزينة متأثرة للفقد الجلل الذي أصاب العائلة، وتارة ترفع علامة النصر وتلوح بها. 

لم تكن تلك الشابة، سوى سليمة الزياني، المعروفة باسم سيليا، المعتقلة السابقة، “أيقونة حراك الريف”، أحد أبرز وجوهه وصوته الصادح بالموسيقى.

ولدت سيليا، سنة 1994 في مدينة الحسيمة، ونشأت بين جبال الريف التي صاغت شخصيتها الصلبة وروحها المتمردة. كانت الأصغر وسط عائلة كبيرة، درست في جامعة محمد الأول بوجدة تخصص “الدراسات الأمازيغية”، لكنها وجدت في الفن والمسرح والغناء الريفي التقليدي، وبالأخص “الإزران”، وسيلتها الأعمق للتعبير عن الهوية والانتماء.

لم تكن سيليا مجرد مغنية، بل صوتًا جماعيًا يردد أحلام جيلٍ بكامله؛ ففي خضم “حراك الريف” (2016–2017)، صارت إحدى أبرز الوجوه النسائية التي قادت المسيرات، ورفعت الهتاف من قلب الشوارع.

خرجت سيليا مع المتظاهرين، تطالب بالعدالة، بالكرامة، وبحق الريفيين في حياة تليق بهم، وكان حضورها الجريء، وجرأتها على تحدي التقاليد الاجتماعية والسلطة معًا، هو ما جعل منها رمزًا سريع الانتشار لتلقب بـ”أيقونة الحراك”.

في يونيو 2017، اعتُقلت سيليا مع مجموعة من النشطاء، ونُقلت إلى سجن عكاشة بالدار البيضاء، وُجهت إليها تهم ثقيلة؛ “التظاهر غير المرخص، التحريض على العصيان، وإهانة موظفين عموميين”. 

عاشت تجربة قاسية خلف الجدران؛ أصيبت بانهيار عصبي ودخلت في إضراب عن الطعام، معلنة استعدادها للموت شهيدة “كي يحيا الوطن”. صورها ورسائلها من السجن أشعلت مشاعر التضامن، لتصبح رمزًا لمعاناة النساء في المعتقل السياسي.

وبعد أسابيع من الاعتقال، شملها العفو الملكي بمناسبة عيد العرش، فخرجت حرة بينما ظل رفاقها خلف القضبان. لم يكن الخروج نهاية الحكاية، بل بداية مرحلة جديدة؛ خاضت معركة لاستخراج جواز سفرها.

سافرت إلى إسبانيا، مدينة فالنسيا، لتمثل الريف بفنها، حيث وصفتها الصحافة الإسبانية، خصوصًا وكالة الأنباء “إيفي” بـ”الفنانة المشاكسة”. وفي باريس، وقفت على منصة “حفل الإنسانية” لتغني للإصرار والحرية، وسط تصفيق الجالية المغربية والناشطين.

ورغم الانتقادات والضغوط، واصلت سيليا الدفاع عن صورة الحراك، مؤكدة في لقاء مع “الجزيرة الإنجليزية أن مطالب الريفيين “ليست انفصالية، بل وطنية عادلة”. 

وفي الوقت ذاته، عبّرت في تدوينات نشرتها على مواقع التواصل عن نقدها لمن سمتهم “المرتزقة الحقوقيين”، رافضة أن يتحول نضال ورمزية الحراك إلى تجارة أو شعارات فارغة.

اليوم، تبقى سيليا صوتًا لا يغيب، فهي ابنة الريف التي مزجت بين فن “الإزران” والاحتجاج، بين الغناء والسجن، وبين الحلم والخذلان. 

حضورها يحكي أن “حراك الريف” لم يكن مجرد حدث عابر، بل صرخة جيل كامل وجد في الفن سلاحًا، وفي الحرية قدرًا لا يقبل المساومة.

اقرأ أيضا

  • اللاإنجابية.. نساء يتمردن على غريزة الأمومة في مواجهة مع المجتمع

    "لا أتصور نفسي صحبة رضيع طوال الوقت، أتكلف بكل تفاصيل يومه، جهد كبير جدا لا أجدني مستعدة له، بل لست على استعداد لأحمل ثقلا لتسعة أشهر، وأشتغل، وأسافر… لدي طموح أكبر من إنجاب أطفال أهديهم حياتي التي بنيتها بعناء، وجهد"، هكذا بدأت أسماء تفسر قرارها في ما بات يعرف بـ"اللاإنجابية"، وهو قرارٌ طوعي بعدم إنجاء…

    سناء كريم|

  • جحيم شركات “الكابلاج”.. بديل للبطالة ينهك صحة المغربيات 

     "صحتي مشات"، تقول صفاء بصوت منهك، يعتريه حزن وحنق كبيران، قبل أن تظهر الشابة ذات الـ29 سنة أوراق الفحوصات والشواهد الطبية التي تؤكد إصابتها بمشاكل في الظهر والعمود الفقري، بعد أربع سنوات من العمل في إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية، والموجهة لصناعة السيارات بمدينة القنيطرة. الشابة الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع، تحكي…

    هاجر اعزة|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • أميرة محمد: وضع حرية التعبير في تونس أخطر مما كانت عليه في عهدي بن علي وبورقيبة

    منظمات دولية وجمعيات محلية مستقلة في تونس، تنبه إلى تصاعد  مستوى قمع الإعلام وحرية التعبير، وتعبّر عن تخوفها من المحاكمات القضائية لصحفيين وإعلاميين ومعلقين، بسبب الرأي الذي بدأ منسوب حريته يتناقص في البلاد.  وتأتي هذه المتابعات قبل الانتخابات الرئاسية الأولى، في فترة ما بعد الـ25 جويلية 2021، وفي ظل توجه ممنهج لتقويض القضاء، سجن عشرات…

    ريم بلقاسم|

  • هويات في الظل.. العنف لا يفرق بين الغيريات والمثليات والعابرات في المغرب

    لم يكن سليمان يتجاوز الخامسة عشرة حين صفعتْه والدته أمام المارة، بينما كان خاله يصرخ مهدّدًا: "لا تعودي لارتداء هذا اللباس"، كان ذلك المشهد أول إعلان رسمي عن بداية الهروب الكبير. في الصباح التالي، ومع بقاء أخيه نائمًا وغياب والدته وخاله، جمع سبعين درهما وبعض الثياب، وغادر البيت دون أن يلتفت. قطع الطريق بين فاس…

    شادي بخاري|

  • “اذهبي إلى مطبخك!”.. الطرقات تعيش عنفًا صامتًا ضد النساء السائقات

    بثقة مهزوزة، أمسكت سعاد بمقود سيارتها الصغيرة بكلتا يديها، محاولة –الانسجام في جلبة شوارع مدينة الدار البيضاء، بينما المركبات من حولها تتدافع كالسيل، وزعيق المنبهات يملأ المكان ويصم الآذان.  في تلك اللحظة، وفق ما تسرده الفتاة العشرينية، في حديثها لمنصة "هنَّ"، لم تكن المشكلة في القيادة نفسها، فهي اجتازت اختبار السياقة بالفعل منذ عدة أشهر،…

    عفراء علوي محمدي|

  • متابعات وطرد وانتهاكات.. أحذية “ريكر” الألمانية معفرة بعرق وحقوق التونسيات 

    حراك عاملات وعمال معمل الجلود والأحذية، "ريتون"، الواقع بمعتمدية السبيخة، في مدينة القيروان التونسية، كشف جانبا مخفيا من "انتهاكات وضرب الحقوق المهنية والكرامة الإنسانية"، التي تمارسها إحدى الماركات العالمية الألمانية-السويسرية منذ سنوات في تونس، وفق تعبير إحدى العاملات. كما بين القدرة التي لدى المستثمر الأجنبي، بمباركة من السلط الجهوية والقضائية على حد السواء، على الضرب…

    ريم بلقاسم|

  • عاملات “سيكوميك”.. عام من الاعتصام في العراء!

    منذ أربع سنوات، تقاوم مونة، عاملة بشركة "سيكوميك" بمكناس، النسيان على رصيف الكرامة، تمّ طردها من العمل صحبة عاملات أخريات بعد قرابة أربعين سنة من العمل، ضمن تسريح جماعي "تمّ دون إشعار مسبق، ودون تعويض، ودون احترام لقانون الشغل، بل لم تُلقَ حتى كلمة شكر"، حسب شهادات استقتها "هنَّ". في حديثها لمنصة "هنَّ"، قالت مونة،…

    سناء كريم|