في مجتمع موريتاني ما يزال يتشبث بالتقاليد الاجتماعية، التي تحصر أدوار المرأة في وظائف محددة، بدأت نساء شجاعات في كسر هذه القيود، ودخول مجالات مهنية طالما كانت حكرًا على الرجال، إحدى هذه المهن قيادة الباصات، والتي كانت حكرا على الرجال فقط.
عملٌ مليء بالتحديات الاجتماعية
ففي خطوة تُعد سابقة في البلاد، أطلقت السلطات الموريتانية مؤخرًا برنامجًا لتكوين النساء في مجال سياقة الباصات، في إطار سياسة لدمج المرأة في هذا القطاع الحيوي، وتمكينها اقتصاديًا.
واستفادت من هذا التكوين سبع عشرة سيدة، من بينهن حاملات شهادات جامعية، حيث حصلت ثلاث منهن على رخص النقل ويزاولن العمل حاليًا.
من بين هؤلاء الرائدات، تبرز فاطمة ورزك، التي واجهت تحديات اجتماعية جسيمة منذ اللحظة الأولى لقيادتها الباص، وتقول في حديثها لمنصة “هنَّ”:
“العمل في مجال سياقة الباصات بالنسبة للنساء مليء بالتحديات الاجتماعية، لأنه ببساطة مجال لم يألفه المجتمع قط. الانتقادات التي نتلقاها من الركاب كانت، ولا تزال، أصعب من السياقة نفسها”.
وترى فاطمة أن المجتمع لا يزال ينظر إلى هذه المهنة بنظرة دونية عندما تمارسها امرأة، معتبرة أن ذلك نابع من جهل بأهمية الدور الذي تلعبه المرأة في كل القطاعات.
“المجتمع ينظر إلى هذه المهنة من الجانب المظلم، ويتجاهل الإيجابيات التي نراها نحن، مثل تحقيق الاكتفاء الذاتي، وخوض تجارب جديدة وغير معهودة للمرأة الموريتانية”، توضح فاطمة لهذه المنصة.
نظرات استغراب
وبين ضغوط المهنة ومتطلبات الأسرة، تحرص فاطمة على التوازن، مشيرة إلى أن التفاهم والدعم داخل البيت ضروريان: “كل مهنة تتطلب وقتًا وجهدًا، لكن السياقة منحتني طاقة جديدة، وربما هذا يساعدني أكثر في تلبية متطلبات البيت والأسرة”.
وفي ظل التقاليد السائدة، تتعرض سائقات الباص لنظرات استغراب، بل وازدراء أحيانًا، من بعض الركاب الذين لا يتقبلون فكرة أن تكون امرأة خلف المقود. ورغم أن زملاءهنّ من السائقين أبدوا دعمهم وتفهمهم، إلا أن التعامل مع الركاب يظل هو التحدي الأصعب.
“نواجه انتقادات لاذعة وغيابًا نسبيًا للوعي، لكننا تلقينا تعليمات وتدريبات تساعدنا في التكيف مع هذا الواقع”، هكذا تفسر لنا فاطمة.
وتختم فاطمة حديثها لـ“هنَّ”، برسالة قوية لكل امرأة: “اعملي ثم اعملي، وحققي الاكتفاء الذاتي، وضعي بصمتك في المجتمع… أي عمل تجدين فيه ذاتك، ولا يخالف المعايير الإنسانية، يحق لك ممارسته دون أي خوف أو تحفظ”.
فجوة النوع ومحدودية التمكين
رغم الخطاب الرسمي المتكرر حول تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها الاقتصادية، تكشف الأرقام عن واقع مختلف تمامًا تعيشه النساء في موريتانيا؛ فالنسبةُ المرتفعة للبطالة بين النساء، وانخفاض معدل مشاركتهن في سوق العمل، يعكسان حجم التحديات البنيوية التي لا تزال تقف في وجه إدماج المرأة في الحياة الاقتصادية بشكل عادل.
وتعاني المرأة الموريتانية من تحديات اقتصادية هيكلية في سوق العمل، حيث بلغت نسبة بطالة النساء 15.24 بالمائة في عام 2023، بعد أن كانت 15.38 بالمائة في 2022، في حين أن المعدل العالمي للبطالة النسائية يبلغ حوالي 8.37 بالمائة.
وتُظهِر تقديرات حديثة للبنك الدولي أن هذه النسبة استقرت عند 15.03 بالمائة في عام 2024، مما يعكس بطءًا في التحسن في ظل غياب سياسات نوعية تحارب البطالة وتدعم التشغيل النسائي.
كما تشير الإحصائيات إلى أن مشاركة المرأة في سوق العمل لا تتجاوز 26.41 بالمائة من القوى العاملة لعام 2023، مقارنةً بنحو 51.07 بالمائة على المستوى العالمي.
وبحسب بيانات عام 2022، بلغت نسبة المشاركة 26.36 بالمائة، ما يؤكد أن الغالبية العظمى من النساء لا يمكنهن الوصول إلى فرص شغل منظمة. وتشكل هذه الفجوة الدالة على التباين الجندري في الولوج لسوق العمل، نتيجة لتداخل عوامل مثل ضعف التأهيل، غياب الحماية القانونية، الأدوار الاجتماعية التقليدية، والتمييز المنهجي في بيئة العمل.
“تمكين رمزي في واقع عنيف”
تعتبر الناشطة النسوية مليكة محمد الأمين لمنصة “هُنّ”، أنه “من غير المنطقي أن نعتبر السماح للنساء بولوج مهن كانت حكرًا على الرجال حتى وقت قريب، إنجازًا حقيقيًا في ظل غياب أبسط شروط العدالة”.
وأضافت مليكة “نحن في بلد لا يزال يرفض تجريم العنف ضد النساء، بينما تعاني الغالبية العظمى من الفتيات من تزويج القاصرات، وما يعنيه ذلك من انتهاك لحقوق الطفولة، وتدمير نفسي وجسدي ممنهج، يؤدي في النهاية إلى تفقير وتجهيل النساء”.
“لا يمكن الحديث عن تمكين اقتصادي أو سياسي أو حتى عن مساواة في سوق العمل، بينما تُترك النساء بلا حماية قانونية من الاعتداءات الجنسية والعنف المنزلي”، توضح الناشطة لـ“هنَّ”.
وترى أن “ما يحدث في موريتانيا ليس تمكينًا بل استغلال سياسي متكرر للنساء، تمارسه الأحزاب في كل استحقاق انتخابي. إن الاحتفاء بسماح امرأة بقيادة حافلة نقل عام هو في حقيقته انعكاس لحجم التهميش الذي تتعرض له المرأة الموريتانية، فالأمر في حد ذاته بسيط، لكنه يُقدم وكأنه انتصار“.
وخلصت مليكة محمد الأمين إلى أن “المطلوب ليس احتفالات رمزية، بل فتح كل الأبواب أمام المرأة، وضمان تمكين حقوقي واقتصادي حقيقي، لا مجرد توظيف للرموز النسائية لتجميل واقع مليء بالتمييز والعنف”.
طريق وسط الزحام
تجدر الإشارة إلى أن تجربة فاطمة ليست مجرد نموذج فردي، بل إشارة واضحة على بداية تحوّل اجتماعي في موريتانيا؛ ففي بلد ما يزال يُقيّد المرأة بأدوار تقليدية، تأتي هذه المبادرات لتفتح أبوابًا جديدة، وتمنح النساء فرصة القيادة، بمفهومها المهني والاجتماعي معًا.
اليوم، لم يعد مقود الباص حكرًا على الرجال، بل بات رمزًا لقدرة المرأة الموريتانية على شق طريقها وسط الزحام، والوصول إلى وجهة التمكين بثقة وثبات. فهل تتمكن المرأة الموريتانية من كسر المزيد من جليد عدم المساواة الوظيفية في المجتمع؟















