“نحن شابات وشباب في وقفة سلمية، لا نحمل الحجر، وزادنا أصواتنا وإرادتنا، خرجنا فقط للمطالبة بحقوقنا المشروعة في الصحة والتعليم والعيش الكريم”، تقول إحدى الشابات اللواتي خرجن للاحتجاج بالرباط لمنصة “هنَّ” معبرة عن وجع يعتصرها.
وبأمل مكسور زادت قائلة: “رغم سلميتنا، قوبلنا بالمنع بدل الحوار، نؤكد أننا لا نمثل أي تهديد، ومطلبنا الوحيد أن يُسمع صوت المواطن ويُصان حقه في الكرامة”.
“خرجنا اليوم بصوت واحد، لا نحمل سوى مطلبنا العادل، أن نعيش بكرامة في وطننا”، توضح بغضب، قبل أن تضيف: “نحن اليوم في سنة 2025 ومازال المريض يبحث عن سرير وأبسط جرعة أوكسيجين داخل المستشفيات فلا يجدها، فيما تُهدم مؤسسات تعليمية كانت ملاذاً لأبنائنا لتقام في مكانها ملاعب للكرة… أي منطق هذا الذي يُقدِّم الترفيه على حساب الحق في الصحة والتعليم؟ نقولها بوضوح، الشعب يريد إصلاحاً حقيقياً، يريد محاسبة لكل من ثبت تورطه في نهب المال العام، ويريد سياسات تُعيد الثقة وتضع المواطن في صدارة الأولويات”.
وبوعي ظاهر انتقدت الشابة ذاتها السياسة العمومية الوطنية قائلة: “في مدينة الرباط تم إنشاء ملعب للهوكي، لكن نحن نتساءل ما الجدوى الحقيقية من مثل هذه المشاريع، في وقتٍ مايزال فيه عدد من المواطنين عاجزين حتى عن تأمين لقمة العيش؟ أين الأولويات؟
نطالب بالكشف عن مصير المليارات التي صُرفت، مليارات ضاعت في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم… هدر وفساد، وغياب للشفافية لذلك نطالب فقط بالمحاسبة”.
محاصرة أمنية وتوقيفات
على بعد أمتار من مجلس النواب، حاصرت يوم السبت 27 شتنبر 2025، القوات المساعدة شارع محمد الخامس، سيارات الأمن تملأ جنبات الشارع، وعناصر بمراتب مختلفة حضرت بكثافة لمنع الوقفة التي دعا إليها مجموعة من الشابات، والشباب في مواقع التواصل الاجتماعي عبر مجموعة “Genz 212”.
وحسب ما عاينته منصة “هنَّ”، وتم توثيقه بالصورة، تم توقيف عدد من الشابات، والشباب في ربيع العمر، كما تم توقيف فاروق مهداوي، القيادي بفيدرالية اليسار الديمقراطي، والمحامي بهيئة الرباط.
منعت السلطات رفع الشعارات، بل كانت تُسكت كل صوت يحاول التعبير عن رفضه للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المزرية التي يعرفها المغرب.
شابات وشباب Genz212 أكدوا في صفحتهم على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، على أن الوقفات الوطنية التي دعوا إليها ليست إلا “تعبيرا عن صوتهم الجماعي للمطالبة بحقوقهم المشروعة وفتح باب الإصلاح، لأنهم مؤمنون أن المغرب يستحق الأفضل”، لكن تفاجؤوا بإنزال أمني حال دون إيصال صوتهم.
الشارع يغلي.. مطالِب مشروعة تواجه القمع
فاطمة التامني، النائبة البرلمانية والقيادية بحزب فدرالية اليسار الديمقراطي، نددت في تصريح لمنصة “هنَّ” بالتوقيفات التي طالت شابا وشباب أرادوا التعبير عن رفضهم للإقصاء والتهميش بسبب الأوضاع المتردية التي تعرفها عدد من القطاعات.
وقالت: “شابات وشباب شعروا بأن السياسات القائمة بعيدة عن انتظاراتهم، فخرجوا في احتجاجات سلمية لإسماع صوتهم، وعوض أن تلتقط الدولة الإشارة، جوبهت الوقفة بإنزال أمني غير مسبوق”.
وأضافت:” كنا نطالب بإعادة الاعتبار للمؤسسات واستعادة الثقة فيها، وبدل أن نشهد انفراجًا سياسيًا وإطلاق سراح المعتقلين، مازلنا نجد القمع مستمرًا، حيث الاعتقال مستمر، وهو ما يتنافى تمامًا مع مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، مع المواثيق الدولية، والدستور المغربي”.
“اليوم، الصحة على حافة الانهيار، وخدمات عدد من المؤسسات العمومية متدهورة بشكل خطير. شاباتنا وشبابنا يطالبون فقط بالإصلاح، ومع ذلك تم توقيفهم أمام البرلمان في الرباط، وفي الدار البيضاء أيضًا تم اعتقال عدد منهم، في خطوة ستزيد بلا شك من الغضب والاحتقان الشعبي… الشعب يطالب بالصحة والتعليم والشغل، وهي مقومات الحياة الكريمة، فلماذا يُرفض حقه المشروع في ذلك؟
نندد بالاعتقالات التعسفية التي استهدفت شابات وشبابنا، رغم أن فيدرالية اليسار الديمقراطي أصدرت بيان دعم للاحتجاجات السلمية، مؤكدة حقهم في التعبير عن مطالبهم المشروعة”، تضيف النائبة.
مطالب بالإفراج الفوري عن جميع الموقوفين
دعت “المنظمة المغربية لحقوق الإنسان” إلى إطلاق سراح الشابات والشباب الذي تم إيقافه، واعتبرت في بيان لها أن “الحق في التجمع والتظاهر السلميين ممارسة دستورية مشروعة”.
واعتبرت المنظمة إيقاف عدد من المشاركين والمشاركات “يحمل دلالات اجتماعية، وحقوقية عميقة تعكس تنامي شعور فئات واسعة من الشباب بالحاجة إلى إقرار سياسة عمومية موجهة له، ذات بعد اجتماعي واقتصادي”.
وأكدت على “ضرورة احترام الحق في التجمع والتظاهر السلميين باعتبارهما من الحقوق المدنية والسياسية، المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادق عليه المغرب، وفي الدستور المغربي الذي يقر بحرية التعبير والتنظيم والاحتجاج السلمي، دعت المنظمة الحكومة إلى اعتماد مقاربة قائمة على الحوار والإنصات”.
كما دعت إلى “بلورة سياسات عمومية مندمجة وموجهة للشباب، تراعي حاجياته الأساسية وتفتح أمامه آفاق المشاركة والاندماج في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، انسجاما مع التزامات المغرب الدولية والوطنية في مجال حقوق الإنسان، ومن منطلق التمتع الفعلي بهذه الحقوق”.
تجاوز سافر للحق الدستوري في الاحتجاج السلمي
الحزب الاشتراكي الموحد، أيضا أدان ما أسماها “العسكرة، وهذا التجييش الأمني” الذي عرفته جل ساحات (الرباط ، الدار البيضاء، طنجة ، مراكش، مكناس) واستنكر في بيان له “الاعتقالات اللاقانونية واللامبررة”.
وذكر الحزب بـ”الحق الدستوري، والقانوني للشباب وللمواطنين في الاحتجاج والتظاهر السلمي، دفاعا عن مطالبهم الاجتماعية المشروعة في ظل السياسة اللا شعبية المنتهجة من طرف الحكومة، والتى أدت إلى أزمات اجتماعية واقتصادية خانقة، ضربت كافة القطاعات الاجتماعية الهامة من صحة وتعليم وشغل وسكن، بل وامتدت للقرى التي أصبحت تفتقد لأبسط وسائل، و أسس العيش الكريم، و في مقدمتها ندرة الماء”.
واعتبر التدخل الأمني “تجاوز سافر للحق الدستوري في الاحتجاج السلمى ولكل المواثيق الدولية لحقوق الإنسان الضامنة لحرية الرأي والتعبير”، كما طالب الدولة بـ”التخلي عن تغول السلطة، واستبدادها، وفصل سلطة المال عن السياسة، والإنصات لمطالب الشعب المغربي وشباب الوطن، والتوزيع العادل للثروة والقطع مع السياسات القمعية وتكميم الأفواه، والعمل العاجل على خلق انفتاح سياسي مدخله الإفراج عن كافة المعتقلين السياسيين وعلى رأسهم معتقلي الحراك الشعبي بالريف، والحد من كل الاعتقالات المرتبطة بالحق في الاحتجاج والتظاهر، وإيقاف المحاكمات والمتابعات في حق الصحافيين والمدونين ومناهضي التطبيع، والوقف الفوري للاعتقالات والاستدعاءات التخويفية ضد مناضلي الحزب”.
المقاربة القمعية وسلية الدولة للتخويف
“المقاربة القمعية دائما ما كانت الوسيلة الوحيدة للدولة للتخويف والترهيب، ولكننا اليوم رأينا درسا راقيا أعطاه لنا الشارع، بصفته الفضاء الشعبي لنضال الجماهير، عن طريق شبان وشبات، نساء ورجال توّحّدّوا بمطالب عادلة ومشروعة تُعتبر في الدول التي تحترم نفسها حقوق، واعطوا درسا في السلمية والصمود أمام القمع والاعتقال”، تقول الناشطة الحقوقية، سمية الركراكي، لمنصة “هنَّ”.
وأوضحت الركراكي، “اعتقال المارّة بعشوائية، والمحتجين والمحتجات بالعنف، لم يُرهب أحد، خاصة هذه المرة، فوصل المغرب إلى مستوى عيش كارثي؛ فالشباب قادر على التضحية بحريته من أجل تحسين ظروف عيشيه”.
وأضافت أنه يجب أن “نرى كذلك الإيجابي، في السنوات الماضية كانت عبارات من قبل ‘يريدون الفتنة، ممولون من الخارج’ وتردّد بكثرة لضرب في مصداقية الاحتجاجات، واليوم الشعب يسمعها ويسخر منها، مؤمنا قبل أي وقت مضى أنها خاطئة وزائفة”.
“القمع والاعتقال كانا سببين في تعاطف الجميع مع المحتجين، فالمنصات كلها مملوءة بعبارات التضامن و التنديد، وهذا أكبر مكتسب فلا قمع لا إرهاب ما يوقف مسيرة شعب”.



















