رمضان كما تعيشه غير الصائمات.. معاناة في ظل قانون يضيق على الحرية

يشتد الحر في منتصف اليوم، فتغدو الشوارع ممرات مهجورة، أناس يركنون في بيوتهم مخافة الضمأ، وآخرون لا يزالون نيامًا، وبعض من الناس متعبدون، معتكفون، خاشعون ومنهم الغاضبون، الذين يفتعلون شجارات لا داعي لها، في انتظار آذان المغرب. في خضم هذا الجو المشحون والمتناقض، تبرز فئة من المختلفين ينساها أو يتناساها كثيرون، لكن الواقع يفرض وجودهم ككل سنة، إنهم اللادينيون أو بعبارة أقل صدامًا هم مسلمون باختيارات خاصة أو يعتنقون دياناتٍ أخرى، ورغم اختلاف المسميات هم لا يصومون.

وكما هو الحال كل عام خلال شهر رمضان في المغرب، تبرز على مواقع التواصل الاجتماعي فئات تعبر بشكل علني عن اختيارها عدم الصوم، لتجد في الفضاء الافتراضي متنفسا للبوح، سواء داخل مجموعات خاصة على فيسبوك أو غيره، حيث ينشر كثيرون، بحسابات وهمية وأسماء مستعارة، فيديوهات أو تدوينات مرفقة بصور لوجباتهم في وضح النهار، ويتبادلون التعليقات حول ذلك، في وقت يجرم فيه الإفطار العلني في الشارع العام قانونا، إذ تصل العقوبة إلى ستة أشهر حبسا وفق الفصل 222 من القانون الجنائي المغربي، ما يجعل المجاهرة بالإفطار مخاطرة حقيقية.

وينص الفصل 222 على أن “كل من عرف باعتناقه الدين الإسلامي، وتظاهر بالإفطار في نهار رمضان، في مكان عمومي، دون عذر شرعي، يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة من 12 إلى 120 درهما”.

الاعتراف بالإفطار: مس بالمقدس

مايسة سلامة الناجي، ناشطة سياسية ورئيسة مركز تفكير المغاربة الجدد، واحدة من الجريئات اللواتي اختاروا التعبير عن قناعاتهم دون خوف أو تردد، حيث أعلنت، في فيديوهات عديدة، لها، عن إفطارها في نهار الشهر الفضيل، ما شكل صدمة لدى عدد من المتابعين، وكانت بذلك موضوع متابعات قضائية بتهم ثقيلة تتعلق بالمس بالمقدسات.

وما دام القانون 222 يشترط الفعل المادي والملموس المتعلق بالإفطار العلني في مكان عمومي، فمايسة لن تتابع بموجبه، حيث اقتصر الأمر عن التعبير عن اختياراتها فحسب، لكن اتهامها بالمس بالمقدسات يعيد إلى الواجهة نقاش حدود حرية التعبير، وحق الأفراد في الإدلاء بآرائهم والحديث عن اختياراتهم الخاصة.

قضية مايسة تسلط الضوء على التحديات التي تواجه الأفراد، وخصوصا النساء، عند التعبير عن مواقفهم الشخصية المختلفة عن المألوف، وتطرح تساؤلات حول مدى قدرة المجتمع والقانون المغربي على حماية حرية الرأي، واحترام حقوق الأفراد في اختيار نمط حياتهم ومعتقداتهم، بما يضمن كرامتهم وحريتهم في التعبير دون خوف من الملاحقة أو العزلة الاجتماعية.

تعاني النساء اللواتي يخترن عدم الصيام في رمضان ضغوطا اجتماعية مضاعفة مقارنة بالرجال، ذلك أن المجتمع المغربي غالبا ما يتوقع منهن التزاما أكبر فيما يخص أداء الشعائر الدينية، ويقيس قيمتهن أخلاقيا ودينيا من خلال مدى التزامهم بالمظاهر الرمضانية، بل وقد يتعرضن للعنف القائم على النوع الاجتماعي أو الأسري إذا اكتشف أمرهن.

مايسة ليست الوحيدة، حيث تمكنت منصة “هنَّ” بصعوبة من الحديث مع نساء مختلفات لا يصمن رمضان، تكلمن بحرية وشجاعة لكنهن فضلن عدم الفصح عن هويتهن، مخافة الوصم الاجتماعي أو التعرض لمضايقات قد تصل حد السجن. 

بعضهن أكدن في حديثهن لهذه المنصة، على أن قرار عدم الصيام مرتبط بقناعات فكرية تشكلت عبر سنوات من البحث والسؤال، وأخريات أوضحنَ أن الأمر يظل خيارا شخصيا لا يرغبن في تحويله إلى معركة مع المجتمع، كما قالت إحداهن إن “أصعب ما في رمضان ليس الإمتناع عن الطعام، بل الاضطرار إلى الاختباء وكأني أرتكب جرما” في إحساس بعزلة لا تطاق.

“يخيفني حلول رمضان”

“يخيفني حلول رمضان، ورغم أنه شهر للعبادة والتقوى في ظاهره، لكنه شهر للاستبداد وفرض الرأي الواحد بالنسبة لأمثالي، حيث يتحول من فضائه التعبدي إلى نظام لنبذ حقوق المجموعات المقصاة أو المهمشة، سواء المعتنقة لديانات أخرى أو اللادينية، إذ يطلب من الجميع الامتثال للقالب السائد، وتجنب الأكل أمام الملأ في النهار، وانتظار حلول الليل، وإلا كانوا مهددين بالمتابعة بموجب الفصل 222 من القانون الجنائي، الذي يجرم الأكل في نهار رمضان بالنسبة لمن عرف اعتناقه للدين الإسلامي… وهذا أمر عبثي، إذ يكفي أن يكون المرء مغربيا ليفترض إسلامه، حتى إن كان معروفا بغير ذلك”.

آية، 32 سنة، من الدار البيضاء، تنتمي إلى أسرة مغربية مسلمة، لكنها أصبحت لا أدرية منذ أكثر من عشر سنوات، تقول في شهادتها إن يومها في رمضان يمر ثقيلا وجافا، حيث تضطر في معظمه إلى التظاهر أمام زملائها في العمل بالصيام، كما تمتنع عن الأكل أمام زوجها رغم علمه بقناعتها، لأنه يعتبر ذلك استفزازا، ويرى أن عليها احترام مشاعر الجميع. 

زوج آية هو الوحيد الذي يعرف حقيقتها، أما الزملاء والمعارف والأصدقاء فلا علم لهم بالأمر، وقد يشكل لهم صدمة إن اكتشفوا ذلك، لذا تنتظر آية أذان المغرب لتتناول الطعام بعيدا عن الأنظار، وتمارس حقها الطبيعي في الأكل دون حسيب أو رقيب.

توضح آية، في حديثها إلى منصة “هنَّ” أن الأمر ازداد صعوبة بعد إنجاب طفلها، إذ تجد نفسها مضطرة إلى التظاهر أمامه أيضا: “لا أريد أن أكذب عليه، لكني أشعر بأن عقله لن يستوعب هذا الاختلاف ولن يتقبله، خصوصا وسط مجتمع متسلط لا يتقبل التنوع، لذلك يعتقد طفلي ذا الثمان سنوات أنني أصوم، وأنني مسلمة كغيري، وهو ما يسبب لي ألما عميقا”. 

وتقول آية “أنا أحلم بمجتمع لا اضطرّ فيه إلى التمثيل أمام أقرب الناس إليّ وأعزهم، ولا أحاكم فيه بسبب قناعاتي”، مؤكدة على أنها لا تؤذي أحدا باختلافها، لكن القيود المفروضة عليها تؤذيها بشدة.

“شهر تضيق فيه مساحة الحرية”

وبالنسبة لليلى، 42 سنة، المنحدرة من مدينة فاس، فإن رمضان لا يحمل المعنى نفسه الذي يحمله للكثيرين، معتبرة أنه “شهر تتقلص فيه المساحات اليومية البسيطة، وتضيق فيه تفاصيل كانت تبدو عادية خارج هذا السياق”. 

“رمضان كيجيني صعيب شوية”، تقولها بدراجة بسيطة في حديثها مع هذه المنصة، قبل أن تشرح أنشطتها المعتادة كالمشي لمسافات طويلة أو الخروج في نزهة أو تنظيم “بيكنيك” تصبح شبه مستحيلة، لأن الشرب في الفضاء العام خلال النهار غير ممكن، ولأن الإيقاع العام للمدينة يتغير بالكامل.

لا تصوم ليلى، وأحيانا تنسى ذلك وسط تفاصيل يومها، فتتذوق شيئا في محل لبيع الحلويات، أو تخرج وفي فمها علكة دون انتباه، ثم تستدرك نظرات المكان وسياقه فتتظاهر بالنسيان. ومع ذلك، تعتبر نفسها محظوظة لأن لها بيتا تمارس فيه حريتها كاملة، حيث تأكل بشكل عادي، دون خوف أو تظاهر.

لا تعيش ليلى داخل أسرتها أي توتر، فزوجها ووالدها وشقيقاتها لا دينيون مثلها، ولا يصومون، فيما والدتها مسلمة “بطريقة خاصة”: “والدتي لا ترى في الصيام أو الصلاة معيارا فاصلا للحكم على الناس، لذلك فهي تعد لنا الطعام وسط النهار، وتراقبنا نأكل، ولا تنزعج لذلك أبدا”، تقول ليلى.

في الفضاء العائلي، تأكل ليلى بشكل عادي، دون حاجة إلى التخفي أو التبرير، أما في العمل، فقلة فقط تعرف أنها لا تصوم، لأنها تعتبر الأمر شأنا شخصيا لا يلزم أحدا.

وحين تسأل إن كانت تشعر بالاضطهاد، تتوقف قليلا قبل أن تجيب بالنفي. وتؤكد أنها لا تعتبر نفسها مضطهدة، لأن حريتها محفوظة داخل بيتها ومع زوجها وأصدقائها وعائلتها. تعترف بأن الأمر في الشارع يكون أصعب، وأن الإحساس بالاختلاف حاضر، لكنها لا تسميه اضطهادا بقدر ما هو ضغط اجتماعي عابر يتكرر كل عام.

بين بيت يمنحها حرية كاملة وفضاء عام يفرض إيقاعه، تعيش ليلى رمضان كل عام على هذا الحد الفاصل بين الاختيار الشخصي ونظرة الجماعة، محاولة أن توازن بين قناعتها الخاصة وسياق لا يعترف بقناعتها.

تناول وجبة غذاء: “انتصار شخصي”

في واحد من أحياء مدينة نيس الساحلية، تبدأ سعاد يومها بهدوء وتفاؤل لا ينضبان، شابة في الـ27 من عمرها، تمشي بخطى ثابتة نحو المطعم الذي تعمل فيه، تسبقها ابتسامة خفيفة وترافقها قناعة راسخة بأنها نجت أخيرا من مرحلة كانت تصفها بـ”القاسية”.

سعاد، تعرف نفسها بأنها لا دينية، حصلت مؤخرا على اللجوء الإنساني بفرنسا، لم يكن القرار وليد لحظة عابرة، بل نتيجة مسار طويل من التوتر والضغط الاجتماعي في المغرب. 

تقول سعاد في حديثها لـ”هنَّ”، إن “شهر رمضان كان يتحول كل عام إلى اختبار ثقيل”، ليس فقط بسبب اختلاف قناعاتها، بل بسبب نظرات الناس وتعليقاتهم التي كانت تلاحقها في الفضاءين الواقعي والافتراضي.

على مواقع التواصل الاجتماعي، اختارت سعاد أن تتحدث بصراحة عن أفكارها، خرجاتها الجريئة، كما تصفها، “كانت محاولة للتعبير عن ذاتها دون أقنعة”، غير أن ذلك فتح عليها أبوابًا من الانتقاد الحاد، والتجريح، وأحيانا العزلة. تؤكد أن “الأمر لم يتوقف عند حدود الاختلاف في الرأي، بل تعداه إلى شعور دائم بالنبذ”، وكأنها مطالبة بالاختفاء كي لا تزعج السائد.

تستعيد تلك المرحلة بنبرة هادئة، لكنها لا تخفي ثقلها، مبرزة أن أصعب ما في التجربة لم يكن الجدل بحد ذاته، بل الإحساس بأنها مراقبة ومحاسبة على تفاصيل حياتها اليومية، من طريقة عيشها إلى ما تأكله أو لا تأكله خلال رمضان. كان ذلك، بحسبها، “سببا مباشرا في التفكير بالرحيل وطلب الحماية”.

اليوم، تبدو التفاصيل مختلفة، تجلس سعاد على طاولة في استراحة العمل، تتناول غذاءها دون تردد أو التفاتة حذرة حولها، تصف هذا المشهد البسيط بأنه “انتصار شخصي”، مبرزة أنها وجدت بيئة مهنية لا تسألها عن معتقدها، بل عن التزامها وجودة عملها.

ترى سعاد أن “اللجوء لم يكن هروبا بقدر ما كان بحثا عن مساحة آمنة لممارسة حريتي دون خوف من الوصم أو الاحتقار”، وتؤكد أن الإحساس بالكرامة هو ما تغير أولا، قبل أي شيء آخر. في المغرب، كما تقول، “كنت أشعر أن الاختلاف يضعني تلقائيا في خانة الاتهام، فالمجتمع لا يرحم من يخرج عن القوالب المألوفة”.

قانون يجرم الحرية

تنتقد ليلى الفصل 222 من القانون الجنائي، وترى أنه “ينبغي حذفه وترك حرية الاختيار للأفراد”، مشيرة إلى أن المغرب صادق على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي ينص على حرية الفكر والضمير والدين، وتقول إن “المنطق يقتضي أن يُترك لمن أراد أن يصوم أن يصوم، ولمن أراد أن يأكل أن يأكل، دون تجريم أو وصاية”.

وعن طبيعة الدولة، تجيب بوضوح أنها لا ترى المغرب دولة علمانية تؤمن بالتعدد العقدي والفكري، بل دولة تعرف نفسها دينا، حيث يفرض الإسلام بشكل تلقائي في هوية الأفراد. تقول إنها، رغم إلحادها، تعتبر مسلمة بحكم الولادة والجنسية، وتحاكم بقوانين ذات مرجعية دينية، فقط لأنها وُلدت مغربية.

أما عن المستقبل، فليلى لا تبدو متفائلة، حيث ترى أن الطريق مازال ويلا، وأن المجهود المطلوب كبير حتى يصبح الاختلاف أمرا عاديا لا يثير الريبة. تقول إن لديها نظرة سلبية نسبيا تجاه المنحى الذي يسير فيه المجتمع في هذا الجانب، وتشعر بأن مساحات التعايش وتقبل الآخر لا تتوسع بالقدر الذي كانت تأمله، بل قد تتقلص أحيانا.

فصل صاغه الاستعمار 

تعليقا على هذا الموضوع، انتقدت خديجة الرياضي، القيادية بالجمعية المغربية لحقوق الإنسان، الفصل 222 من القانون الجنائي، معتبرة أنه “من بين الفصول التي تثير نقاشا واسعا بسبب ما تفرضه من تضييق على الحريات الفردية”. 

وأوضحت أن “هذا الفصل ليس وليد السياق التشريعي المغربي بعد الاستقلال، بل تعود جذوره إلى القوانين التي وضعها الاستعمار الفرنسي، حيث أدرج في القانون الجنائي لاحقا رغم أنه صيغ في الأصل في سياق مختلف”. 

وأضافت أن الغاية من هذا الفصل، في مرحلته الأولى، “لم تكن حماية الدين الإسلامي أو عقيدة المسلمين، بل كانت مرتبطة بحماية المواطنين الفرنسيين، عبر منع الإفطار العلني تفاديا لتعرضهم لاعتداءات محتملة من طرف بعض المسلمين”.

كما شددت الرياضي على أن الفصل 222 لا يؤثر فقط على من لا يمارسون الشعائر الدينية، بل “يطرح أيضا إشكالات بالنسبة لأشخاص يملكون، من الناحية الدينية، مبررات شرعية للإفطار، مثل المرضى أو من يعانون من انخفاض السكر أو حالات صحية طارئة قد تضطرهم إلى الأكل أو الشرب في الفضاء العام”. 

وأكدت على أن مثل هذه الوضعيات قد تعرض أصحابها للاعتداء، في حين أن المعتدي هو من يفترض أن يكون في وضعية مخالفة للقانون، معتبرة أن هذا الواقع يشجع بشكل غير مباشر على ما وصفته بـ”قضاء الشارع” أو منطق “شرع باليد”.

وأكدت الرياضي على أن هذا الفصل، إلى جانب فصول أخرى، “لا ينسجم مع الالتزامات الدولية التي صادق عليها المغرب في مجال حقوق الإنسان، والتي تفرض احترام الحريات الأساسية، بما فيها الحريات الدينية وحرية المعتقد”. 

كما اعتبرت أن “الإشكال يتقاطع مع مقتضيات قانونية أخرى تفترض أن كل المغاربة ذوي الأصول المسلمة هم بالضرورة مسلمون، وهو ما وصفته بغير المعقول لأنه يفرض على الأفراد اعتناق دين الآباء، في انتهاك لحرية العقيدة وحرية الاختيار”. 

وأشارت إلى أن هذا الوضع “يؤدي إلى ملاحقة أشخاص وسجنهم بسبب ممارسات عادية، مثل الإفطار خلال رمضان”، مؤكدة على أن “المجتمع بدوره يحتاج إلى تربية على قبول الاختلاف، لأن ترسيخ قيم التعايش والتسامح والتعدد لا يتم تلقائيا بل عبر سياسات عمومية في التعليم والسياسات الدينية تقوم على نشر ثقافة حقوق الإنسان وقبول الآخر”.

وأضافت أن غياب استطلاعات رأي حقيقية، إلى جانب محدودية حرية التعبير وغياب إعلام عمومي مستقل ومنفتح على جميع الآراء، “يجعل من الصعب الحديث عن مفاهيم مثل الأغلبية والأقلية أو معرفة القناعات الحقيقية للمغاربة”. 

وخلصت إلى أن “الأفراد يجدون أنفسهم مضطرين في كثير من الأحيان إلى التعبير بحذر شديد تحت ضغط القانون والثقافة السائدة والخوف من المجتمع، فقط من أجل تفادي المشاكل والعيش بسلام دون تبعات”.

الفصل 222 يتناقض مع حرية المعتقد 

أكدت نبيلة جلال، المحامية والفاعلة الحقوقية، أن “الفصل 222 من القانون الجنائي أصبح محل جدل كبير بسبب التحولات القيمية التي يعرفها المجتمع المغربي”، مشددة على “ضرورة إجراء تعديلات تراعي الدستور الذي ينص على حرية المعتقد”.

وقالت جلال، في تصريح لمنصة “هنَّ”، إن “المسألة تتعلق بحرية فردية خالصة، ولا سبب للتجريم أو العقوبة الحبسية على اختيار شخصي لا يضر بالآخرين، فالمجتمع يتسم بالتنوع، ووجود أشخاص لا يصومون أو لا يقومون بشعائر الصوم لا يجب أن يعاقبهم القانون”.

وأضافت أن “الفصل الحالي يتناقض مع ما نص عليه الدستور المغربي من حقوق وحريات”، مشيرة إلى أن “عقوبة الإفطار في الدين هي الكفارة وليس السجن، وبالتالي فإن استمرار هذا النص القانوني غير متناسق مع ما وصل إليه المغرب في مجال الحريات الدينية وحقوق الإنسان”.

وترى جلال أن “الأمر يدخل في إطار الحرية الفردية وحق كل شخص في ممارسة معتقداته الدينية”، مؤكدة على أن “قيم التعايش والتسامح يجب أن تكون أساس التعامل مع من يختلف في العقيدة”. 

وأوضحت أن “العالم أصبح اليوم قرية صغيرة بسبب العولمة، والمغاربة يلاحظون يوميا في دول أخرى أن الناس يفطرون في رمضان، وهذا لا يزعزع عقيدتهم، لذلك المسألة مرتبطة أكثر بالثقافة منها بالدين، وإلغاء الفصل 222 قد يسهم في تعزيز التسامح”.

واختتمت جلال تصريحها بالتأكيد على أن “غير المسلمين من الأجانب محفوظة حقوقهم، في حين أن المغاربة غير المسلمين أو اللادينيين يواجهون نوعا من القمع المجتمعي والقانوني، ولا يستطيعون التعبير بحرية عن اختياراتهم الدينية بسبب الفكر المحافظ والقانون الذي يحتاج إلى تعديل يتناسب مع متغيرات العصر”.

الإفطار في رمضان حرية شخصية لا تمس الآخرين

قالت سمية الركراكي، الناشطة الحقوقية بالجمعية المغربية لحقوق الإنسان، إن “ممارسة حرية الإفطار في رمضان لا تشكل أي مشكلة بالنسبة لها كمسلمة ومؤمنة”، مؤكدة على أن “هذا الجدل يسقط المجتمع في دوامة تناقضات ونفاق اجتماعي، حيث يلاحظ أن البعض ينخرط في سلوكيات خاطئة طوال العام من سكر وتناول للمخدرات، ثم يم يمتنع عنها ليحكم على سلوكيات الآخرين بمجرد حلول رمضان”.

وأضافت الركراكي أن “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تدافع عن حرية المعتقد والحريات الفردية، وكل شخص سيحاسبُ على أفعاله أمام الخالق وليس أمام الإنسان، وأن السلوكات الدينية تتعلق في الأصل بعلاقة عمودية بين العبد والإله، فقط لا غير”.

وأوضحت الحقوقية أن “الحق في الحرية الفردية يشمل كل شخص بغض النظر عن معتقداته، وأن ما يؤمن به أو لا يؤمن به يخصه وحده ولا يخص الآخرين، والمسألة روحانية لا يحق لأي أحد التدخل فيها أو إصدار أحكام”، على حد وصفها.

وأكدت الركراكي على أن “السلطات يجب أن تركز على القضايا الحقيقية التي تمس المجتمع، مثل الجرائم والاعتداءات والسرقات”، وخلصت إلى أن “الصوم أو الإفطار سلوكات فردية لا يشكل أي خطر على المجتمع”.

اقرأ أيضا

  • السُّمْنة في موريتانيا.. طريقُ الجمالِ المفروشُ بِالمخاطر

    السُّمْنَةُ، مفهوم جعل كتلة المرأة مرادفًا لثراء الأهل، وشرطًا للزواج في موريتانيا، فهي معيار للجمال لدى المجتمع الموريتاني، وعلى الرغم من خفوتِ التسمين القسري التقليدي، المعروف محليًا بـ"لَبْلُوحْ" أو "اَلتًّبْلَاحْ"، والذي تدرجه الكثير من المنظمات الحقوقية في خانة "العنف ضد المرأة"، إلا أن بعض الشابات تقمن بممارسات جديدة من أجل الوصول لهذا "المثل الأعلى" من…

    Hounna | هنّ|

  • الولادة العنيفة.. تمزقات وهبوط الحوض معاناة خفية تنهك أجساد الأمهات بصمت

    لحظة الولادة، التي يفترض أن تكون لحظة دافئة يملؤها الحب والأمل، حين تستقبل الأم مولودها الجديد، ولكنها تتحول في كثير من الأحيان إلى كابوس مؤلم يمتد تأثيره إلى ما بعد غرفة الولادة والعمليات.  "عنف التوليد"، ذلك الوحش الصامت الذي يتربص بالنساء في أضعف لحظاتهنَّ، لا يكتفي بسرقة فرحة الأمومة، بل يترك ندوبًا عميقة في أجسادهن…

    عائشة ولد حبيب|

  • مدونة الأسرة المغربية.. دعمٌ أم عائقٌ أمام المطلقات والأمهات العازبات؟

    بشرة بيضاء ناصعة، شعر حريري ويدان بضتان رطبتان، اسمه سلمان، رضيع كله براءة ورقة، لا يختلف البتة عن باقي الأطفال، مايزال لا يعرف شيئا عما يجري حوله، وليست لديه أية فكرة عما ينتظره من صعوبات لا ذنب له فيها، وحدها أمه تحميه من عبث الحياة، من النظرة القاسية للأقرباء قبل الغرباء، وحدها أمه تتحدى العالم…

    عفراء علوي محمدي|

  • حوار| سناء عكرود: القانون لا يُنصف المرأة دائمًا وفيلم ‘الوصايا’ يفضح هذا الظلم! 

    بتواضع وابتسامة عريضة، تحكي سناء لميكروفونات الصحفيين، خلال العرض الأول لفيلمها "الوصايا" بالدار البيضاء، عن سعادتها وهي ترى الإقبال الكبير الذي يعرفه الفيلم، حيث امتلأت كراسي القاعة عن آخرها من أجل مشاهدة هذا العمل الفني الذي جعل من معاناة النساء بسبب القوانين المجحفة موضوعه المحوري. انتقلت “هنّ” إلى عين المكان بسينما “ميغاراما” لمشاهدة العرض الأول…

    عفراء علوي محمدي|