تواجه الجزائريات السوداوات واقعاً يضطرّهن لخوض معركة يومية لإثبات جزائريتهنّ؛ حيث يُحاصرن دائما بنظرة تختزل وجودهن في خانة الوافدات أو الأجنبيات، وكأن ملامحهنّ غريبة عن جغرافيا الوطن. لا تقتصر هذه المعاناة على الهوية فحسب، بل تمتد في شكل ضغوطات نفسية واجتماعية حيث يتقاطع النوع مع العرق؛ فتصبح المرأة السوداء ضحية لتمييزٍ مركّب يتداخل فيهِ البعد الجندري بالبعد العنصري، ما يحوّل المضايقات اللفظية إلى ممارسات أكثر قسوة وتعقيداً.
حين تصبح المواطنة بحاجة إلى إثبات
تبدأ حكاية هبة امرأة ذات بشرة سوداء من الجزائر العاصمة (21 سنة) من مقاعد الدراسة، حيث لم تكن العنصرية مجرد تنمرعابر بين أطفال، بل تجربة كشفت لها مبكراً عن خلل في الوعي التربوي. تسترجع هبة تلك الذكريات قائلة: “تعرّضت في صغري لإهانة عنصرية صريحة من أحد التلاميذ، وحين انتظرت من أستاذتي موقفاً حازماً، جاء ردّها غير ناضج وأشد وطأة؛ إذ قالت له: (أنت لست أبيضاً بعيون زرقاء لتقول لها ذلك!)”.
في تلك اللحظة، تسرد هبة: “شعرتُ أن الأستاذة تشرعن العنصرية للأكثر بياضاً، كما كنت ألاحظ وجود تفضيل غير مباشر لبعض التلاميذ، خاصة أولئك الذين يطابقون معايير جمالية معينة، مثل البشرة الفاتحة والعيون الزرقاء، حيث كانوا غالبًا ما يُنظر إليهم على أنهم الأجمل أو يُمنحون اهتمامًا أكبر. هذا التمييز غير المعلن يخلق شعورًا بعدم المساواة، ويؤثر على الثقة بالنفس منذ سن مبكرة”.
هذا التمييز المبكر غرس مسافة بين هبة وبين الفضاء العام، لتجد نفسها اليوم، وهي ابنة العاصمة، تعيش اغتراباً داخل مدينتها. وتستطرد لمنصة “هنّ”: “أشعر أحيانًا أنني أُعامَل كوافدة غريبة وليس كابنة لهذه المدينة، خاصة عندما يتكرر سؤال: من أين أنتِ؟”. قد يبدو السؤال عاديًا في ظاهره، لكن تكراره بنبرة تحمل الشك يجعلني أشعر أن انتمائي موضع تساؤل دائم، خصوصًا عندما يُتبع بأسئلة مثل “متى أتيتِ إلى هنا؟” أو “هل تعيشين في الإقامة الجامعية؟”، وكأن وجودي هنا مؤقت أو غير أصيل. هذا الإحساس يخلق مسافة بيني وبين المكان، وكأن عليّ في كل مرة أن أُثبت حقي الطبيعي في الانتماء .
أما عن الضغوطات التي تواجهها في الأماكن العامة فتكمل بحسرة يأخذ التحرش طابعًا عنصريًا مرتبطًا بلون بشرتي؛ فكثيرًا ما تُوجَّه إليّ تعليقات تُركز على لوني، مثل تشبيهي بعبارات ذات طابع جنسي أو ألفاظ تُشيّئني بطريقة مهينة مثل كحلة وفي الفراش تحلى (يعني المرأة السوداء جيدة في الفراش). وعندما أردّ، يتحول الخطاب إلى استحضار عبارات تحمل دلالات تاريخية مهينة، مثل الإشارة إلى العبودية، وكأنني لا أملك الحق في الدفاع عن نفسي ،هذا النوع من الإساءات يُقدَّم على أنه ‘مزاح’، لكنه في الحقيقة اختزال عنصري، مثل تشبيهي بالحيوانات أو مناداتي بأسماء لاعبين سود، وغالبًا رجال، وكأن أي شخص أسود يمكن أن يمثلني. هذا الكلام يكشف طريقة تفكير نمطية تختزل الإنسان في لونه فقط”.
هذا التشييء الذي تعيشه هبة يومياً، يجد جذوره في متخيل اجتماعي مغاربي رصدته دراسة أكاديمية حديثة بعنوان ‘النساء السود في المغرب: البناء الاجتماعي والتاريخي – جنس عنصري’، نُشرت في مجلة ‘ليكسوس’ (العدد 60، يناير 2026)، يفكك الباحثان ياسين يسني وفاروق طاهري تلك الصورة النمطية التي تحصر المرأة السوداء في ‘قوة جنسية منحرفة’ مؤكدان أن صورة القوة الجنسية المنحرفة للمرأة السوداء تظل من أقدم الصور وأكثرها تجذراً في المخيال الاجتماعي المغربي؛ فمن بين العبارات الأكثر شيوعاً التي تسمعها المرأة المغربية السوداء هي جملة: “العزية دوا البرد” (السوداء هي علاج للبرد/المرض). نجد نفس التمثلات في تونس، حيث تذكر خولة كسيكسي العديد من جمل التحرش التي تتعرض لها السوداوات في الشارع التونسي، مثل: “النساء السوداوات يصفين الدم” و “مضاجعة امرأة سوداء هو علاج، خاصة في الشتاء”.
تسترسل خديجة إمراة سوداء تقطن بالجزائر العاصمة (27 سنة) في وصف هذا النوع من التغريب الذي يمارسه المجتمع عبر اللغة والنظرات، فتقول لمنصة “هنّ”: “بصراحة، لم أشعر قط بالانتماء؛ لأن الناس حتى وإن لم يقولوا ذلك بألسنتهم، فإن عيونهم تفعل. كمثال على ذلك : عندما أذهب إلى السوق، يبدأ البائع بالشرح لي وكأنني ‘ضيفة على المدينة’، وأنا حقاً أكره ذلك حتى وإن فعلوا ذلك من باب الضيافة. قبل ارتدائي الحجاب، كان الناس يتحدثون إليّ بالفرنسية ظناً منهم أنني لا أفهم العربية، وبمجرد أن يعرفوا الحقيقة تظهر على وجوههم نظرات الاستغراب: ‘أوه، كيف يعقل هذا!’. في أغلب الأوقات، يرمقونني بنظرات توحي بالتفوق والتعالي، فقط لأن بشرتهم بيضاء ولأنهم من سكان العاصمة!”
أما عن معاناتها لإثبات جزائريتها تضيف قائلة “عندما كنت أصغر سناً، كنت أشعر برغبة ملحة في الدفاع عن أصلي وإثبات أنني جزائرية. أتذكر عندما كنت في سن الـ11 أو الـ12، وكان منتخبنا الوطني يلعب في كأس العالم؛ ذهبت لشراء بعض الملصقات والأغراض الجزائرية لتشجيعهم، فقال لي البائع مستنكراً: ‘لماذا تشترين أغراضاً جزائرية! هل أنتِ جزائرية أصلاً؟’. كنت مجرد طفلة، والشيء الوحيد الذي خطر ببالي لإثبات جزائريتي هو قولي: ‘لدينا حارس المرمى (مبولحي)، إنه أسود ولكنه جزائري!’. الآن وقد كبرت، أتساءل: لماذا كلفت نفسي عناء التبرير؟ لكنني كنت ضعيفة وحساسة جداً تجاه هذا الموضوع”.
لم تتوقف معاناة خديجة عند محاولتها لإثبات هويتها الوطنية بل امتدت حتى التأثير على مسارها المهني فعن التمثيل الإعلامي للنساء الجزائريات السودوات تقول خديجة “عندما كنت أرسل سيرتي الذاتية، كنت أواجه دائماً وجوهاً مصدومة في المقابلات، وكأنهم لم يتوقعوا رؤية امرأة سوداء تترشح لبرنامج تلفزيوني. لقد أثر ذلك صراحة على ثقتي بنفسي، لأنني لم أكن أتخيل يوماً ولم يخطر ببالي أبداً أن كون المرء أسود قد يمثل عائقاً!”
وجدير بالذكر أنه في الجزائر يوجد تمثيل إعلامي قليل للنساء السوداوات وهذا الغياب في تمثيلهنّ يعزز صورة نمطية سلبية عنهنّ، كمثال على ذلك تتويج الجزائرية خديجة بن حمو، وهي امرأة سوداء من الصحراء الجزائرية، بلقب ملكة جمال الجزائر لعام 2019 أثار جدلاً حاداً وموجةً من السخرية والتعليقات العنصرية التي تهجمت على لون بشرتها وادعت بشدة أنها لا تمثل جمال المرأة الجزائرية.
أيضا ما حدث للمؤثرة الجزائرية بركة مرزاية عام 2023 يجسد هذا التمثيل القليل، حيث تعرضت لتعليقاتٍ عنصرية جعلتها تخرج وتبكي بحرقة معبرة عن التنمر والعنصرية التي تواجه النساء السودوات والجزائريون السود بصفة عامة في الفضاءات العامة.
عن نسيان السوداوات في الأرشيف النسوي
من منطلق أن ”التاريخ يكتبه المنتصرون دائماً”، نفهم لماذا يغيب سواد البشرة عن سجلات النضال النسوي في المنطقة المغاربية؛ حيث كُتبت الحكاية بأقلام نساء امتلكن امتياز البياض والقدرة على الوصول إلى المجال العام، مما حول تاريخ النساء السوداوات إلى مجرد هوامش غير مرئية وهذا ما يستدعي العودة إلى أرشيف النضالات النسوية في المنطقة المغاربية.
في هذا السياق، يرى الباحثان ياسين يسني وفاروق طاهري في الدراسة التي تم ذكرها سابقا، أن النسويات المغربيات لم يتحدثن عن هذا الامتياز الذي أعفاهن من أشكال عديدة من الاضطهاد المرتبط بتقاطع التمييز العرقي والجنسي في العمل؛ إذ وفر لهنّ “بياضهنّ” الوقت والجهد للتفرغ للكتابة والنضال.
هذا الامتياز ليس صدفة، بل هو نتاج توزيع غير عادل للأعباء؛ كما تبين فرانسواز فيرجيس في مؤلفها “بطون النساء: الرأسمالية، العنصرية، والنسوية” أن التاريخ يظهر بأن النساء “غير البيضاوات” هنّ من تحملنَ العمل غير المرئي في مجال “الرعاية”، بصفتهن مربيات وخادمات وممرضات للنساء البيضاوات، مما سمح للأخيرات بالتحرر المهني والنضالي على حساب استغلال السوداوات.
وفي تونس، هذا الاستغلال التاريخي يُترجم اليوم إلى واقع تعيس تصفه خولة كسيكسي في حوارها مع وكالة أنباء المرأة قائلة “تعاني النساء السوداوات من تمييز اقتصادي واجتماعي يضعهن في “قاع السلم الاجتماعي”، نتيجة غياب سياسات واضحة تضعهن في موقع الند مع صاحبات البشرة غير السوداء، مما يجعلهن عرضة لاستغلال مستمر مبني على لون البشرة”.
بالانتقال الى الصعيد الجزائري، فإن القضية تتخذ أبعاداً أكثر تعقيداً تتجاوز مجرد ضعف التمثيل لتصل إلى ما تصفه الناشطة النسوية والباحثة المستقلة في شؤون النساء السودوات فريال فاطمة الزهراء دحماني بـ”غياب مقاربة تحليلية تعترف أصلاً بوجود بُعد عرقي داخل التجربة النسوية نفسها”.
وتقول فريال لمنصة “هنّ”، أنه غالباً ما يُطرح خطاب “المرأة الجزائرية، بصيغة جامعة، تُفترض فيها وحدة التجربة والنضال، وهو افتراض يُخفي تفاوتات عميقة مرتبطة باللون، والجغرافيا، والانتماء الطبقي. داخل هذا الإطار، يتم التعامل مع قضايا النساء السوداوات إما كمسألة ثانوية، أو يتم تجاهلها بالكامل. حتى في توثيق وأرشفة النضال غالبا ما يتم تناسي وجوه ، أسماء و أعمال المرأة السوداء تجاهلا أو ربما حتى قصدا مما يؤدي إلى امتداد النظام الطبقي والعنصري داخل النضال. لتجد المرأة السوداء نفسها ، نسوية كانت أم لا، بين حاضر مُغَيّب وماضِ لم يؤرخ وذاكرة نسائية ونسوية منقسمة، يصعب فهمها أو حتى العثور عن ورقتها”.
وتؤكد على أنه “في الفضاءات النسوية الجزائرية، لا يزال الحديث عن “السواد” يُقابل أحياناً بالصمت أو بالارتباك أو حتى بالإنكار، وهو ما يعكس ما يمكن تسميته بـ”إنكار العرق” داخل الخطاب التقدمي، فإنكار بعض النسويات للممارسات العنصرية داخل الفضاء النسوي لا يعني غيابها، بل على العكس، يسمح باستمرارها دون مساءلة ودون تفكيك جذورها مما يعيق المسألة النسوية عامة ومسألة النسوية السوداء خاصة. دافعا بالمرأة النسوية السوداء الى اخلاء الساحة النسوية و التوجه الى الانفرادية النضالية والاستقلالية البحثية فهذا التهميش البنيوي مهما كانت صفته و مجاله له آثار مباشرة على مستوى تشكّل الهوية و نظرة النفس فالمرأة التي لا ترى نفسها ممثلة في الخطاب النسوي (حاضرا و ماضيا)والذي من المفترض أن يكون تقاطعيا، تجد نفسها في موقع تفاوض دائم مع انتمائها، بين الظهور المشروط أو الغياب المفروض وطموح مخنوق بواجب إثبات الانتماء وعقوبة عدم التمثيل”.
وتخلص فريال إلى أنه من منظور بحثي “لا يمكن الحديث عن نسويةٍ شاملة دون إدماج تحليل تقاطعي يأخذ بعين الاعتبار تداخل أنظمة الهيمنة. كما لا يمكن بناء خطاب تحرري دون الاعتراف بالنساء السوداوات كفاعلاتٍ مركزيات، ماضيا ، حاضرا و مستقبلا ، ليس فقط كـ”موضوعات” للنقاش، بل كمنتِجات للمعرفة وقادراتٍ على إعادة صياغة أولويات النضال و قيادته”.
صراع اللون والطبقة والذاكرة في المجتمعات المغاربية
الباحثة الجزائرية ليديا سعيدي في أطروحتها للماستر (2021) حول أرشيفات العبودية، تؤكد أن أصول الاستعباد في الجزائر تعود إلى تداخل معقد بين ثلاثة مسارات: “تجارة العبور عبر الصحراء”، “التجارة المتوسطية” (الأسرى)، و”التجارة الشرقية”. غير أن نقطة التحول الجوهرية في تاريخنا الاجتماعي لم تكن في وجود العبودية بحد ذاتها، بل في “عرقنتها”؛ فقبل عام 1816، كانت العبودية نظاماً عابراً للألوان يضم أسرى أوروبيين “بيض” إلى جانب الأفارقة “السود”. وبتحرير العبيد البيض قسراً بعد قصف الأساطيل الأوروبية للجزائر، انفرد الأسود وحده بحملِ وزر هذه الصفة في المخيال الشعبي، ليتحول لونه من مجرد “هوية” إلى “وصمة” تلازم التبعية والخدمة.
وفي الوقت الذي كانت فيه تونس المجاورة تصنع الاستثناء التاريخي بإلغاء الرق عام 1846 استناداً إلى مرافعات شرعية وإنسانية سبقت بها “فرنسا الليبرالية”، كان الواقع في الجزائر يعيش تناقضاً صارخاً. فرغم مرسوم الإلغاء الفرنسي لعام 1848، اختار الاستعمار استراتيجية “الموت البطيء” للعبودية؛ حيث تماهت الإدارة الاستعمارية مع رغبة الأعيان والوجهاء في الاحتفاظ بعبيدهم المنزليين لضمان الولاء السياسي، بل ووصل الأمر إلى حد إعادة العبيد الهاربين لأسيادهم. هذا التواطؤ التاريخي جعل تحرير السود في مناطق الجنوب يتأخر لأكثر من نصف قرن (حتى عام 1906)، مما رسّخ عزلهم في “هامش” المجتمع، وترك جرحاً هوياتياً لم تندمل آثاره حتى في جزائر الاستقلال.
أما رحال بوبريك في دراسته المنشورة في العدد 14 من مجلة أسطور بعنوان “سوق العبيد تجارة الرق في مغرب القرن التاسع عشر” يرى أنه منذ بداية العلاقات التجارية عبر قوافل الصحراء بين المغرب وبلاد السودان الغربي في العصور الوسطى، كان العبيد يمثلون جزءاً من “السلع” التي تجلبها تلك القوافل في ظل مجتمع كانت فيه العبودية مؤسسة اجتماعية قائمة، حيث استمرت هذه التجارة دون انقطاع بين ضفتي الصحراء حتى أواخر القرن التاسع عشر؛ ومع التطور الذي شهدته هذه الحركة التجارية ابتداءً من ثلاثينيات واربعينيات ذلك القرن، وصف الباحث الأمريكي جون رايت المغرب بأنه “آخر أكبر أسواق العبيد”، خاصة بعد انهيار التجارة مع السودان الغربي في البلدان التي مُنع فيها الرّق كالجزائر، ليبيا ثم تونس منذ أواسط القرن التاسع عشر، ليظل المغرب وحده السوق المفتوحة لهذه التجارة حتى حدود بداية القرن العشرين، رغم أن العبودية لم تُمنع رسمياً إلا بعد ذلك بعقود”.
أمام هذا الجرح الهوياتي تبرز ضرورة تفكيك البنى الاجتماعية التي تعيد إنتاج هذا العرف وهذا ما يوضحه الباحث في علم الاجتماع مجتبى الهميسي الهرمي من تونس لمنصة “هنّ” قائلا “يشكّل مسار ‘عرقنة العبودية’ في الفضاء المغاربي لحظة حاسمة في ترسيخ الربط بين السواد والدونية داخل المخيال الجمعي؛ فبعد أن كانت العبودية مرتبطة تاريخياً بالأسر والحرب والانتماء الديني، أدى تراجع استرقاق الأوروبيين وتحرير الأسرى البيض إلى إعادة توجيه منظومات التبعية نحو إفريقيا جنوب الصحراء، ما حوّل ‘العبد’ تدريجياً إلى فئة مُعرقنة تُختزل في اللون الأسود، وهو تحول لم يكن اقتصادياً فقط بل رمزياً أيضاً، حيث تم التطبيع من هذا الربط داخل الوعي الجماعي عبر اللغة والتمثلات اليومية”.
ورغم إلغاء العبودية، يضيف الهرمي “استمر هذا الإرث في أشكال مضمرة من “العنف الرمزي” وفق تحليل بيير بورديو، ليُعاد إنتاجه في السياقات الحضرية المعاصرة، خاصة في وضعية المرأة السوداء التي تتقاطع فيها أنظمة الهيمنة العرقية والجندرية، فتُختزل أحياناً في صورة نمطية تجعل جسدها أكثر عرضة للتشييء والتحرش والإقصاء؛ وهو ما يظهر بدرجات متفاوتة في تونس والجزائر والمغرب، حيث تتعايش التحولات القانونية والحقوقية مع استمرارية تمثلات تاريخية عميقة، دون أن يعني ذلك حتمية هذا المسار، بل يظل مجالاً مفتوحاً لإعادة التفاوض الاجتماعي وإنتاج أشكال مقاومة تعيد تعريف المكانة والهوية خارج هذا الإرث”.
أما عن تفكيك الحدود العرقية يوضّح المتحدث أنه “رغم الطابع الريادي لإلغاء الرق في تونس سنة 1846، فإن المراسيم القانونية لم تستطع تفكيك “الحدود العرقية” لأنها استهدفت البنية القانونية دون أن تمسّ البنيات الاجتماعية العميقة التي تعيد إنتاج التراتبية؛ فمن منظور سوسيولوجي، يبيّن ماكس فيبر أن الفوارق الاجتماعية لا تقوم فقط على القانون بل على ‘الاعتبار الاجتماعي’ الذي يستمر عبر الأعراف والتمثلات. في هذا الإطار، استمرّت ‘وصمة العبيد’ في تونس، كما في الجزائر والمغرب، عبر مؤشرات مثل الألقاب، التمركز المجالي، وأنماط الزواج، بما يعكس ما يسميه بيير بورديو ‘العنف الرمزي’ الذي يُحوّل التاريخ إلى طبيعة”.
“أما في الخطابات النسوية والحقوقية المعاصرة، فرغم دورها في كشف التمييز، فإنها أحياناً تعيد إنتاج هذه الحدود بشكل غير مباشر حين تُؤطر معاناة النساء السوداوات ضمن سرديات ضحية ثابتة أو ضمن مقاربات عامة لا تأخذ تقاطع العرق والنوع بعمق كافٍ، وهو ما يجعلها غير قادرة دائماً على تفكيك الجذور الاجتماعية للتمييز. هكذا يتبيّن أن تجاوز هذا الإرث في تونس، كما في بقية بلدان المغرب العربي، لا يمر فقط عبر القانون، بل عبر تفكيك المخيال الاجتماعي وآليات إعادة إنتاجه داخل الحقول الثقافية والحقوقية نفسها”، يوضح الهرمي.
ويشدد على أنه “لا يُفهم إنكار العنصرية في المغرب الكبير ببساطة كحماية مباشرة لـ’امتياز البياض’ بالمعنى الأوروبي، بل كتركيب سوسيولوجي–سياسي أكثر تعقيداً، حيث تُغطّى التراتبيات الموروثة الناتجة عن ‘عرقنة العبودية’ وترسّخها في المخيال بخطابات رسمية وأمنية تُقدّم المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء كتهديد ديمغرافي أو أمني؛ وهنا يتقاطع ما هو اجتماعي مع ماهو سياسي، إذ تُعاد صياغة تمثلات قديمة (الربط بين السواد والدونية أو الهشاشة) داخل لغة معاصرة عن ‘السيادة والاستقرار’، بما يجعل الرفض يبدو عقلانياً أو مشروعاً. هذا ما يمكن قراءته، مع بيير بورديو، كإعادة إنتاج لـ’العنف الرمزي’ عبر تحويل التاريخ إلى خطاب أمني طبيعي، ومع ميشيل فوكو كآلية سلطة تُحدّد ما يُقال وما يُخفى”.
ويخلص إلى أن هذا “لا يلغي التعدد داخل المجتمعات المغاربية نفسها، حيث توجد أيضاً مواقف مناصرة ومقاومة ترى في هذه القضية صناعة سياسية ظرفية وتؤكد على وحدة الإنسان. لكن أثر هذا الالتباس ينعكس على الحركات النسوية، إذ يحدّ من قدرتها على تبني مقاربة تقاطعية صريحة، فبين خطاب عام يتجنب تسمية العنصرية وخطاب سياسي يؤطرها أمنياً، تجد المرأة السوداء نفسها بين مستويين من التهميش، ما يعيق بناء تضامن نسوي يعترف فعلياً بخصوصية تجربتها”.
وبناءً على هذا الواقع، تلتقي كافّة مصادر التي استشارتها منصّة “هنَّ”، حول ضرورة الانتقال من التحرر القانوني الشكلي إلى التفكيك السوسيولوجي العميق لإرث “عرقنة العبودية”، والاعتراف بالمرأة السوداء كفاعلة مركزية ومنتجة للمعرفة، لا مجرد موضوع للدراسة أو التشييء. فلا يمكن بناء مستقبل تقاطعي في المغرب الكبير ما لم يتوقف المجتمع عن إعادة إنتاج الوصمة التاريخية، وما لم يُعد كتابة تاريخه بأقلامٍ تتسع لجميع الوجوه والنضالات دون إقصاء.















