ليست راضية النصراوي اسمًا عابرًا في تاريخ المحاماة التونسية، ولا هي مجرّد وجه حقوقي ارتبط بمرحلة سياسية بعينها؛ بل هي واحدة من الشخصيات التي جعلت من القانون ممارسة أخلاقية يومية، ومن الدفاع عن الحقوق فعل مقاومة طويل النفس، امتد من قاعات المحاكم إلى الشوارع، حيث كانت في 14 جانفي 2011 تقف أمام وزارة الداخلية، تواجه أعوان الدولة بصبر وصلابة، حاملةً ملابسًا لزوجها المعتقل، كرمزٍ للكرامة والمقاومة في لحظة تحوّل تاريخي.
منذ انخراطها المبكّر في الحركة الطلابية، وصولًا إلى مسيرتها كمحامية في أكثر القضايا حساسية، شكّل مسارها تماسًّا مباشرًا مع السلطة والعنف وسؤال العدالة في أكثر صوره قسوة، حاملةً معها دائمًا حضورًا رمزيًا في ذاكرة الثورة، حيث الجسد القانوني والالتزام المدني يلتقيان في مواجهة الظلم.
النشأة وبداياتُ الوعي السياسي
وُلدت راضية النصراوي سنة 1953 في ولاية الكاف الواقعة بالشمال الغربي التونسي، بدأت مسارها الأكاديمي في كنف الحركة الطلابية اليسارية التي صاغت وعيها السياسي والحقوقي منذ أوائل السبعينيات. لم تكن المحاماة بالنسبة إليها مجرد مهنة تقنية، بل فضاءً نضاليًا يمكن من خلاله الدفاع عن حقوق الإنسان وحماية الكرامة في زمن القمع والاستقطاب السياسي.
مع بداية مسيرتها المهنية، لم تقتصر نشاطاتها على الترافع أمام المحاكم، بل امتدت إلى النشاط داخل عدد من الهيئات والجمعيات الحقوقية والنسوية التي تركت بصمات واضحة في الساحة التونسية. من بين هذه المبادرات، كانت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات التي جسّدت صوتًا نسويًا يطالب بالمساواة الفعلية، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان التي أعطت مساحة للتدخل الحقوقي في القضايا السياسية والاجتماعية الكبرى.
كما ساهمت في بعث جمعية العدالة والإنصاف، المعنية بالدفاع عن ضحايا الاستبداد والانتهاكات الجسيمة، وشاركت بعد الثورة في تأسيس جمعية الكرامة للدفاع عن حقوق الإنسان، لتصبح من أبرز الأصوات في متابعة العدالة الانتقالية ومناهضة التعذيب.
ولم يقتصر نشاطها على العمل المحلي، بل امتد إلى التعاون الدولي، من خلال زيارة السجون، ومراقبة أوضاع المعتقلات والمعتقلين، ومتابعة القضايا الدولية المتعلقة بالتعذيب وحقوق الإنسان. كل هذه المسارات لم تكن مجرد عمل مؤسسي، بل امتدادًا طبيعيًا لنضالها اليومي، حيث يجتمع الالتزام الأخلاقي، والمعرفة القانونية، والممارسة الحقوقية الميدانية في كيان واحد متصل، يعكس صلابتها وقدرتها على جعل القانون أداة دفاع وحماية حقيقية، وليس شعارًا على ورق.
رفيقة العمر والدروب
في شهادة زوجها، المناضل اليساري حمة الهمامي، تظهر راضية النصراوي من زاوية أخرى؛ تتجلى صورتها في شهادته لا كمحامية فقط، بل كشريكة حياة تقاسمت مع رفيقها كلفة الالتزام السياسي بكلّ تفاصيله.
يقول الهمامي وهو يستعيد بدايات تعرّفه عليها: “كنّا نتحدّث كثيرًا عن راضية النصراوي. أذكر مكتبها جيّدًا، ذلك الفضاء الذي تبلورت فيه شخصيّتها المهنية. كانت تعمل بتركيز، على ملفات محدّدة، وكانت حاضرة بقوّة ومتشبّثة بمواقفها”.
لم يكن المكتب مجرّد مكانٍ للعمل، بل فضاءًا تداخلت فيه السياسة بالقانون، والعلاقات الإنسانية بالمسؤولية العامة. في تلك المرحلة، كانت راضية النصراوي في بدايات مسارها، لكنها كانت، كما يصفها زوجها: “واضحة في خياراتها، لا تُساوم على جوهر ما تؤمن به”.
يتحوّل السرد عند الهمامي من العام إلى الشخصي حين يقول: “قالت لي يومًا ببساطة: أنا أحببتك. ومنذ تلك اللحظة، صار مسارنا متقاطعًا مع السجن والملاحقة. ندخل ونخرج، نلتقي ونفترق، لكنّها كانت ثابتة”. هذا التداخل بين الحب والنضال لم يكن رومانسيًا، بل قاسيًا؛ استمر لسنين من السرّية، السفر، السجن والقلق اليومي. ومع ذلك، يصف الهمامي راضية في تلك السنوات بأنها “كانت قادرة على الفرح وسط العنف، وعلى الاستمرار رغم الهشاشة”.
يستعيد زوجها مشهدًا من سنة 1981 “كنّا نمشي في ساحة مليئة بالثلوج، وكانت تنزلق وتنهض وتواصل. هذا المشهد لا يفارقني. فهو يختصر شخصيّتها”، وهكذا لم تكن المحاماة بالنسبة إلى راضية النصراوي خيارًا تقنيًا، بل امتدادًا طبيعيًا لمسار نضالي بدأ في الجامعة، ينتكس وينهض وهي ثابتة لا تتغير.
مناضلة دفعت ودفع محيطها الثمن
“كانت تقول إنّ هناك مدرستين في المحاماة. مدرسة تدافع عن أيّ شخص باعتبار ذلك خدمة قانونية محايدة، ومدرسة أخرى ترى أنّ جوهر المحاماة هو الدفاع عن الإنسان ضدّ المعاملة الوحشية”، هكذا يشرح الهمامي رؤية راضية النصراوي بوضوح.
وفي سياق سياسي كان يُقسَّم فيه الناس بين “معنا” و”ضدّنا”، أصرت راضية النصراوي على مبدأ بسيط وجذري في آنٍ واحد: لا أحد يستحقّ التعذيب. لا يساري ولا يميني، لا مذنب ولا بريء. الألم واحد، والكرامة واحدة. ولذلك رفضت، من حيث المبدأ، أيّ محاضر أو اعترافات انتُزعت تحت التعذيب.
لم يكن هذا الموقف نظريًا. بل دفعت ثمنه اعتداءات جسدية، أبرزها سنة 2003، حين جُرّت في الشارع من قبل أعوان شرطة. يتذكّر الهمامي تلك اللحظة قائلًا إنّ “البعض سخر منها واعتبرها مجنونة لم تأخذ جرعتها من الدواء”، بينما كانت هي تصرخ: “أنا محامية، وما تفعلونه اعتداء لأنني أدافع عن حقوق الناس”.
في جانفي 2011، يتقاطع المساران الشخصي والوطني من جديد؛ حيث كانت راضية من أوائل اللذين تابعوا أحداث سيدي بوزيد، ودعت إلى تشكيل لجان دفاع، وشاركت في تنسيق التحركات بين المحاميات والمحامين، والنقابيات والنقابيين، وعائلات الموقوفين والقوى السياسية.
وفي يوم 14 جانفي، بينما كان الشارع يهدر، توجّهت إلى وزارة الداخلية حاملة ملابس لزوجها المعتقل، في مشهد يلخّص علاقتها بالدولة وبالنضال: لا ثقة في السقوط السريع للمنظومات، ولا احتفال قبل ضمان كرامة المعتقلين.
تكشف هذه الشهادة عن بُعد أساسي في شخصية راضية النصراوي، وهي قدرتها على تحويل الالتزام الحقوقي إلى ممارسة شاملة، لا تفصل بين المجال العام والحياة الخاصة. فهي لم تكن “موظّفة حقوق إنسان”، كما يقول الهمامي، بل هي “مناضلة دفعت ودفع محيطها، ثمن هذا الخيار”.
كما تبرز هذه الشهادة وعيها المبكّر بخطورة تسييس العدالة، وإصرارها على مبادئ كونية في زمن الاستقطاب الحاد. هذا ما جعلها شخصية صدامية، غير مريحة للسلطة، وأحيانًا حتى لحلفائها. لكنها في المقابل، رسّخت نموذجًا للمحامية الملتزمة، المشتبكة والمنخرطة؛ والتي ترى في الدفاع عن الحقوق معركة طويلة لا تُقاس بالنتائج السريعة، بل بالثبات.
وفي بعدها النسوي، لم يكن نضالها منفصلًا عن هذا المسار؛ فمنذ السبعينات، كانت جزءًا من حركة نسوية تطالب بالمساواة الفعلية، وتجسّد ذلك في حياتها الشخصية، حيث جمعت بين النضال والعمل والأسرة؛ إذ أنجبت ثلاث فتيات في سياق قمعي ومعقد. وبذلك، فراضية النصراوي لا تمثل رمزًا فرديًا بقدر ما تجسّد تجربة جيلٍ كامل، جيلٌ آمن بأنّ العدالة ليست شعارًا، بل ممارسة يومية، مكلفة، ولكنها لا رجعة فيها.
المسار المناهض للتعذيب
منذ بداياتها، لم تكن راضية النصراوي محامية عادية، بل كانت شخصية فاعلة على الساحة الحقوقية، تجمع بين المعرفة القانونية والالتزام الأخلاقي.
في شهادته عنها، يتذكر المحامي والحقوقي منذر الشارني، أول لقاء له معها في أوائل التسعينيات، ويصفها بأنّها “كانت مركز الاهتمام في الوسط الحقوقي، حاضرة بقوة في متابعة الملفات الحساسة”.
“أذكر أول لقاء لي مع راضية في مكتبها، حيث كان العمل مركزًا ومنظّمًا. كانت تحرص على التركيز على ملفات محدّدة، وتعمل بهدوء وكفاءة، دون أن تجهد نفسها عبثًا.” يقول الشارني.
ومع تصاعد الانتهاكات في تلك الفترة، لم يقتصر نشاطها على الترافع أمام المحاكم، بل شمل العمل على تأسيس المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب، بالتعاون مع زملاء حقوقيين ونشطاء آخرين، بينهم الشارني نفسه.
“أسّسنا المنظمة على أسس قانونية، لتقديمها للسلطات الرسمية وضمان استقلاليتها، لكنها واجهتنا تحديّات كبيرة، من تدخلات أمنية واعتداءات، وحتى محاولة إجبار بعضنا على الانسحاب بالقوة. رغم ذلك، بقيت راضية صامدة، مستمرة في الدفاع عن الحقوق الأساسية.” يُضيف الشارني.
كان الهدف من المنظمة واضحًا منذ البداية؛ توثيق الانتهاكات، دعم الضحايا، وممارسة الضغط القانوني والميداني على المؤسسات الرسمية لضمان محاسبة المسؤولين عن التعذيب: “في جميع المحاكمات التي شاركنا فيها، كانت راضية تضطلع بدور مركزي، سواء في الدفاع القانوني أو في رصد الانتهاكات. وهي كانت دائمًا صوتًا حيًّا للضحايا، لا سيما النساء اللواتي كنّ أكثر تضررًا.”
هذا الدور لم يقتصر على العمل المحلي، بل امتد إلى متابعة القضايا الدولية وتبادل الخبرات مع منظمات حقوقية أخرى، ما جعل اسم راضية يرتبط بالإرث الحقوقي الوطني والدولي.
ويختتم الشارني شهادته بالتأكيد على أنّ ما قامت به راضية من تأسيس المنظمة والعمل المكثف فيها ترك أثرًا مستمرًا، فـ”راضية لم تترك مجالًا دون أن تترك فيه أثرها، سواء في النشاط الحقوقي أو دعم المجتمع، وإرثها مستمر، ويعكس شجاعة والتزامًا لا يعرفها الكثيرون”.
ما يميّز مسار راضية النصراوي الحقوقي ليس فقط الترافع الفردي أمام المحاكم أو الدفاع عن الملفات الحساسة، بل إسهامها المباشر في تأسيس ودعم المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب، التي أصبحت مرجعًا محليًا ودوليًا في توثيق الانتهاكات ومساندة الضحايا.
وعلى رأس هذه المنظمة، ناهضت النصراوي ممارسة التعذيب باعتبارها انتهاكًا ممنهجًا لكرامة الإنسان، وقدمت تقارير ومنشورات تُظهر استمرار التعذيب في أماكن الاحتجاز والسجون، داعية إلى محاسبة مرتكبيهِ وضرورة إقامة آليات وطنية فعّالة للوقاية منه.
لم تحمل المنظمة صوتًا شعاريًا فحسب، بل كانت فضاءً عمليًا لتوثيق شهادات الضحايا، وتقديم استشارات قانونية، والإبلاغ عن حالات الوفاة الناتجة عن سوء المعاملة، فضلاً عن الضغط على السلطات من أجل احترام الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
هذا العمل لم يكن خاليًا من التحديات؛ فقد تعرّضت المنظمة وأعضاؤها للمراقبة والمضايقات من قبل أجهزة الدولة أثناء شيطنة المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان، كما واجهت راضية نفسها تهديدات وملاحقات بسبب نشاطها الحقوقي.
مساهمة راضية لا تُقرأ في تأسيس ومواصلة نشاط المنظمة بوصفها مكوّنًا تنظيميًا فحسب، بل كجزء من استراتيجيتها الحقوقية الأوسع التي تجمع بين التوثيق القانوني، والمرافعة، والمناصرة، وتقديم الدعم لضحايا التعذيب ومن يعانون من الانتهاكات.
“مستعدة للموت من أجل المبدأ”
تعود علاقة المناضلة النسوية حليمة الجويني براضية النصراوي إلى أواخر ثمانينيات القرن الماضي، في فضاء طلابي مسيّس ومشحون بأسئلة الحرية والعدالة وقضايا النساء. لم تكن العلاقة، كما تؤكّد الجويني، ظرفية أو عابرة، بل “تشكّلت داخل مجموعة من الطالبات المنخرطات في نادي الطاهر الحدّاد لدراسة قضايا المرأة”.
“كنّا مجموعة طالبات، نلتقي في إطار نادي دراسة قضايا المرأة، وهكذا بدأت معرفتي براضية”، في تلك المرحلة، لم تكن راضية النصراوي في نظر رفيقتها حليمة الجويني مجرد محامية معروفة، بل مرجعية أخلاقية وفكرية. وكانت اللقاءات بها، في مكتبها بشارع الحبيب ثامر، تتجاوز العمل القانوني إلى نقاشات معمّقة حول القضايا العامة ومعنى الالتزام.
“عندما كُنت أذهب إلى مكتبها لم يكُن حديثنا قانوني فقط، بل كان حديثا عن القضايا، عن النساء، وعن البلاد”، سنة 1982 تشكّلت محطة فارقة في هذه الذاكرة المشتركة. مع اجتياح بيروت، كانت المجموعة نفسها التي تلتفّ حول راضية من بين أوائل من نظّموا تحرّكًا تضامنيًا أمام الجامعة العربية، دعمًا للنساء الفلسطينيات واللبنانيات.
“كنّا تقريبا نفس المجموعة التي ننشط اليوم، وكان تجمّع الجامعة العربية للتضامن مع النساء الفلسطينيّات واللبنانيّات وقت الاجتياح هو يوم انبعاث الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات بشكل غير رسمي قبل أن تُؤسّس الجمعية قانونيا سنة 1989”.
رافقت حليمة راضية في مظاهرات عديدة منذ الثمانينيات، وحضرت معها مرافعات وقضايا سياسية اعتُبرت من الأشدّ تعقيدًا، من بينها ما عُرف بقضية “التنظيم السري”.
وتوضّح الشهادة أنّ المتهمين في تلك القضايا كانوا، في الواقع، فاعلين في حركات التضامن مع فلسطين ولبنان، في سياق إقليمي مثقل بالمجازر والأحكام القاسية، “حضرت معها المرافعات، خاصّة القضايا السياسية وكانت الأحكام حينها قاسية جدّا” تقول الجويني.
في هذا السياق، يبرز دور راضية النصراوي كمحامية اختارت الدفاع عن القضايا التي كانت الدولة تسعى إلى شيطنتها؛ لم يكن دفاعها قانونيًا فقط، بل كان فعلًا سياسيًا وأخلاقيًا قائمًا على رفض التعذيب والمحاكمات الجائرة، وعلى التمسك بحرية التعبير.
“لم تكُن راضية تساوم، فالقضايا المبدئية، التعذيب، حرية التعبير، كلّها كانت خطوطًا حمراء عندها”، وتستعيد حليمة حضور راضية في قضايا اجتماعية كبرى مثل أحداث الخبز سنة 1984، حيث كانت دائمًا في صفّ الفئات المهمّشة. هذا التراكم في القضايا لم يكن صدفة، بل نتيجة خيار واعٍ بالانحياز إلى المبدأ مهما كانت الكلفة.
على المستوى الشخصي، تمثّل راضية النصراوي بالنسبة لحليمة إحدى البدايات الأولى في الوعي النسوي والعمل الجماعي: “بالنسبة لي، فقد تلمّست خطواتي الأولى مع راضية في النسوية، في التجمع، وفي الفكرة النسوية”.
لاحقًا، تطوّر هذا المسار عبر مجموعات نسوية غير رسمية، وصولًا إلى أشكال تنظيمية أوضح، كانت راضية حاضرة فيها، تشجّع على الانخراط وعدم التراجع، وتدفع نحو الربط بين النضال النسوي والدفاع العام عن حقوق الإنسان.
“كانت راضية من الأشخاص الذين شجعّوني على الانخراط المبكّر في الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، كانت مثل أختي، وهي جزء منّي، في التفكير وفي التحرّك”، لم تشكّ الجويني يومًا في نزاهتها أو في صدق التزامها. كانت، في نظرها، امرأة تدافع عن المبدأ إلى آخر رمق، مستعدة لدفع الثمن كاملًا. “ليس هناك أدنى شكّ في نضاليتها ولا في التزامها… مستعدة للموت من أجل المبدأ”.
وتتوقّف الشهادة عند العنف الذي تعرّضت له راضية في أكثر من مناسبة، داخل اجتماعات أو في الفضاء العام. ورغم ذلك، لم تتراجع ولم تساوم: “تعنّفت، وتعرّضت لعدّة اعتداءات، لكنّها لم تقبل التعذيب يوما، ولم تتراجع عن مبدئها”.
في ختام شهادتها، تربط حليمة بين غياب راضية اليوم وبين الفراغ القيمي الذي يطبع المرحلة الراهنة: “اليوم، عندما نرصد الانتهاكات والاعتداءات والايقافات نفتقدها في الساحات، فقد كانت بوصلة في الدفاع عن الحريات”.
غياب راضية في نظر حليمة ليس غياب شخص فقط، بل غياب معنى وصوت ثابت في زمن التذبذب، غياب واحدةٍ من النساء القلائل اللواتي جسّدن الالتزام دون مساومة.
ويجمع كل من عرفوها، أنه لا يمكن الحديث عن راضية النصراوي دون استعادة صورة أخرى محفورة في الوعي الجماعي؛ صورة 14 جانفي 2011. يومها، لم تكن راضية مراقِبة من بعيد، ولا شاهدةً صامتة، بل كانت في الصفوف الأمامية، تواجه أعوان وزارة الداخلية بصلابة جسدٍ أنهكته السنوات، وبقوّة قناعة لم تعرف التراجع. إلى جانبها كانت المرحومة ريم الحمروني، رفيقة اللحظة والشارع، وصوتًا آخر من أصوات تلك الأيام التي كسرت الخوف.



















