مع انطلاق الحملات الانتخابية التي تملأ الشوارع والمنصات الرقمية، تبرز ظاهرة طمس صور النساء المترشحات، كمرآة صادقة للصراع الثقافي والاجتماعي العميق الذي تواجهه المرأة في ليبيا.
فحين تُخفى صور المرشحات أو تُستبدل بأسمائهن فقط، لا يكون الأمر مجرد تجاهل بصري، بل استمرار لمنظومة اجتماعية تحصر المرأة في الظل وترفض الاعتراف الكامل بحقها في الظهور والمشاركة السياسية.
هذه الظاهرة تكشف أن التحدي أمام المرأة ليس قانونيًا فحسب، بل هو أيضًا ثقافي، يتطلب إعادة قراءة الأدوار الاجتماعية وكسر القيود التي تمنعها من التعبير عن نفسها بحرية واعتزاز في الفضاء العام.
وهكذا تتحول الصورة المطموسة إلى رمز لحصار هوية المرأة ورفض المجتمع الاعتراف بها كشريك سياسي لا غنى عنه.
رفض التهميش
المرشحة عائشة صالح تروي تجربتها لمنصة “هنَّ”، معبرةً عن صدمتها واستيائها بعدما فوجئت بطمس صورتها من الملصقات الانتخابية لقائمتها، رغم أنها أرسلتها بنفسها وأكدت رغبتها في نشرها.
وتصف ما حدث بأنه إقصاء رمزي لصوت المرأة ومكانتها وثقتها بنفسها، مؤكدة أن مشاركتها ليست لتكميل العدد، بل باعتبارها ناشطة ذات مشروع سياسي واجتماعي واضح.
“الصورة ليست مجرد شكل، هي جزء من حقي السياسي ومن تواصلي مع المجتمع. إخفاء وجهي يعني إخفاء حضوري، ويقوّض الشفافية ويمنع بناء الثقة بيني وبين الناخبين”، تقول عائشة لـ“هنَّ”.
وعندما سألت مفوض القائمة عن سبب استبعاد صورتها، أجاب بأن جميع القوائم في البلدية لا تضع صور النساء، فاعتقد أن الأمر “طبيعي”. لكنها رفضت التبرير وأصرّت: “أنا أريد أن أظهر، وأُصر على ذلك”.
ورغم إدراكها لحساسية السياق الاجتماعي في منطقتها، لم تتوقع أن نشر صورتها سيقابل بحملة تنمّر إلكتروني، شملت تعليقات مهينة مثل: “مكان المرأة المطبخ، ولا يحق لها تمثيل الناس أو الترشّح للمناصب”.
واجهت هذه الموجة بثقة أكبر، خاصة بعد أن تلقت دعمًا قويًا من محيطها ومن نساء ورجال يعرفون نشاطها، “قبل نشر صورتي، كثيرون لم يتعرفوا علي. بعدها بدأ الناس يدعمونني لأنهم تعرفوا على شخصيتي ومساهمتي في المجتمع”.
وتؤكد أن الصورة ليست كمالية، بل تعبير عن الوجود السياسي: “حين رأيت صورتي مطموسة، سألت: ما الذي يمنع ظهور النساء؟ الصورة هويتي، وتمثلني كإنسانة فاعلة. حتى أصدقاء ابني قالوا له إنهم لم يتوقعوا أن والدته قوية إلى هذا الحد”.
أرفقت عائشة صورتها مع رؤيتها السياسية والاجتماعية لتؤكد أنها ليست مرشحة طارئة، مشيرة إلى أن جميع القوائم في بلديتها خالية من صور النساء، باستثنائها وزميلة أخرى واجهت الطمس نفسه، لكن زوجها دعمها.
“اليوم، نحن المرشحتان الوحيدتان اللتان ظهرت صورنا في الحملات الانتخابية بالبلدية. هذه الخطوة ستفتح الباب لتغيير حقيقي في وعي المجتمع وتشجع أخريات على الترشّح دون خوف”، توضح عائشة.
وتخطط عائشة لإطلاق برامج توعوية حول صورة المرأة ودورها في الحياة العامة، بعدما لاحظت أن نساءً في منطقتها بدأن بالتقرب منها بعد نشر صورتها، باعتبارها كسرت حاجزًا تقليديًا.
“حتى لو لم أفز، فأنا راضية. لأنني فعلت شيئًا لصالح النساء وكسرت الصورة النمطية”، توضح لـ“هنَّ”.
كما روت قصصًا عن مرشحات أخريات تعرضن لضغوطٍ من أجل طمس صورهن، مثل تهديد أحد الإخوة بسحب ترشح شقيقته، أو رفض الزوج، أو خضوعهن لتحالفات القوائم.
وترى أن هذه المعركة “ليست عن صورة فقط، بل عن وجود وكرامة وحق المرأة في أن تُرى وتُحترم كما هي”.
عنف ناعم: الرضوخ للضغوط
على الجانب الآخر، تروي مرشحات أخريات تجاربهن مع الضغوط التي دفعتهن للتنازل عن حقهنّ في الظهور.
آمنة عبدالسلام، (اسم مستعار)، تحدثت لـ“هنَّ”، عن إجبارها على طمس صورتها بضغط من عائلتها رغم رغبتها في الظهور، ووصفت ذلك بأنه “شكل من أشكال العنف الصامت وغير المرئي ضد النساء”.
المرشحة مبروكة سيدي، قالت إن غياب صورتها عن حملتها “لم يكن قرارًا شخصيًا”، بل امتدادًا لنهج اجتماعي في منطقتها اعتاد على عدم نشر صور السيدات.
وزنة محمد واجهت هي الأخرى رفضًا مجتمعيًا لظهور صورتها، ما دفعها لحذف بوسترها واستبداله بآخر دون صورتها.
أما مرشحة أخرى – فضلت عدم ذكر اسمها – فقد رضخت لضغط فريقها الذي نصحها “بعدم إثارة الجدل”، فوافقت رغم شعورها بالتراجع عن مبدأ تؤمن به.
في المقابل، صرحت لـ“هنَّ”، خديجة علي أنها اختارت عن قناعة شخصية عدم إظهار صورتها، لكنها حذرت من أن “تطبيع غياب صور النساء تحت مسمى الاحترام أو الحياء قد يُستخدم لاحقًا كذريعة لمنع النساء من الترشح أو الحديث أو الظهور ككل”.
المرأة بلا وجه لا تمثّل أحدًا
لم يعد طمس صور النساء في الحملات الانتخابية مجرد تفصيل بصري، بل أصبح مرآة تعكس واقعًا مركبًا من الإقصاء السياسي والاجتماعي، وتحمل رسائل رمزية تمس كرامة النساء وتمثيلهن في الفضاء العام، وتعيد إنتاج الهياكل الذكورية في العمل السياسي.
في حديثها لمنصة “هنَّ”، الناشطة مروة سالم وصفت هذه الممارسة بأنها “شكل خطير من أشكال شيطنة حضور المرأة وترسيخ لفكرة أن مشاركتها السياسية لا تؤخذ على محمل الجد”.
وأشارت إلى أن بعض المرشحات، بعد انتخابهن، وقّعن توكيلات لأزواجهن لتولي مهامهن، معتبرة ذلك “خيانة عظمى للنساء والمجتمع”.
من جهتها، ترى الصحفية سلمى مسعود أن “غياب صورة المرأة من الحملات يعكس تواطؤًا إعلاميًا صامتًا وغيابًا للرقابة”، معتبرة أن “الصورة ليست زينة شكلية بل حق تمثيلي سياسي وأداة لإثبات الوجود”.
طمس الصورة: “عقد إذعان سياسي”
المحامية حنان النويصيري وصفت الظاهرة بأنها “عقد إذعان سياسي” يفرض على النساء داخل الفضاء الانتخابي، محذرة من تطبيع هذا العنف البصري وتحويل المرأة إلى عنصر ملحق بالقائمة دون تمثيل كامل.
وتؤكد الناشطة سمية البرعصي أن “تغييب الصورة يكرّس التراتبية الجندرية، حيث يظهر الرجل كفاعل سياسي فيما تُختصر المرأة في اسم فقط”، مشيرة إلى غياب بيئة آمنة تسمح للنساء بالظهور دون خوف أو تبعات.
الأخصائية الاجتماعية، ليلى فرحات أوضحت أن كثيرًا من النساء يخترن الطمس خوفًا من حملات التشويه أو انتقادات الأسرة، ما يجعل الظاهرة أداة إقصاء نفسي واجتماعي تؤدي إلى انسحاب النساء من العمل السياسي.
في المحصلة، تعكس ظاهرة طمس صور المرشحات تحديات مركبة بين الثقافة والسياسة، وتطرح أسئلة جوهرية حول مكانة المرأة وتمثيلها في المشهد الانتخابي الليبي، بين حقها في الظهور واحترام المجتمع لها كمواطنة كاملة الحقوق.














