تشكل عاملات المنازل في موريتانيا جزء كبيرا من سوق العمل في البلاد، حيث يمثلن العمالة غير المصنفة ضمن سوق العمل بأشكال من الأعمال المنزلية التي تتضمن رعاية كبار السن ومرافقة الأطفال والرضع، فضلا عن أعمال الطهي والتنظيف.
عادة ما تلج الفتيات إلى هذا القطاع سعيا إلى القضاء على البطالة، ودعما لأسرهنَّ الفقيرة، وغالبا ما يكن فتيات قادمات من الريف أو من أطراف المدينة والأحياء الهامشية ممن لم يحصلن على فرصة لمواصلة الدراسة والتحصيل العلمي.
ورغم الأعمال الصعبة التي تقوم بها هذه الفتيات، يبقي القطاع من بين أكثر القطاعات هشاشة نتيجة لخصوصيتهِ ولارتباطهِ بالعمل داخل المنازلِ وبعيدا عن التفتيش المنظم والرقابة القانونية، فضلا عن اختلالات كثيرة أخرى تتعلق بتدني الأجور وطول ساعات العمل وغياب الحماية القانونية والاجتماعية وضياع الحقوق.
“انتهاكات جمة”
في ظل غياب تلك الإحصاءات؛ تبرز شهادات فردية من هنا وهناك مشكلة مصدرا أساسيا لفهم طبيعة التحديات التي تواجه عاملات المنازل، وفي هذا الصدد ترى منظمات حقوقية من بينها حركة انبعاث التيار الانعتاقِي “إيرا” أن هذا القطاع “عرف انتهاكات جمة” تتراوح بين تدني الأجور وطول ساعات العمل التي لا تخلص أحيانا إلى بخلود العاملة إلى النوم ليلا، إضافة لغياب عقود عمل مكتوبة.
“ولا يتوقف الأمر هنا، بل يصل إحيانا إلى حد سوء المعاملة وتشغيل القاصرات والإعتداء عليهن لفظيا وبدنيا”، حسب تعبير النشطاء الذين حدثتهم “هنَّ”.
وتتمثل التحديات الأخرى في ضعف التوثيق الرسمي وصعوبة الوصول إلى أماكن عمل السيدات، كونه يقع ضمن الحيز الخصوصي للأفراد (منازل خاصة)، ما يجعل من الصعوبة بمكان التحقق من حجم الانتهاكات أو قياس مداها وتداعياتها، وهو الأمر الذي يفتح المجال لنقاش مستمر حول مكان الخلل، هل تكمن في قصور النصوص القانونية أم ضعف تطبيقها؟ أم تعطيل العمل بها ؟ خاصة إذا ما تعلق الأمر بمنازل أشخاص نافذين.
غياب الإحصاءات يعقّد فهم الظاهر
بالرغم من الأعداد الكبيرة من الفتيات إلا أنه لا تتوفر حتى الآن إحصاءيات رسمية حديثة تتسم بالشمولية ويمكن أن تقدم أرقاما دقيقة حول عدد عاملات المنازل في موريتانيا وخصائصهنّ الديمغرافية والمهنية وطبيعة العقود المبرمة بينهنّ وأرباب عملهنَّ، الأمر الذي يترجم تحديات ،اتساع نطاق العمل غير الرسمي في موريتانيا وتداعياته على الأفراد.
وفي الوقت ذاته تشير تقارير دولية سابقة إلى أن نسبة معتبرة من حركة الاقتصاد في موريتانيا تتم “خارج الأطر القانونية والرسمية، ومن ضمن ذلك العمالة المنزلية”، إلا أن هذه الأرقام تبقى عامة دون أن تقدم تفصيلا واضحا فيما يخص عاملات المنازل، يضاف إلى ذلك كون تقارير أخرى صادرة عن هيئات دولية لم تتضمن حتى الآن أي بيانات وطنية مفصلة تعنى موريتانيا يمكن الاعتماد عليها كتصور واضح لأوضاع هذه الفئة العمالية.
من المعاناة إلى قفص الاتهام
تروي آسيا؛ (اسم مستعار) وهي إحدى العاملات، بدأت قصتها بالعمل بأحد المنازل في نواكشوط؛ “اضطررت إلى دخول سوق العمل بعد وفاة والدي ولأنه لم يكن لدي مؤهل علمي أو تكوين مهني فرضت عليّ متطلبات الحياة هذا الخيار، نظرتي للعمل لمنزلي كانت أنه سيحفظ لي الحد الأدنى من الكرامة، باعتباره عملًا شريفًا يعتمد على الجهد الشخصي. غير أن تجربتي كشفت لي عن هشاشة هذا المجال، حيث تتداخل العلاقات المهنية مع الخصوصية الأسرية، وتغيب الحدود الواضحة بين ما هو مهني وما هو شخصي”.
وتضيف يسرا “عملي بدأ بشكل اعتيادي، قبل أن تبدأ مضايقات من ربّ العمل، تمثلت في تلميحات وتصرفات غير مريحة، كنت أتجاهلها خوفًا من فقدان مصدر رزقي أو التعرض للوصم الاجتماعي”.
لكن، تقول يسرا، وهي تبلع ريقها “الوضع تصاعد عندما حاول الاعتداء علي وتقرب مني وحين رفضت كانت الصدمة الكبرى؛ حيث اتهمني بالسرقة، لأجد نفسي في موقع المتهمة بدل الضحية. ولو لا تدخل ابن خالتي الذي تواصل مع جهة حقوقية لكنت في السجن”.
“تم إغلاق الملف لعدم وجود أدلة، لكنني خرجت من التجربة بقناعة راسخة بأن الفقر لا ينبغي أن يكون مبررًا للإهانة والتحرش والاستغلال، العمل داخل المنازل ينبغي أن لا يسلب العاملة حقها في الأمان والكرامة ورفض”.
التشريع قانوني كفيل بحماية العاملات
يرى الأستاذ ابراهيم بلال رمظان، رئيس هيئة الساحل للدفاع عن حقوق الإنسان ودعم التعليم؛ أن “ملف عاملات المنازل في موريتانيا في أمس الحاجة إلى معالجة قانونية عاجلة، وذلك من خلال إصدار ترسانة قانونية عاجلة تنظم هذا القطاع بشكل واضح ومفصل، موضحا أن غياب الإطار القانوني الدقيق جعل العلاقة بين العاملات وأرباب عملهن قائمة غالبا على تفاهمات شفوية، الأمر الذي فتح الباب أمام اختلالات في موازين القوة بين الطرفين”.
ويدعو رمظان إلى أن “يتضمن أي تشريع مقبل تحديد ساعات العمل والعطل، والحقوق الصحية والاجتماعية، وإلزامية وجود عقود مكتوبة؛ مع تفعيل آليات الشكاوى والحماية القانونية للعاملات في المنازل”.
في 4 فبراير 2026، تقدمت حركة “إيرا” بشكوى نيابة عن طفلة تبلغ من لعمر 11 عاماً تمارس عمالة المنزل، واعتبرت الحركة المناهضة للمعبودين أنها “حالة استعباد واستغلال قاصر”، والتي قوبلت من طرف النيابة بحفظ المسطرة القانونية في القضية، مشيرة إلى أنها “تلفيق”، ليعقب ذلك استدعاء نشطاء الحركة الذين تقدمو بشكوى في الملف، وإحالتهم إلى السجن.
وقال الحسن امبارك، مسؤول الإعلام في حركة “إيرا” في تصريح لـ”هنَّ”: “إنعاملات المنازل في موريتانيا يعشن واقعًا مزريا قالبا تحيط به تحديات قانونية واجتماعية واقتصادية عميقة. فهذا العمل يُمارس داخل المنازل بعيدًا عن الرقابة، ما يجعله أكثر عرضة للانتهاكات أغلب العاملات من بيئات هشة”.
وأضاف أنهنّ “يعانين من ضعف الوعي القانوني والحاجة الاقتصادية، مما يضعهن في موقع تفاوضي ضعيف أمام المشغلين. وبعضهن مهاجرات أو لاجئات، وهو ما يزيد خوفهن من فقدان العمل أو التعرض للانتقام”.
“هذا الواقع ينعكس في تدني الأجور، وطول ساعات العمل، وغياب الضمان الاجتماعي، وأحيانًا سوء المعاملة. لذلك تبرز الحاجة إلى تشريع خاص ينظم هذا القطاع، ويضمن الحد الأدنى من الحقوق والكرامة الإنسانية، مع تفعيل الرقابة وآليات الحماية”، يوضح الحسن.
واعتبر أن “دور المنظمات الحقوقية يظل محوريًا في المناصرة والتوعية ورصد الانتهاكات، إضافة إلى نشر ثقافة العقود المكتوبة وتوفير الدعم القانوني للضحايا. فحماية عاملات المنازل ليست مطلبًا فئويًا، بل جزء أساسي من ترسيخ العدالة واحترام حقوق الإنسان في المجتمع”، يؤكد المتحدث.
الإطار القانوني القائم وحدود فعاليته
في الجانب القانوني أوضح أعل القانوني الشيخ صابر أن قطاع العمل المنزلي، “يخضع لتنظيم قانوني قائم، قوامه أحكام مدونة الشغل والقانون المنظم لحقوق العمالة المنزلية الصادر 2013، الذي كمل وعدل أحكام المقرر الصادر سنة 1953 والمعدل سنة 1965، الذي تولّى تأطير علاقة العمل في نطاق ما يُعرف بالأعمال المنزلية، ووسع مجال تطبيقه ليشمل الخادمات والطهاة والمربيات والرعاة وسائر الأنشطة ذات الطبيعة المنزلية”.
وحسب صابر “أرسى هذا التنظيم جملة من الضمانات الأساسية، من أبرزها إلزامية إبرام عقد عمل — محدد المدة أو غير محددها — عملًا بالمبدأ العام المقرر في مدونة الشغل بشأن إثبات علاقة العمل، ووجوب تسليم كشف راتب يتضمن البيانات الجوهرية، ولا سيما الأجر الأساسي والساعات الإضافية والمزايا العينية عند الاقتضاء، فضلًا عن تقرير الحق في الراحة الأسبوعية والعطلة السنوية، وتنظيم الكيفيات القانونية لإنهاء علاقة العمل”.
“كما يستند هذا الإطار إلى المبادئ العامة المقررة في مدونة الشغل الموريتانية، ولا سيما ما يتعلق بحماية الأجر وضمان فترات الراحة وتوفير ظروف عمل لائقة، إضافة إلى أحكام القانون المتعلق بالحماية الجنائية للطفل التي تحظر تشغيل القاصرين في الأعمال الضارة أو التي تنطوي على استغلال”، يضيف صابر.
غير أنه، من منظور حقوقي، ورغم قيام هذا الإطار التنظيمي، إلا أن صابر يعتبر أن قطاع “العمل المنزلي يظل من أكثر القطاعات هشاشة بحكم ممارسته داخل الحيز الأسري المغلق، الأمر الذي قد يفضي عمليًا؛ في بعض الحالات التي تنكشف للعلن؛ إلى وقوع انتهاكات محتملة، من قبيل تشغيل القاصرات، أو تجاوز مدد العمل القانونية، أو حجب الأجر أو التأخير في أدائه، وهي أفعال تشكل، متى ثبتت، خرقًا صريحًا لأحكام مدونة الشغل فيما يتعلق بالأجر ومدة العمل والراحة، كما قد تُكيَّف جزائيًا بموجب القانون الجنائي وقانون حماية الطفل متى انطوت على استغلال أو إهمال مُفضٍ إلى ضرر”.
وعلى الصعيد الدولي، تلتزم موريتانيا بمبادئ العمل اللائق الصادرة عن منظمة العمل الدولية، ولا سيما ما يتصل بحظر عمل الأطفال، وعدم التمييز، وتعزيز حماية العمال المنزليين، وهو ما يقتضي مواصلة مواءمة التطبيق العملي للنصوص الوطنية مع هذه المعايير، بما يكفل انتقال الحماية من بعدها النظري إلى فعاليتها الواقعية.
وعليه، يؤكد القانوني على أن الارتقاء بمنظومة الحماية يقتضي، على وجه الخصوص، “تفعيل دور مفتشيات الشغل من خلال اعتماد آليات رقابية تتلاءم مع خصوصية العمل المنزلي، وتشديد الإشراف على تشغيل القاصرين ضمانًا لاحترام الضوابط القانونية المقررة، وتعزيز إلزامية التصريح بالعمال لدى هيئات الضمان الاجتماعي توطيدًا للحماية الاجتماعية، فضلًا عن تكثيف نشر الوعي القانوني في أوساط الأسر المشغِّلة والعاملات، واستكمال مواءمة التشريع الوطني مع المعايير الدولية للعمل اللائق في قطاع العمل المنزلي بما يكفل حماية فعلية ومستدامة لهذه الفئة”.
“خطره أكثر من عائده”
تقول الناشطة النسوية سالكة أحميدة أن العمل المنزلي “يحيط به كثير من الاختلالات، لأنه قطاع غير مصنّف ولا يخضع لإطار قانوني واضح، بل يقوم في الغالب على تفاهمات شفوية بين الطرفين. ويرتبط بنظرة المجتمعية التي تقلل من قيمة الأعمال المنزلية، باعتبار أن المرأة تؤديها داخل الأسرة دون أجر بصفتها زوجة أو أخت، وكأنها مهمة مفروضة عليها كونها امرأة”.
وتؤكد الناشطة في تصريح لمنصة “هنَّ”، أن هذا الواقع “يفتح الباب أمام انتهاكات متعددة، من بينها تدني الأجور؛ إذ توجد عاملات يقمن مع الأسرة ويعملن لساعات مفتوحة دون تحديد واضح، مقابل راتب لا يتجاوز خمسين ألف أوقية قديمة مع السكن، (حوالي 110 يورو) في غياب أي تنظيم لساعات العمل أو لطبيعته، ومدونة الشغل رغم عموميتها نادرًا ما تُفعّل لحماية هذه الفئة”.
وتضيف أحميدة أنها كانت شاهدة على تعرض بعض العاملات للعنف والتحرش خلف الأبواب المغلقة، “وهي ممارسات قلّما تخرج إلى العلن، وإن كُشف عنها أحيانًا تُقابل بالتشكيك في رواية العاملة واتهامها بأنها السبب،
بعض الأسر تأتي بفتيات من الأرياف دون منحهنّ رواتب فعلية، بحجة ادخارها لهنَّ، ثم يُفاجأن عند المطالبة بها باتهامات بالسرقة، في ظل انحياز بعض الجهات لربّ العمل”.
وانتقدت الناشطة “انتشار تشغيل القاصرات، حيث لا يكاد يخلو مكان عام أو حديقة من طفلة تحمل أطفال غيرها، بينما تُحرم هي من عيش طفولتها بشكل طبيعي”.
وتطالب سالكة أحميدة “بسنّ إطار قانوني خاص ينظم العمل المنزلي، ويجرّم تشغيل الأطفال، ويتيح إنشاء نقابات أو هيئات رقابية يمكن للعاملات اللجوء إليها عند التعرض للظلم، مع إلزام الأسر بتسجيل العاملات في صندوق التأمين لضمان حقوقهن الاجتماعية”.
وخلصت إلى أن واقع العمل المنزلي بصورته الحالية، وما يرافقه من تجاوزات، “يدفعني إلى دعوة النساء للتريث في خوضه، لأنه أكثر خطورة عليهن من العائد الذي يوفره”.
وهكذا، تكشف أوضاع عاملات المنازل في موريتانيا عن واقع معقّد يتداخل فيه الفقر والهشاشة الاجتماعية مع ضعف الحماية القانونية، في قطاع واسع مازال يعمل في أغلبه خارج الأطر الرسمية والرقابية. فما بين شهادات العاملات ومواقف المنظمات الحقوقية والقراءات القانونية، يتضح أن الحاجة باتت ملحّة إلى إجراءات عملية تعزز الحماية القانونية والاجتماعية لهذه الفئة، وتضمن تنظيم العمل المنزلي بما يكفل الحد الأدنى من الكرامة والحقوق؛ فحماية عاملات المنازل لا تتعلق فقط بتنظيم قطاع مهني، بل تمثل خطوة أساسية نحو ترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان.



















