في مجتمعاتٍ تُورَّث فيها العادات كما تُورَّث الأسماء، يصبح الجسد أحيانًا ساحةً لصراعٍ صامت بين ما كان، وما يجب أن يكون. في موريتانيا، ما تزال ممارسة ختان الإناث، أو “أزيانة”، واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا، حيث تتقاطع التقاليد مع الدين، والخوف مع الصمت، والقانون مع واقعٍ يصعب تغييره.
“لماذا فعلوا بي هذا”
في شهادتها لمنصة “هنَّ”، تعود عائشة بذاكرتها إلى ذلك الصباح الذي لم يكن عاديًا، وتحكي تحت اسم مستعار: “ظننت أننا سنذهب إلى المزرعة… كنت أرافق أمي دائمًا، ألعب وأعود معها بشكل طبيعي. لكن نظراتها ذلك اليوم كانت مختلفة”.
وفي خيمة بإحدى القرى، جلست الطفلة وسط نساء يتهامسن بصوت منخفض، بينما كانت أمها تمسك بيدها بإحكام: “حاولت أن أبتسم، لكن شيئًا في داخلي كان يخبرني أن الأمر ليس عاديًا، كانت أمي تمسك بيدي وكأنها تخشى أن أهرب”.
لم تمضِ لحظات حتى دخلت امرأة تعرفها عائشة جيدًا، لكنها كانت تخشاها، وعندما رأتها صرختْ، طالبةً منها ألا تلمسها، “لكنهم أمسكوا بي، وبدأت تقطع مني، وكنت أطلب منها أن تتركني دون جدوى”، تتذكر عائشة.
تتوقف قليلًا، قبل أن تتابع: “وضعوا بعر الإبل على الجرح، وتركوني دون حركة لأيام. تلك اللحظات مازالت عالقة في ذاكرتي كأنها حدثت بالأمس”.
ذلك الألم لم يكن جسديًا فقط، بل ظل عالقًا في ذاكرتها، وشمًا يوثق للحظات من تعذيب طفولية، مازالت طازجةً في عقلها، وكما تروي عائشة، “كنت ومازلت أسأل نفسي، لماذا فعلوا بي هذا؟ ماذا أخطأت؟”.
قصة عائشة ليست استثناءً، بل تعكس واقعًا مازال قائمًا في موريتانيا، حيث تستمر ممارسة ختان الإناث، خصوصًا في القرى والمناطق النائية، حيث أضحت هذه الممارسة من أكثر الظواهر استعصاءً على الحل، إذ تواصل العادات والتقاليد دعمها وتعزيز استمرارها، رغم تصنيفها كجريمة، واعتبارها ممارسة غير مقبولة. ومع ذلك، لا تزال تحظى بقبول لدى فئات من المجتمع، التي ترى فيها وسيلة لضبط سلوك الفتاة، ومنعها من أي انحراف جنسي خارج ما يُعدّ مألوفًا.
انتهاك لحقوق الإنسان
تعكس الأرقام حجم هذا الواقع. فوفقًا للمعطيات الدولية، يتجاوز عدد النساء والفتيات المتأثرات بهذه الممارسة 230 مليونًا حول العالم. وفي موريتانيا، يكشف المسح الديموغرافي والصحي (2019-2020) أن أكثر من 72 ألف فتاة بين صفر و14 عامًا معرضات للخطر.
كما تشير بيانات حديثة إلى أن نسبة النساء اللواتي خضعن للختان تبلغ 67 بالمائة، مقابل 51 بالمائة لدى الفتيات، مع ارتفاع النسبة في المناطق الريفية لتصل إلى 79 بالمائة مقابل 55 بالمائة في المدن، في حين تنخفض كلما ارتفع مستوى التعليم، ما يعكس ارتباط الظاهرة بالبنية الاجتماعية والاقتصادية.
في هذا السياق، تقول الناشطة في الصحة الإنجابية والإعلامية هوا با، إن ختان الإناث “انتهاك واضح وخطير لحقوق الإنسان، لما له من أثر مباشر على السلامة الجسدية والنفسية للفتيات”.
وتشير هوا في تصريح لمنصة “هنَّ”، إلى أنه “يتعارض مع التزامات موريتانيا الدولية، مثل اتفاقية حقوق الطفل واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، ويُصنّف ضمن أشكال العنف القائم على النوع لما يمثله من مساس بالحق في الصحة والكرامة”.
ولا تتوقف تداعيات هذه الممارسة عند لحظة إجرائها، بل تمتد لسنوات طويلة. فمن الناحية الصحية، قد تؤدي إلى نزيف حاد والتهابات ومضاعفات خطيرة أثناء الحمل والولادة. أما نفسيًا، فتخلّف آثارًا عميقة، تشمل الشعور بالخوف وفقدان الأمان، وتراجع الثقة بالنفس، واضطرابات قد تستمر مدى الحياة.
وتلخّص عائشة ذلك بقولها: “كبرت وفهمت أن ما حدث لي له اسم، وأن هناك فتيات كثيرات مررن بنفس التجربة، لكن البعض لا يتحدثن عنها أبدًا”.
ضحايا الهشاشة الاجتماعية
من جهتها، ترى الناشطة النسوية لالة عيشة حرم، أن “الظاهرة ترتبط بشكل وثيق بالهشاشة الاجتماعية”، موضحة أن “ضحايا ختان الإناث يتركزنَ في المناطق الأكثر فقرًا وتهميشًا، حيث يتقاطع الفقر مع ضعف التعليم، خاصة لدى فئات عانت الإقصاء لفترات طويلة”.
وتؤكد حرم على أن “مواجهة ختان الإناث تتطلب تمكينًا اقتصاديًا، وتوسيع فرص التعليم، وإطلاق حملات توعية موجهة تراعي خصوصية هذه البيئات”.
وفي الوقت نفسه، تنتقد حرم محدودية أثر البرامج الرسمية، معتبرة أنها “غالبًا نخبوية وبعيدة عن واقع الفئات المستهدفة، وتُقدَّم بخطاب عام لا يلامس جوهر المشكلة”، مضيفة أن كثيرًا من “حملات التوعية تبقى في حدود الشعارات دون تغيير ملموس”.
ولا يقتصر استمرار هذه الممارسة على البعد الثقافي فقط، بل يرتبط أيضًا بعوامل اقتصادية، إذ تعتمد بعض “الخاتنات”، عليها كمصدر دخل ومكانة اجتماعية، إلى جانب ضغط اجتماعي يربطها بمفاهيم الشرف وضبط جسد الأنثى، رغم وجود فتاوى دينية تُحرّمها.
وتستحضر لالة عيشة تجربة شخصية تعود إلى عام 2005، حين شهدت ختان طفلة في الخامسة من عمرها داخل المحظرة، حيث أُجريت العملية بوسائل بدائية على يد “زيّانة”، ما تسبب في نزيف حاد ومضاعفات صحية لاحقة تركت آثارًا دائمة.
قانون غير مطبق
وعلى المستوى القانوني، يوضح المحامي اعل الشيخ صابر أن “القانون الموريتاني يجرّم هذه الممارسة صراحة، بعقوبات تصل إلى السجن والغرامة، وتُشدد في حال كان الفاعل من الطاقم الطبي”.
ولكنه يشير ضمنيًا إلى أن “التحدي لا يكمن في النص القانوني بقدر ما يكمن في تطبيقه، في ظل صمت الضحايا، والخوف من الوصم الاجتماعي، وضعف التبليغ، خاصة في المناطق الريفية”.
ورغم تزايد الوعي خلال السنوات الأخيرة، ما تزال الطريق نحو القضاء على ختان الإناث طويلة ومعقدة، إذ تتطلب أكثر من مجرد قوانين، بل تغييرًا عميقًا في البنية الاجتماعية والثقافية.
وفي نهاية حديثها، تقول عائشة أنها عندما تنظر إلى الفتيات الصغيرات، “أتمنى فقط أن يعشن طفولتهن دون خوف، دون تلك الذكرى التي لا تختفي”.
وبين ذاكرة الألم وضغط العادة، تستمر هذه الممارسة كواحدة من أكثر القضايا إلحاحًا، حيث لا يكفي الصمت، ولا يكفي القانون وحده، بل يظل التغيير رهين كسر الدائرة التي تعيد إنتاجها جيلًا بعد جيل، دائرة العادات وجرائمها ضد الحقوق التي تدور رحاها على أجساد طفلات لا حول لهنَّ ولا قوة.


















