في بيوت تفيض بسكون الظلّ، تقف نساء جزائريات في مواجهة مزدوجة: سرطان عنق الرحم من جهة، وصمت المجتمع من جهة أخرى. لا تنحصر المعاناة في الجسد، بل تمتدّ إلى الروح، إلى العلاقات، إلى الأدوار التي فُرضت عليهن بأن يكنّ زوجات، أمهات، ونساء “مكتملات”.
يُصنَّف سرطان عنق الرحم رابع أكثر السرطانات شيوعًا لدى النساء عالميًا، لكنه يظل في الجزائر مرضًا قاتلًا بصمت، رغم إمكانية الوقاية والكشف المبكر.
منصة “هنَّ” التقت نساءً خضن معركة المرض في عزلة، وناقشت مختصين في الصحة النفسية والعضوية حول التحديات التي لا تزال تفتك بصحة المرأة وصورتها في المجتمع.
“كنت جسدًا لا أكثر”… قصص نساء من الظلّ
تقول كريمة (38 سنة)، وهي أم لثلاثة أطفال، في حديثها لمنصة “هنَّ”: “كنت أعامل كجسد لا كإنسانة. زوجي لم يتقبل مرضي، أصبحت جلسات العلاج وصمتي ثقيلين عليه. كنت أعود إلى البيت لأواجه نظرات الاتهام بدل الحنان”.
سعاد (40 سنة)، من جهتها، تحكي لنا قصتها من أحد مراكز المتابعة الطبية بوهران: “بعد التشخيص، بدأت أشعر أني أختفي من حياة زوجي تدريجيًا. لم يكن يقترب، لا بالكلام ولا بالفعل. أصبحت غريبة في بيتنا… مجرد عبء”.
أما فتيحة (34 سنة)، فتصف ما حدث معها بقولها لـ”هنَّ”: “بعد استئصال الرحم بسبب السرطان الذي نقل لي زوجي عدواه عبر فيروس HPV، قال لي: ‘ما دمتِ لا تنجبين، ما الفائدة من الزواج؟’، وطلقني وأنا وسط العلاج. الجرح الأكبر لم يكن في جسدي بل في روحي”.
دور الشريك… ووصمة المجتمع
تشير الأخصائية النفسية حفصة حيدر، في تصريح لمنصة “هنَّ”، إلى أن أولى مراحل المواجهة تبدأ بالصدمة، وتُعمّقها الوصمة الاجتماعية: “النساء في مجتمعنا يواجهن السرطان بصمت مضاعف: صمت الجسد وصمت البيئة. كثيرات لا يُخبرن أحدًا بمرضهن لأنهن يخشين أن يُنظر إليهن كناقصات أو كعاجزات”.
وتضيف: “حين يُصيب السرطان الثدي أو عنق الرحم، لا يتعامل البعض معه كمرض فقط، بل كمساس بأنوثة المرأة. هنا تبدأ رحلة الألم النفسي التي لا تقل قسوة عن الألم الجسدي”.
وتؤكد الأخصائية على أهمية ردة فعل الشريك:
“الدعم العاطفي من الزوج أساسي. غيابه قد يُضعف نفسية المرأة ويُهدد تعافيها. للأسف، في أغلب الحالات التي كانت النساء يُواجهن الإهمال أو اللامبالاة”.
الكشف المبكر: فرصة مهدورة في الجزائر
في جلسة تكوينية للصحفيين المختصين في الصحة، صرّحت البروفيسور نوال ميروش، أخصائية طب النساء والتوليد، لمنصة “هنَّ” قائلة:
“غالبية الحالات التي تصل إلى المرحلة الرابعة من السرطان لم تخضع لأي كشف مبكر. التشخيص المتأخر هو قاتل حقيقي، رغم توفر الفحوصات المجانية في العديد من المراكز الصحية”.
وتتابع: “الحمل، مثلاً، فرصة جيدة لكشف المرض مبكرًا، لأنه يُخضع المرأة لفحوصات دورية. لكن في غياب الوعي، تمر الكثير من العلامات دون اهتمام”.
وتُحذر ميروش من الأرقام المسجلة: “في 2022، سجلنا أكثر من 19 إصابة جديدة يوميًا، و1013 وفاة. الفحص ليس ترفًا، بل فرصة نجاة”.
HPV… الفيروس الذي ينقله الرجل وتدفع ثمنه المرأة
توضح البروفيسور زكية محمدي، مختصة في الميكروبيولوجيا، في تصريح لمنصة “هنَّ”:
“فيروس الورم الحليمي البشري (HPV) ينتقل عبر الممارسات الجنسية، وقد يحمله الرجل دون أن تظهر عليه أي أعراض. فينقله لشريكته، وتبدأ معركتها دون أن تدري”.
وتسترجع حالة فتاة في السادسة عشرة أصيبت بالفيروس بعد علاقة جنسية بالإكراه:
“المأساة الأكبر ليست فقط الإصابة، بل جهل المصابات بطبيعة المرض وخطورته. في ظل غياب التوعية، يصبح HPV قاتلًا صامتًا”.
وتشدّد محمدي على ضرورة إدراج اللقاح المضاد للفيروس ضمن برنامج التطعيم الوطني:
“إنه أكثر وسائل الوقاية فعالية، لكنه غير متوفر على نطاق واسع، ولا يحظى بثقة المجتمع”.
نساء بلا صوت… ومجتمع بلا وعي
التقصير لا يقتصر على النظام الصحي، بل يمتد إلى البنية المجتمعية. فالكثير من النساء، كما كشفت منصة “هنَّ”، يعشن المرض كوصمة. يكبتن الألم، يخفين التغيرات، ويُقنعن أنفسهن أن الصبر وحده كافٍ.
“الكشف المبكر، الدعم النفسي، وتغيير نظرة المجتمع… هي ثلاثية النجاة”، تقول الأخصائية حفصة حيدر.
وتختم حديثها بالقول: “المرأة ليست رحمًا، ولا جسدًا ناقصًا حين يمرض. إنها كيان كامل يستحق أن يُسمع، يُفهم، ويُحتضن في أضعف لحظاته”.















