حياة في الظل.. تقرير صادم يفضح الاضطهاد والعنف ضد مجتمع الميم-عين+ في المغرب

كشف مؤخرًا تقرير ميداني عن صورة صادمة وواقع قاتم لمجتمع الميم-عين + في المغرب،  هذه الدراسة  الميدانية المعمقة صادرة عن “نسويات” لعام 2024، اعتمدت على بيانات وشهادات حية رصدت عبرها حجم التمييز والمضايقات التي تتعرض لها هاته الفئة. وشملت الدراسة 50  فردًا من مجتمع الميم-عين+ في المغرب، موزعين على كل  من: الدار البيضاء، أكادير، وتطوان. 

وتمثّل الدراسة محاولة لـ”تشريح وتشخيص” واقع مجتمع الميم-عين+ في المغرب من مختلف جوانبه. إذ تسلط  الضوء على الوصم والتمييز الذي يتعرض له أفراده، وتتعمّق في تحليل القوانين والتشريعات التي تكرس هذا الإقصاء، كاشفة عن أشكال العنف المتعددة التي تطالهم في مختلف جوانب حياتهم.

’’حياة في الظل بسبب الوصم التمييز’’

يُجبر أفراد مجتمع الميم-عين+ في المغرب على العيش في الخفاء، بعيدًا عن نسق الحياة الطبيعية،  ما يحرمهم من ممارسة حياتهم اليومية بشكل عادل وعادي، والسبب هو القيود  والأعراف الاجتماعية الصارمة التي يفرضها المجتمع ويقوضها القانون.

 ورغم أن الدراسة أثبتت تعددًا وتنوعًا في الهويات الجندرية لمجتمع الميم عين بالمغرب: كالذكر( Male)، أنثى (Female)، جندر كوير (Genderqueer)، جندر فلويد (Genderfluid)، أجندر (Agender)، غير الثنائية (Binary-Non)، امرأة عابرة (Woman Trans)، رجل عابر (Man Trans).

لكن  بسبب الوصم والتمييز،  يُجبر هؤلاء على إخفاء هوياتهم الحقيقية وتوجهاتهم الجنسية والعيش في الظل والسر، خوفًا من النبذ، والعنف، والملاحقة. وهو ما يولد مناخًا من الخوف والعزلة، ويمنعهم من التعبير عن أنفسهم بحرية، أو حتى طلب الدعم والحماية عند الحاجة.

الإقصاء والرفض  والتمييز يطوق مختلف مفاصل حياة مجتمع الميم عين+ بالمغرب إذ تشير النسب المئوية  حسب الدراسة المنجزة إلى وجود فجوة كبيرة بين المستوى التعليمي  لدى هاته الفئة  مقارنة ببقية أفراد المجتمع، حيث يضطر هؤلاء على مغادرة مقاعد الدراسة بسبب التنمر والتمييز الذي يتعرضون له من الادارة والاساتذة وزملائهم ما يُحول حياتهم التعليمية إلى جحيم لا يُطاق عرضة فيه للتهديد والمضايقات والضغط.

فحسب أرقام الدراسة على سبيل المثال 20 بالمائة فقط من مجتمع الميم عين من إجمالي 50 شخصًا في منطقة تطوان، تمنكوا من مواصلة تعليمهم العالي والحصول على الماجستير أو الدكتوراه.

 التمييز والإقصاء لا يتوقف في الحياة التعليمية بل يمتد ليشمل الحياة المهنية، حيث يتعرض مجتمع الميم عين إلى الرفض  من الحياة المهنية بسبب مظهرهم الخارجي وهويتهم الجندرية، ليجدوا أنفسهم  يعيشون حالة من التهميش الاقتصادي والتفقير الممنهج.

أرقام مفزعة عن عنفٍ متعدد الأوجه 

 كشفت الدراسة عن نسبٍ خطيرة وصادمة للعنف الذي يتعرض له مجتمع الميم عين+ بالمغرب. وكشف الضحايا  المستوجبين عن  تعرضهم لمختلف أشكال العنف بدءا من العنف اللفظي إلى النفسي وصولا إلى العنف الجنسي لتبلغ أقصاها في أكادير بنسبة 80 بالمائة وهو ما يعد نسبة مفزعة تليها تطوان ب60 بالمائة والدار البيضاء ب55 بالمائة. 

ويتعرض الضحايا إلى العنف في الفضاءات العامة وحتى داخل منازلهم  ليكون بذلك العنف الأسري أحد أبرز أوجه العنف المسكوت عنه لدى هاته  الفئة.

ويتجلى العنف الأسري بمختلف تمظهراته وأشكاله بما فيها  ’’العنف الرمزي ’’أو  باسم ’’الشرف و الأخلاق’’ ، أو الحفاظ على ما يسمى ’’ النظام الطبيعي’’. مرحلة القمع  الأولى التي يواجهها مجتمع الميم العين+ بالمغرب.

تُجبر الأسر في المجتمع الأبوي القمعي أفراد مجتمع الميم-عين+ على العيش في خوف دائم من الطرد والعنف.  فعندما يجرؤ هؤلاء الأفراد على الإفصاح عن هوياتهم، يُنظر إليهم كـ’’عار’’ أو تهديد للنظام الأسري .وهو ما يبرر طردهم من منازلهم، ويُلقي بهم  في الشوارع عرضة لكل المخاطر، ويُجبرهم على مواجهة  العالم بمفردهم. وفي أحيان كثيرة، يكون الطرد نهاية سلسلة طويلة من العنف اللفظي والجسدي، الذي يمارس تحت غطاء ’’التأديب’’ أو ’’الإصلاح’’

إلى جانب العنف المادي والأسري يواجه مجمتع الميم  عين حالة من  العنف النفسي فحسب نتائج الدراسة  وصلت نسبة  الاكتئاب والقلق 80% في الدار البيضاء  لدى مجتمع الميم عين+ بالمغرب وهو ما يعكس خطورة الآثار النفسية الناجمة عن الضغط المجتمعي الكبير حسب الدراسة.

قوانين خانقة تُشرعن الإضطهاد  

يُعتبر الفصل 489 من القانون الجنائي المغربي، الذي يجرم “كل فعل جنسي بين شخصين من نفس الجنس” ويعاقب عليه بالسجن والغرامة، الأداة القانونية الأبرز لاستهداف أفراد مجتمع الميم-عين+. هذا القانون، إلى جانب فصول أخرى تتعلق بـ’’الآداب العامة’’ (483 و 484)، يستخدم لتبرير الاعتقال والمحاكمة والسجن، ويُشرعن العنف المجتمعي والوصم ضد هذه الفئة.

التقرير يؤكد أن هذه النصوص القانونية لا تكتفي بتجريم العلاقات المثلية، بل تُستخدم لفرض رقابة صارمة على التعبير عن الهويات الجندرية والمظهر الخارجي للأفراد. الأمر يزداد تعقيدًا بغياب أي قوانين تحمي من التمييز على أساس الهوية الجندرية أو التوجه الجنسي، مما يترك مجتمع الميم-عين+ عرضة للتمييز في العمل، التعليم، والخدمات الصحية دون أي سبيل قانوني للإنصاف.

أما قوانين الأحوال الشخصية، المستمدة من الشريعة الإسلامية، فلا تعترف بأي شكل من أشكال الزواج أو الشراكة بين أفراد من نفس الجنس، ولا تمنح أي اعتراف قانوني للهويات الجندرية غير التقليدية، ما يمنع الأفراد العابرين جنسيًا من تعديل وثائقهم الرسمية.

شهد مجتمع الميم-عين+ في المغرب انتعاشة ملحوظة خلال فترة ثورات الربيع العربي، لتنبثق منه جمعيات وكيانات ناشطة أعلنت عن وجودها وتشكلها  وشرعت في تشكيل هوية هذه الفئة تدريجياً. حيث كان الهدف أن  تُرى ون أن تسمع هاته الفئة كأي مواطن عادي. لكن ما يزال الواقع المغربي، خاصة على الصعيد المجتمعي والقانوني، يشكل قيدًا خانقًا أمام مجمتع الميم عين+. فبدلًا من الانطلاق نحو مساحات أوسع من القبول والاعتراف، يجد أفراد مجتمع الميم-عين+ أنفسهم مُجبرين على العيش دائمًا في الظل والسرية. القيود الاجتماعية والأعراف الراسخة، المدعومة أحيانًا بنصوص قانونية، تفرض عليهم واقعًا يحد من حريتهم ويحرمهم من  العيش كأي  مواطن مغربي.

توصيات نسويات

من أبرز التوصيات التي نادت بها “جمعية نسويات” في ختام تقريرها السنوي للحد من ظاهرة العنف المسلط على هاته الفئة، تقديم الدعم النفسي والقانوني لهذه الفئة، محاربة الصور النمطية الإعلامية عنها و تعزيز التوعية المجتمعية بأهمية تقبلهم.

اقرأ أيضا

  • شذى الحاج مبارك تدخل في إضراب مفتوح عن الطعام: “جسدي ينهار داخل الزنزانة”

    دخلت الصحفية التونسية شذى الحاج مبارك، المعتقلة في سجن “المسعدين” بسوسة، في إضراب مفتوح عن الطعام منذ يوم الأربعاء 14 ماي 2025، احتجاجًا على ما وصفته بـ”الإهمال الصحي المتعمد” الذي بات يُهدد حياتها داخل السجن، في ظل تدهور حالتها الصحية وغياب أي تجاوب فعلي مع طلباتها المتكررة لتلقي العلاج. وفي رسالة مؤثرة نقلتها شقيقتها توصلت…

    Hounna | هنّ|

  • قانون الأسرة في الجزائر: 40 عامًا من الجدل ..  هل يبقى مستقبل المساواة معلقا؟ 

    واحد وأربعون سنة تمر على سن قانون الأسرة في الجزائر ، معركة نضالية  امتدت منذ سنة 1984 ،تراوحت بين مطالب الإلغاء أو التعديل ، عرفت انفراجا سنة 2005 عبر تغييرات اعتبرها البعض غير كافية والبعض الآخر خطوة ايجابية نحو تحقيق المساواة وضد التمييز في ظل سياق اجتماعي تتصادم فيه المطالب الحقوقية مع التقاليد والأعراف في…

    ماجدة زوين|

  • الفراولة المُرّة.. مأساة المغربيات في حقول هويلفا مستمرة!

    في شهر أبريل، صباح فجرٍ أندلسي بعيدٍ عن الوطن، نزلت العاملات الموسميات المغربيات من الحافلة واحدة تلو الأخرى؛ وجوه غارقة في التعب، وعيون تختبئ خلفها أحلام هشّة. لم تحمل كلٌ منهن سوى حقيبة صغيرة، وصورة لأطفالٍ ينتظرون رزق الموسم. كانت حقول الفراولة في هويلفا، جنوب إسبانيا، توحي بالخُضرة والعمل، لكن الواقع كان أقسى من الطين.…

    Hounna | هنّ|

  • حكايات من أسوار السجون.. ماذا تفعل الأمومة بالنساء خلف القضبان؟

    "ما هو المستقبل الذي سيعيشهُ هذا الطفل وقد فتح عينيه في السجن؟" بهذه الكلمات أنهت سجينةٌ مدانة بجريمة قتل حياتها بعد أن وضعت مولودها داخل السجن بأيّام قليلة. وهي كلمات تختزل شعور الأمّهات اللواتي يلدن في السجن بتفاوت قضاياهن وبعيدا عن الجرائم التي اقترفنهَا. تُسلب حريّات النساء خلف أسوار السجون بدرجات متفاوتة، تُنحت تجاربهن أيضا…

    يسرى بلالي|