حوار | مريم بليل: أزمة الثقة وضعف العرض السياسي أبرز تحديات الولاية الحكومية

تستعرض مريم بليل، الباحثة في القضايا السياسية والبرلمانية، قراءتها لحصيلة خمس سنوات من عمل الحكومة، معتبرة أن هذه الولاية، على الرغم من أنها عرفت إطلاق أوراش اجتماعية ومالية كبرى، إلا أن ضعف التواصل السياسي حول المنجزات، وغياب سردية حكومية تفسر الاختيارات وتعترف بالصعوبات، إلى جانب محدودية النقاش البرلماني حول الحصيلة، شكلت أبرز مكامن الخلل.

كما أكدت بليل، في هذا الحوار مع منصة “هنَّ”، أن مواجهة الغلاء تستدعي تقوية آليات المراقبة، وضبط المنافسة، ومحاربة الاحتكار والمضاربات، مشيرة إلى أن الأوراش الاجتماعية وحدها لا تكفي ما لم تواكبها سياسة تواصلية واضحة وثقة سياسية تعزز صلة المواطن بالمؤسسات. 

واعتبرت الخبيرة السياسية أن ملفات تضارب المصالح المرتبطة ببعض المسؤولين الحكوميين تمس جوهر الثقة، وأن الحكامة تقتضي جعل الشفافية قاعدة في تدبير الملفات الحساسة، لافتة في المقابل إلى أن المشهد الحزبي يعاني ضعفا في العرض السياسي وتراجعا في جودة النخب وقدرة الأحزاب على تجديد مشاريعها.

عفراء: بعد خمس سنوات من حكومة أخنوش، هل يمكن الحديث عن الفجوة بين الوعود التي قدمت في بداية الولاية وأدائها خلال الخمس سنوات؟

مريم: لا أستعمل كلمة “فجوة” بشكل مطلق، لأن هناك أوراشا اجتماعية ومالية كبرى أطلقت فعلا. الإشكال في تقديري يوجد في ثلاثة مستويات: أولا، ضعف التواصل السياسي حول المنجزات؛ ثانيا، غياب سردية حكومية قادرة على تفسير الاختيارات والاعتراف بالصعوبات؛ وثالثا، محدودية النقاش البرلماني الجدي حول الحصيلة، بما يسمح بالتقييم والتصحيح لا فقط بالدفاع السياسي.

عفراء: ارتبطت الحكومة بشعار “الدولة الاجتماعية”، لكن فئات واسعة من المغاربة ما تزال تشكو من الغلاء وتراجع القدرة الشرائية. هل فشلت الحكومة في ترجمة هذا الشعار إلى واقع ملموس؟

مريم: شعار الدولة الاجتماعية لا يمكن إنكار أهميته، لكن أثره يصطدم بواقع الغلاء وتراجع القدرة الشرائية. صحيح أن هناك عوامل دولية مرتبطة بالأزمات والتضخم، لكن هذا لا يعفي الحكومة من مسؤولية تقوية آليات المراقبة، وضبط المنافسة، ومحاربة الاحتكار والمضاربات. المشكل أن الغلاء لم يكن فقط اقتصاديا، بل تحول إلى إحساس اجتماعي بعدم الحماية.

عفراء: كيف تفسرين استمرار الاحتجاجات الاجتماعية في قطاعات مختلفة رغم إطلاق أوراش مثل الحماية الاجتماعية والدعم المباشر؟

مريم: لأن الأوراش الاجتماعية وحدها لا تكفي إذا لم تواكبها سياسة تواصلية واضحة وثقة سياسية. الاحتجاجات تعكس أحيانا فجوة بين القرار العمومي وإحساس المواطنين اليومي. هناك أزمة تواصل، لكن أيضا أزمة سياسية أعمق مرتبطة بضعف الوساطة الحزبية والنقابية والبرلمانية.

عفراء: هناك من يرى أن هذه الحكومة تمثل صعودا غير مسبوق لنفوذ رجال الأعمال داخل الحقل السياسي. هل نحن أمام تزاوج بين السلطة السياسية والاقتصادية؟

مريم: من حق رجال الأعمال ممارسة السياسة، وهذا في حد ذاته ليس مشكلا. تاريخيًا كان تأسيس بعض الأحزاب يهدف أيضا إلى إدماج فئات اقتصادية واجتماعية داخل اللعبة السياسية. الإشكال يبدأ حين تضعف المؤسسات، أو تغيب الشفافية، أو تصبح الحدود غير واضحة بين المصلحة العامة والمصالح الخاصة. هنا يصبح الحديث عن تضارب المصالح مشروعا.

عفراء: تفجرت خلال هذه الولاية عدة ملفات مرتبطة بتضارب المصالح. كيف تقرئين تأثير هذه القضايا على مصداقية الخطاب الحكومي حول الحكامة والشفافية؟

مريم: هذه الملفات تمس جوهر الثقة. لا يكفي أن تقول الحكومة إنها تؤمن بالحكامة والشفافية، بل يجب أن تجعل الشفافية قاعدة في تدبير الملفات الحساسة. 

عفراء: كيف تقيّمين أداء البرلمان خلال هذه الولاية؟ وهل استطاع ممارسة دوره الرقابي أم تحول إلى مجرد غرفة للمصادقة على مشاريع الحكومة؟

مريم: البرلمان قام بدور رقابي وتقييمي مهم. كانت بعض الملاحظات المتعلقة بتماهي الأغلبية مع الحكومة مما أضعف جانبا مهما من الرقابة والتقييم. وهذا إشكال مزدوج؛ فمن جهة مرتبط بطبيعة الأنظمة البرلمانية عالميا حيث تساند الأغلبية الحكومة، ومن جهة أخرى مرتبط بجودة النخب البرلمانية وقدرتها على إنتاج رقابة جدية لا تكتفي بالمواقف السياسية.

عفراء: هل تعتقدين أن المعارضة البرلمانية أخفقت في لعب دورها؟ أم أن هامش تأثيرها أصبح محدودا بفعل موازين القوى السياسية الحالية؟

مريم: تأثير المعارضة كان محدودا لسببين أساسيين: عدديا، لأنها مجتمعة لا تملك ثقلا كافيا. وسياسيا، لأنها فسيفساء متعددة المكونات لا يجمع بينها خيط ناظم أو مشروع بديل واضح. لذلك حضرت المعارضة في لحظات، لكنها لم تنجح دائما في تحالف قوي.

عفراء: رفضت فرقٌ برلمانية تعيين لجنة تقصي حقائق في عدد من الملفات منها ملف “الفراقشية” (دعم المواشي) كيف تقرئين ذلك؟

مريم: لجان تقصي الحقائق آلية دستورية مهمة، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية ونصاب قانوني. في ملف الأغنام، هناك هذا الأسبوع مبادرة من فرق المعارضة بمجلس النواب، والسؤال المطروح هو هل ستتمكن من توفير الشروط القانونية والسياسية لنجاحها؟

عفراء: إلى أي حد نجحت الحكومة في بناء الثقة مع المواطنين، خاصة في ظل تنامي العزوف السياسي وتراجع الثقة في المؤسسات المنتخبة؟

مريم: في تقديري، لا. المشكل الأساسي لهذه الولاية هو الثقة. قد تكون هناك برامج وأرقام، لكن الثقة لا تبنى فقط بالحصيلة التقنية، بل بالإنصات، والشفافية، والقرب، والقدرة على الاعتراف بالأخطاء. حين يشعر المواطن أن صوته لا يصل، يصبح أثر السياسات محدودا حتى لو كانت مهمة.

عفراء: مع اقتراب الانتخابات، هل تعيش الأحزاب السياسية أزمة مشروع وأفكار، أم أننا أمام أزمة نخب غير قادرة على تجديد نفسها؟

مريم: الاثنان معا. هناك ضعف واضح في العرض السياسي، وغياب مشاريع كبرى قادرة على إقناع المواطنين. وفي الوقت نفسه، هناك تراجع في جودة النخب، وفي قدرة الأحزاب على تجديد نفسها. الأحزاب اليوم مطالبة بإنتاج أفكار، لا فقط بتدبير التزكيات والتحالفات.

عفراء: شهدت السنوات الأخيرة عددا من الاحتجاجات والتحركات النقابية والمطلبية في قطاعات مختلفة. ما هي دلالات هذه الاحتجاجات؟

مريم: الاحتجاجات أمر طبيعي في مجتمع حي. وجود الاحتجاج لا يعني بالضرورة أزمة خطيرة، بل قد يدل على أن المجتمع ما زال قادرا على التعبير والمطالبة. التدافع الاجتماعي والنقابي مهم لتحقيق المطالب، بشرط أن يجد أمامه مؤسسات تنصت وتفاوض وتستجيب.

عفراء: على المستوى الحقوقي والنقابي، ما هي أبرز التحديات التي ما زالت مطروحة اليوم؟

مريم: أبرز التحديات تتمثل في تحسين شروط الحوار الاجتماعي، وربط الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالسياسات العمومية. كما أن هناك حاجة إلى تقوية الوساطة، لأن ضعف الثقة بين المواطنين والمؤسسات يجعل كل ملف اجتماعي قابلا للتحول إلى أزمة.

عفراء: هل تتوقعين أن تحمل الانتخابات المقبلة تغييراً حقيقياً في الخريطة السياسية؟ أم أننا سنكون أمام إعادة إنتاج للتوازنات نفسها بوجوه مختلفة؟

مريم: من الصعب توقع نتائج الانتخابات بدقة في المغرب. لكن في ظل النخب الحالية وضعف العرض السياسي، قد لا نكون أمام تحول جذري. ربما تتقوى بعض أحزاب المعارضة، وربما لا يستمر التحالف الثلاثي بنفس الصيغة. 

اقرأ أيضا

  • أمواج “قافلة الصمود” المغاربية هل تتكسر على صخور مصر؟

    في مبادرة غير مسبوقة على مستوى شمال إفريقيا، انطلقت يوم الاثنين 9 يونيو 2025 قافلة برية ضخمة حوالي 7 آلاف ناشط مؤيد للقضية الفلسطينية من دول المغرب الكبير، في طريقها إلى معبر رفح الحدودي جنوب قطاع غزة، بهدف إيصال مساعدات إنسانية والضغط على السلطات المصرية لفتح ممر إنساني عاجل إلى القطاع المحاصر.  هذا التحرك يأتي…

    Hounna | هنّ|

  • من “الديسكورد” إلى الميدان.. “جيل Z” يهز الشارع وينتفض ضد “مغرب بسرعتين” 

    منذ يوم السبت الماضي، يخرج مئات الشبان والشابات إلى الشارع، في عدة مدن مغربية، رافعين شعارات بمطالب واضحة؛ المزيد من الاستثمار في الصحة، التعليم، والخدمات الأساسية، ووضع حد للفساد. هذه الاحتجاجات، انتقلت إلى الشارع بعد نقاشٍ على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما دعت إليها مجموعة تطلق على نفسها إسم GENZ212 (وهو اختصار يجمع بين "الجيل Z"،…

    سعيد المرابط|

  • منع مسيرات تضامنية مع فلسطين “دعم لجرائم الإبادة”

    ???? منعت مسيرات احتجاجية ضد العدوان الإسرائيلي، تخليدا ليوم الأرض الفلسطيني، نهاية الأسبوع الماضي، من طرف قوات الأمن في عدد من المدن المغربية، ما خلف تنديدا واستنكارا واسعينِ من طرف المشاركين في تلك الاحتجاجات.

    Hounna | هنّ|

  • تنقيح مرسوم الجمعيات في تونس: “سقوط آخر قلاع الحرية” 

     منظمات المجتمع المدني التونسي على تباين أنشطتها الحقوقية والبيئية والأكاديمية والاجتماعية والصحية؛ تتفق على "مبدأ عدم المس من المرسوم 88 لسنة 2011"، المتعلق بتنظيم الجمعيات والاتجاه نحو حسن تطبيقه.  ويصف الجسم الحقوقي أي محاولات لتغيير المرسوم أو تنقيحه ضمن مسار مبرمج، بأنها "منهجية للسلطة الحالية لإضعاف كل الأجسام الوسيطة التي انطلق في تنفيذها مسار 25…

    ريم بلقاسم|