في تونس، حيث يتقاطع القمع القانوني مع العنف الاجتماعي، تعيش النساء العابرات جندريًا على هامش الوجود المعترف به، محاصرات بين قوانين لا تعترف بهويتهنّ، وخطاب عام يجرّم أجسادهنّ ويشرعنُ إقصاءهنّ. فمجردُ التعبير عن الهوية الجندرية قد يتحوّل إلى سبب للملاحقة، أو الإيقاف، أو الإقصاء من العمل والعلاج والحياة العامة.
في هذا الحوار، نستضيف مرام بن ظافر، عابرة جندرية ورئيسة “ائتلاف العابرات والعابرين جندريًا في تونس”، التي تفتحُ نافذةً على واقعٍ يوميٍّ مثقل بالخوف والانتهاكات، وتروي تجربة شخصية تختصر معاناة جماعية تُدفع إلى الظل. حديث صريح عن العنف، والاعتقال، والتمييز، وغياب الرعاية الصحية، وتواطؤ الصمت الإعلامي، في مقابل إصرار لا ينكسر على الوجود، وعلى انتزاع الحق في الاعتراف والحياة الكريمة.
كيف تقييمين الواقع التونسي الأمني والقانوني والحقوقي للعابرات جندريا في تونس؟
إن الواقع التونسي اليوم، بكل حيثياته، غير آمن بالنسبة لنا، بل يمثل تهديدًا حقيقيًا لسلامتنا النفسية والجسدية. ويتفاقم هذا الخطر خاصة حين نُعرِّف عن أنفسنا بهويتنا الجندرية الحقيقية؛ فنحن نُعرِّض ذواتنا للمزيد من المخاطر في ظل غياب قانون يُقر بوجود العابرات جندرياً أو يُعرّفهن. وبالتالي، فإن غياب الاعتراف القانوني يحرمنا من حقوقنا الأساسية.
في المقابل، تُستغل فصول قانونية وتُكيَّف لملاحقة النساء العابرات والعابرين جندرياً ومجتمع الميم عين+، مثل الفصول 230 و226 و 226 مكرر. وغالبًا ما تُمرر التهمة الأساسية مرفقة بجملة من التهم الأخرى، كـ الاعتداء على الأخلاق الحميدة أو التهجم على عون أمن.
ماهي أبرز التحديات اليومية التي تواجهينها أنتِ والكوميونيتي؟ وهل تعرضتِ للتضييق بسبب هويتكِ الجندرية؟
بصفتي امرأة عابرة جندريًا، وغالبًا ما أُظهر هويتي الجندرية الحقيقية وأنشط بشكل مستمر على وسائل التواصل الاجتماعي، فإنني أكون دائماً عرضةً للهرسلة والتشويه والشيطنة وحملات التحريض. وآخر هذه الانتهاكات كان يوم 23 أكتوبر، حيث تعرضت لتهديد بالقتل، بل وشهدت محاولة قتل فعلية، مما سبب لي صدمة نفسية كبيرة.
أما على الصعيد العملي والاجتماعي، عندما تكشف العابرة جندريًا عن هويتنا الحقيقية، يصبح الحصول على عمل أمراً شبه مستحيل، حيث ترفض أغلب المؤسسات الاقتصادية تشغيل العابرات جندرياً. ولا يقتصر الإقصاء على العمل، فبعض الأطباء يرفضون علاجنا أيضاً بمجرد معرفة أننا عابرات جندرياً.
وبالتالي، يمكن القول إننا نتعرض لإقصاء ممنهج ومتعدد الأوجه يطال مختلف الفضاءات العامة؛ بدءاً من الحياة المهنية والصحية وصولاً إلى المجتمع، ما يحول دون تمتعنا بالخدمات كمواطن طبيعي. ناهيك أنه غالباً ما تتخلى عائلات العابرات عنهنّ ولا تساندنهنَ، مما يعرضهن لخطر الشارع ويجبرهن على الاعتماد على الذات من أجل النجاة.
هناك اعتقالات طالت العابرات في السجون، هل لديك فكرة عن واقعهنّ هناك والتهم الموجهة إليهن؟
تُعتبر النساء العابرات جندريًا الأكثر عرضة للاعتقال، وغالباً ما يكون السبب هو التعبير الجندري؛ فبمجرد أن يجد عون الأمن تناقضاً صارخاً بين المظهر الخارجي الذي يعكس الهوية الجندرية للفرد وبين المعلومات المدونة في بطاقة التعريف الرسمية، يتعرضن للإيقاف والاحتجاز التعسفي.
في المقابل، يظل واقع المعتقلات من النساء العابرات جندريًا في السجون أمراً مُغيباً تماماً. ليس لدينا أي توثيق موثوق لأعدادهنّ، ولا نعرف كيفية التعامل معهن داخل السجون. إن هذا التغييب سببه أن العابرين والعابرات يتجنبون الكشف عن هوياتهم الحقيقية خوفاً من تفاقم الوضع، مما يجعل مصير المعتقلات غامضاً وغير مطروح للنقاش العام.
هل ترين أن قضية العابرات مغيبة في النقاش العام ولا يتم الحديث عنها؟
نحن مُغيَّبات بالكامل عن الشأن العام. فبدلاً من فهم قضيتنا ومناقشتها بجدية، تستغلنا وسائل الإعلام فقط لجلب المشاهدات والسخرية، أو ما يُعرف بـ “البوز”، دون أي محاولة لمعالجة قضيتنا بجدية.
حتى المجتمع المدني بدوره لا يُعطي قضيتنا الأولوية اللازمة. هناك تعتيم وتغييب ممنهج للنساء العابرات جندرياًا، مما يُبقينا خارج دائرة الاهتمام والمناصرة الحقيقية.
ما هي أشكال التمييز التي تتعرض لها النساء العابرات جندرياً لها؟
نحن نتعرض للتمييز على أساس الهوية الجندرية، والتعبير الجندري، والميولات الجنسية. لقد طُردت شخصياً من مهن عديدة، وتعرضت للكثير من المضايقات والتحرشات. وهناك محاولات متكررة وممنهجة لشيطنة النساء العابرات.
كما نتعرض بشكل مستمر للابتزاز، والهرسلة، واعتداءات مختلفة على الصعيدين النفسي والجسدي. ويمكن القول بأننا نوجد في قاع الهرم الاجتماعي، ولهذا نواجه أغلب وأشد أنواع التمييز والإقصاء.
هل يتم تقديم خدمات الرعاية الصحية العابرة للجنس (Transgender Healthcare) في القطاع العام التونسي؟ وأين يمكن الاستفادة منها في حال وُجدت؟
يُعد العلاج الهرموني، علاج ضروري وحيوي للعابرات جندرياً، لكنه في المقابل غير متوفر على الإطلاق في القطاع الصحي العام التونسي ولا يمكن لأي عابرة الحصول عليه بسهولة.
أحياناً قد يكون متاحاً في القطاع الخاص، لكن ليس أي طبيب يستطيع تقديمه؛ بل يتطلب الأمر طبيبًا ذو ثقافة جندرية، وهذا العلاج مكلف جدًا. فيما يواصل الواقع الصحي التفاقم في ظل غياب أي تنظيم قانوني واضح لحقوقنا أو هويتنا.
ما هي الأدوار التي تلعبها المنظمات غير الحكومية ومجموعات الدعم في توفير ملاذ آمن ومساحة للتعبير عن الذات للعابرات جندريًا؟
في الواقع لم نجد من يمثلنا فعليًا بعد، على الرغم من وجود بعض المحاولات لتشكيل جمعيات ومنظمات، فإنها لا تعكس هويتنا الحقيقية ولا تُمثلنا بصدق. بل إن بعض هذه المحاولات كانت محدودة وتسببت لنا في الضرر بدلاً من المنفعة، مما يحرم الكثير من العابرات اليوم من الحق في العبور الآمن والمدعوم.
الأدهى من ذلك، أن بعض المنظمات والجمعيات تدّعي الدفاع عنا، لكنها في الواقع تُبطن ما يُسمى “فوبيا العابرات والعابرين جندرياً” (Transphobia). وسرعان ما نكتشف هذا الخذلان حين تتخلى عنا هذه الجهات بوضوح تام خلال الأزمات.
كيف تؤثر الضغوط المجتمعية ورفض العائلة على الصحة النفسية والعقلية للعابرات جندريًا في تونس؟
تؤدي الضغوط المجتمعية ورفض العائلة إلى تدهور حاد في الصحة النفسية والعقلية للعابرات جندرياً. ووفقاً للدراسات، فإن هذا الواقع ينتج عنه العزلة، الاكتئاب، والوحدة، مما يدفع في أحيان كثيرة إلى التفكير في الانتحار أو محاولة الانتحار الفعلي.
كيف ترين تناول قضايا العابرات جندريا في وسائل الإعلام التونسية اليوم؟
التناول الإعلامي لقضايانا يضعنا مباشرة في خطر، ويزيد من خطاب الكراهية ضدنا. فالطرحُ الإعلامي سطحيٌّ ولا يقوم على مراجع علمية حقيقية، وغالبًا ما يكون مبنيًا على تفسيرات دينية جامدة؛ لذلك لا يوجد نقاش حقيقي يعبر عن فهم عميق لمجتمع العابرات جندرياً.
الأمر لا يقتصر على وسائل الإعلام فحسب، بل حتى إن بعض المؤثرين أيضاً ينشرون علناً دعوات تطالب بقتلنا، وهو ما يضاعف من حجم التهديد الذي نواجهه يوميًا.
ما هي الرسائل الأساسية التي ترغب العابرات جندريًا في إيصالها للمجتمع التونسي لتصحيح المفاهيم الخاطئة عن هويتهنَّ؟
رسالتنا الأساسية هي أن العابرين والعابرات موجودون منذ الأزل. إن وجودنا في الماضي لم يكن يمثل مشكلة، لكنه أصبح كذلك بسبب الأنظمة الاستعمارية والمجتمعات الذكورية التي فرضت معاييرها. نحن أناس لدينا أهداف وطموحات، مثل أي شخص آخر. نحن لا نطلب الإذن لكي نكون موجودين، بل نحن موجودون بالفعل، نحن حقيقيون. وغصبًا عن أي شخص يحاول رفضنا أو إقصاءنا، نحن متواجدون بأعداد كبيرة، وسنستمر في الدفاع عن حقنا المشروع في الوجود.



















