حوار| فاطمة الزهراء البلغيتي: أجساد النساء ساحة لأشد أشكال العنف وحشية

في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة التي يشهدها المغرب، تتجدد الأسئلة حول أوضاع النساء وحدود المساواة وأشكال العنف والاستغلال التي تطبع حياتهن اليومية، خصوصًا داخل الأوساط الشعبية. 

وبينما يتسع النقاش حول الحقوق النسائية، تبرز “النسوية الشعبية”، كمقاربة تربط بين النضال ضد التمييز الجندري ومقاومة السياسات النيوليبرالية والتفاوتاتِ الطبقية، انطلاقًا من التجارب الملموسة لنساء الهامش والعمل والهشاشة.

في هذا الحوار مع فاطمة الزهراء البلغيتي، المناضلة النسوية في جمعية أطاك المغرب وعضو الشبكة الدولية للجنة من أجل إلغاء الديون غير الشرعية – المغرب، تحاور منصة “هنَّ”، واحدة من الأصوات المنخرطة في الدفاع عن العدالة الاجتماعية والاقتصادية من منظور نسوي نقدي؛ وذلك لنناقش معها قضايا الصحة والعمل المنزلي والعنف ضد النساء والإرث، إلى جانب تقاطع النضال النسوي مع النضالات العمالية والشعبية في المغرب. 

ماهو تعريف “النسوية الشعبية” في المغرب؟

لا تشكل النسوية الشعبية تيارًا محددًا، لذا من الصعب وضع تعريف دقيق لها أو تحديد موقعها. وتشير إلى تجارب نضال منغرسة في الظروف المادية لحياة نساء الطبقات الشعبية. وباعتبارها متجذرة في العلاقات الاجتماعية الملموسة، تربط النسوية الشعبية المطالب المادية (الصحة، التعليم، الحق في السكن، الأرض، الكرامة في العمل، العدالة الاجتماعية، إلخ) بإدراك حقيقة أن النظام الرأسمالي يقوم على اضطهاد النساء.

من هذا المنظور، تتميز النسوية الشعبية عن المنظورات الأكثر مؤسسية أو ليبرالية للنسوية بتقديرها للمعارف المستمدة من التجربة المُعاشة، وأشكال التنظيم الذاتي الجماعية، وممارسات التضامن. ولا تقتصر على المطالبة بالمساواة الشكلية بين الجنسين، بل تطالب بتحول بنيوي في علاقات القوة الاجتماعية.

في ماذا تتمثّل النسوية الشعبية في المغرب؟

في المغرب، يمكن النظر إلى بعض النضالات التي لا تعرف نفسها بأنها نسوية من منظور النسوية الشعبية. وهذا هو الحال مثلا في النضالات ضد خوصصة الماء، كما في ابن صميم في 2006-2007، أو مؤخراً في فجيج.

تتميز هذه الحركات بمشاركة قوية للنساء، بصفتهن حاملات للمعارف والممارسات الجماعية وأشكال التنظيم المجتمعي المرتبطة تاريخيًا بتدبير الموارد المشتركة. وهكذا، فإن التزامهن يندرج في إطار الدفاع عن أنماط الحياة المجتمعية المهددة بمنطق الخوصصة والتسليع، وكذلك في الحفاظ على السيادة الجماعية على الموارد.

ورغم أنه لا يمكن اعتبار أن كل حركة احتجاجية تقودها النساء تشكل بالضرورة حركة نسوية، فإن المشاركة الجماهيرية للنساء في المظاهرات الشعبية يمكن أن تكتسب بعداً نسوياً عندما تسلط هذه النضالات الضوء على الاستغلال والاضطهاد الخاص التي يتعرضن له في ظل نظام رأسمالي أبوي.

هل يؤثر غياب الخدمات الصحية في المغرب على النساء بشكل خاص بالمقارنة مع الرجال؟ 

للإجابة عن هذا السؤال ينبغي أولا الانطلاق من وضع النساء الاقتصادي والاجتماعي في المغرب. وحسب الأرقام الرسمية التي ترد في التقرير السنوي الذي تصدره المندوبية السامية للتخطيط المعنون ب،” المرأة المغربية في أرقام سنة 2025″، نجد أن النساء يمثلن نسبة 72.6 % من مجموع السكان غير النشطين. ويصل معدل البطالة في صفوفهن إلى 32.4 %. وتبين هذه المعطيات أن النساء هن أكثر الأقسام حرمانا من فرص شغل قارة بالمقارنة مع الرجال، وبالتالي فإن أغلبهن لا يتوفرن على مداخيل مستقلة تتيح لهن إعالة أنفسهن وتلبية حاجياتهن الضرورية، ومنها القدرة على الولوج العادل لخدمات صحية أساسية.  لذا فإن استمرار الدولة في الاجهاز على الطابع المجاني للصحة العمومية، في سياق هجومها النيوليبرالي المعمم ومنذ عقود، يفاقم على نحو أكبر الظلم الاجتماعي والجندري الذي يطال نساء الطبقات الشعبية.  

هل يمكن ربط النضال النسوي بالنضال الاقتصادي والاجتماعي في هذا السياق؟

يجب التذكير أولا بأن النضال النسوي كما نراه ليس جزئيا ولا مفصولا عن النضال ضد أشكال الظلم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والجندري التي يولدها مجتمع رأسمالي ذكوري، ويعيد إنتاجها بأشكال متعددة ومتداخلة. لا يمكن على سبيل المثال التصدي لاضطهاد النساء وقهرهن بالاكتفاء بإقرار مساواة قانونية، لأنه ورغم أهميتها ستبقى شكلية، لأن سياسات الدولة الاقتصادية والاجتماعية النيوليبرالية تفاقم فقر النساء وبطالتهن. وتزيد من تبعيتهن المادية للرجال على مستوى العائلة. 

أليست هناك مبادرات من أجل تمكين الاقتصادي للنساء؟

يجري دمج النساء في سوق شغل كيد عاملة رخيصة خدمة لمصالح سوق رأسمالية تبحث عن خفض كلفة الأرباح، أو دفع النساء المفقرات نحو دوامة الاقتراض من مؤسسات السلفات الصغرى بشروط مجحفة، “بدعوى تمكينهن الاقتصادي”. وتنكشف حقيقة هذه الوصفات النيوليبرالية والتي تدافع عنها النسوية المؤسساتية المهيمنة من خلال النضالات العمالية والشعبية، التي تنخرط فيها النساء في المغرب بأعداد متزايدة، بل وتقودها في بعض الحالات، كما هو الحال في نضالات عاملات سيكوم سيكوميك بمكناس وعاملات نماطيكس في طنجة.  ومن هذا المنطلق فأي نضال نسوي تحرري يبتغي انتزاع حقوق النساء الديمقراطية الفعلية يظل وثيق الارتباط بالنضال من أجل عدالة اقتصادية واجتماعية وبيئية.  ويقتضي ذلك دينامية نضال نسوي مستقلة تتصدى لسياسات التقشف النيوليبرالي ولجهاز الدولة القمعي، الذي ينكل بالنساء اللواتي ينخرطن في النضالات الاجتماعية، وبمن يعبرن عن آراء معارضة لتوجهات الدولة السياسية.  

لماذا لا يُعترف بالعمل المنزلي اقتصاديا على أنه عمل منتج شأنه شأن العمل في المصانع أو حقل الخدمات؟ 

أود بداية أن أوضح أن مفهوم “العمل المنزلي” يظل محدودا ولا يصف بشكل أشمل وأدق كل الأنشطة التي تقوم بها النساء والضرورية اجتماعيا لاستمرار دوران المجتمع. لذلك، أستحضر هنا مفهوم إعادة الإنتاج الاجتماعي باعتباره إطارا تحليليا نسويا أشمل لفهم طبيعة الأدوار التي تسند للنساء في مجتمع رأسمالي أبوي. 

لا يقوم النظام الرأسمالي على استغلال قوة العمل التي تُستنزف في المصانع والشركات فقط، بل يعتمد أيضا على مجمل العمل الضروري اجتماعيا لإعادة انتاج قوة العمل بشكل يومي. ويشمل ذلك تلبية حاجيات أفراد الأسرة الضرورية للاستمرار في الحياة والقدرة على الإنتاج بشكل عادي. وينجز هذا العمل المضنى في الغالب خارج علاقات السوق، وتتحمل النساء أعباءه وبدون مقابل.

 ورغم الطابع الحيوي والضروري لأنشطة إعادة الإنتاج الاجتماعي، يجري طمسها وعدم الاعتراف بها بوصفها عملا منتجا وذات قيمة اقتصادية، لأن الإقرار بها يستتبع تحميل كلفتها للمجتمع الرأسمالي. ويتناقض ذلك مع طبيعته القائمة على مراكمة الأرباح عبر خفض كلفة إعادة انتاج قوة العمل، وهو ما يتحقق من خلال استغلال العمل المجاني الذي تقوم به النساء. 

ما هي الأشكال الممكنة لتنظيم النساء اللواتي يقمن بشكل يومي بالعمل المنزلي غير المؤدى عنه؟

يقتضي الحال أولا توسيع النقاش حول هذه المسألة بالغة الأهمية اليوم. ففي المغرب تخصص النساء للعمل المنزلي والعناية المقدمة للأفراد 5 ساعات مقابل 43 دقيقة بالنسبة للرجال، حسب الأرقام التي يعرضها تقرير المندوبية السامية للتخطيط المشار إليه سلفا. وتضطر النساء العاملات إلى المزاوجة بين عملهن المأجور وعملهن غير المؤدى عنه في الاعتناء بالأسر. 

هل هناك مبادرات طالبت باعتبار العمل المنزلي هو عمل غير خالص الأجر؟

هناك بعض مبادرات الجمعيات النسائية التي طالبت باعتبار العمل المنزلي عملا اجتماعيا واقتصاديا، وليس دورا طبيعيا تقوم به النساء. ونحيل هنا على مبادرة جمعية تحدي للمساواة والمواطنة(ATEC) التي حملت هذه المطالب في تجمعات فاتح ماي من العام 2025. وبرز تناول هذا الموضوع في سياق مراجعة مدونة الأسرة، حيث طالبت منظمات نسوية بتثمين العمل المنزلي، واعتباره مساهمة في تنمية ممتلكات الأسرة، مع إمكانية احتسابه في حال طلاق الزوجين، وهو ما جاء في مقترح تعديلات مدونة الأسرة المعلن عنها. 

هل تثمين العمل المنزلي يُعالج فقط من الأسرة أم يتجاوزها إلى مؤسّسات الدولة؟

من الضروري تجاوز المنظور الليبرالي الذي يحصر العمل المنزلي في المجال الخاص والعلاقات الأسرية، لاسيما في سياق يتسع فيه الهجوم الرأسمالي النيوليبرالي على الخدمات الاجتماعية. فخوصصة خدمات الصحة والتعليم والنقل وغياب حضانات ودور رعاية عمومية مجانية جيدة تزيد من أعباء إعادة الإنتاج الاجتماعي التي تتحملها النساء. وبهذا الشكل تعوض النساء غياب الدولة عبر تقديم هذه الخدمات داخل الأسر: من الاعتناء النفسي والجسدي بالمرضى والمسنين إلى مرافقة الأطفال ومساعدتهم في أداء الواجبات المدرسية، بالإضافة إلى تحمل مسؤولية التدبير اليومي لموارد الأسرة لتتلاءم وحاجياتها الاستهلاكية في ظل غلاء المعيشة.  

يعد مجال أنشطة إعادة الإنتاج الاجتماعي في المغرب، كغيره من بلدان الجنوب العالمي، مجالا مركزيا للتعبئة والنضال الآني والاستراتيجي ضد آليات الاستغلال والاضطهاد الرأسمالي الأبوي. غير أن المطالب المرتبطة بهذه المسألة وكغيرها من المطالب الخاصة بالنساء، أو بمجموعات أخرى مضطهدة وهشة ينعدم تناولها في منظمات النضال العمالي في المغرب. 

كيف يمكن تنظيم عمل النساء غير خالص الأجر؟

إن تنظيم اللواتي يؤدين مهام منزلية بنطاقها الواسع يتطلب إدماج مطالبهن الخاصة في منظمات النضال الجماهيري: نقابات عمالية، جمعيات وحركات مناضلة مناهضة للخيارات النيوليبرالية وضد تسليع الخدمات، تنسيقيات الطلبة الأطباء وقطاع التعليم بمختلف فئاته، وحركات النضال الشعبي المطالبة بخدمات الصحة والسكن والمدافعة عن الأرض والماء. بشكل أدق على الأوساط المنظمة إن أرادت أن تتجدد وتصبح أكثر حياة ونشاطا أن تتسع فضاءاتها، وأن تكون مرنة أكثر وحافزة على التنظيم الجماعي والذاتي للأقسام غير المنظمة الأكثر استغلال وتهميشا، والتي تنخرط بنشاط عال في النضالات في فترات صعودها. 

أي متتبع للنضالات الاجتماعية في المغرب بتعدد اشكالها التنظيمية، وتنوع مطالبها واختلاف مكانها الجغرافي يدرك حجم تقاطعها، وأن زخمها يكمن في انخراط نساء الطبقات الشعبية فيها. إن دمج مطلب الاعتراف بالطابع المنتج لأنشطة إعادة الإنتاج الاجتماعي في ديناميات النضال العمالي والشعبي، قد يتيح تلاقي النساء العاملات في المنازل ومن يعملن مقابل أجر بمختلف فئاتهن، ومن شأن ذلك أن يفسح المجال أمام إمكانات تشكل حركة نضال نسوي مستقلة تجسد تطلعات نساء الطبقات الشعبية.

كيف تقرؤون معطيات الأمم المتحدة حول قتل النساء داخل الأسرة علما أن تقارير عام 2024، تشير أن القتل على يد الشريك أو أحد أفراد الأسرة هو الشكل الأكثر شيوعا لقتل النساء حول العالم؟

يرد في التقرير الذي أشرت إليه في سؤالك أن 60 في المئة من مجموع جرائم قتل النساء في العالم ترتكب على يد الشريك أو أحد أفراد الأسرة، وفي تقرير لمنظمة الصحة العالمية صدر سنة 2025، تشير الاحصائيات إلى أن امرأة من كل ثلاث نساء أي ما يقدر بنحو 840 مليون امرأة تعرضت لعنف الشريك أو لعنف جنسي خلال حياتها. 

ماذا تُظهر هذه الأرقام؟

تظهر هذه الأرقام المفجعة أن أجساد النساء تبقى ساحة لارتكاب أشد أنواع العنف وحشية، والتي تصل حد وضع حد لحياتهن، لاسيما في الفضاء الأسري. غير أن هذا المجال الخاص ليس معزولا عن البنية الاجتماعية والاقتصادية التي تولد العنف، وتعيد إنتاج أشكال متعددة من القهر الاجتماعي والاقتصادي، يعكسها الارتفاع المهول لمستويات الفقر والبطالة وانتشار الجريمة. وتجد هذه المآسي والمظالم الاجتماعية متنفسا لها في العنف الأسري الذي يسحق أجساد وكرامة النساء. كما يجسد العنف المرتكب في الفضاء الأسري أيضا إحدى تجليات الهيمنة والسيطرة الأشد تجذرا في مجتمعات طبقية أبوية لا تعترف للنساء بإنسانيتهن الكاملة والمستقلة. وينبغي ألا نغفل أن تعرض النساء، وبأعداد كبيرة، لأبشع جرائم العنف والأشد خطورة يزداد في سياقات الحرب والنزاعات المسلحة وعسكرة الحياة العامة، وتتحول أجسادهن إلى مناطق نفوذ تتنازعها كل قوى الهيمنة والسيطرة.      

هل تعكس هذه المعطيات واقعا مشابها في المغرب؟ 

في الحديث عن العنف المسلط على النساء في المغرب نحيل في أول الأمر إلى أن المندوبية السامية للتخطيط سبق لها أن أجرت بحثا وطنيا يعود لسنة 2019، وكشف أن من أصل 13.4 مليون امرأة المتراوحة أعمارهن ما بين 15 و74 سنة، تعرضت ما يفوق 7.8 مليون امرأة لواحد من أشكال العنف على الأقل، وهو ما يعادل 57 % من مجموع النساء. ويبقى الفضاء الزوجي أكثر الأماكن التي يرتكب فيها العنف، بحيث يصل عدد النساء اللواتي تعرضن لفعل العنف على يد أزواجهن إلى 5.3 مليون امرأة، في حين بلغ عدد من تعرضن للعنف من قبل أحد أفراد الأسرة غير الزوج 2.5 مليون امرأة. ويظل العنف إحدى المخاطر التي تلاحق حياة النساء باستمرار، ومن حالات العنف تلك المفضية لقتل النساء، وتطفو إلى السطح بين الفينة والأخرى جرائم قتل النساء.  

أليست هناك قوانين تحمي النساء من العنف؟

يعد العنف الممارس على النساء في المغرب أكثر شيوعا، بالرغم من إصدار قانون يجرم كل أشكاله، غير أن التجريم المؤسساتي يبقى محصورا في معالجة الأعراض ويكتفي بطرح الحل العقابي. ويحمل الناجيات من العنف العبء المادي لعواقبه الصحية جسديا ونفسيا، ولا يوفر آليات حماية فعلية لهن. 

تقدم الدولة نفسها بمثابة الحامي للنساء من العنف الجندري عبر سن تشريعات، لكن في ذات الوقت تحافظ على قوانين تمييزية وتصادر سيادة النساء على أجسادهن. وتمارس عنفا يستهدف أجساد وكرامة النساء في السياقات التي يقتحمن فيها الفضاء العام، وينخرطن في النضالات وفي فعل المعارضة السياسي لما هو سائد. هنا تصبح الدولة معنفا جماعيا لكسر مقاومة النساء وإرجاعهن لموقع التبعية التي يفرضها عليهن مجتمع أبوي. 

يكتسي العنف الجندري سواء ارتكبه أفراد او جماعات أو جهاز مؤسساتي طابعا بنيويا، وتفرض مواجهته نضالا نسويا، يستهدف تغيير ميزان القوى في مجتمع تحكم فيه أقلية سائدة، بسلطة القمع، على السواد الأعظم بحياة البؤس والشقاء. 

كيف ترون التقسيم الحالي للإرث في المغرب؟ 

يرتكز التقسيم الحالي للإرث في مدونة الأسرة على موروث فقهي يقيم ميزا صارخا بين النساء والرجال في توزيع الحصص، وهو وجه لاضطهاد النساء القانوني. وتدافع حركات الرجعية الدينية عن هذا الظلم القانوني باسم تشريعات سماوية قطعية. غير أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية للأسر المغربية تتجاوز هذه الأحكام الفقهية المتحكمة في الإرث، فلم يعد الرجل هو المعيل الوحيد للأسرة، بل أصبحت النساء يساهمن بشكل أساسي في إعالة الأسر، وتزداد نسبة ترأسهن لها. 

هل هناك مطالب نسوية واضحة بخصوص هذا الموضوع اليوم؟

تشكل المساواة بين الجنسين في الإرث إحدى مطالب الحركة النسوية في المغرب، والتي عادت لواجهة النقاش في سياق مراجعة مدونة الأسرة. وتطالب مذكرات الجمعيات النسائية بإلغاء التعصيب، واعتماد قاعدة الرد عند وجود البنات فقط، وإقرار الوصية وتقنينها بما يضمن المساواة في تقسيم التركة دون تمييز. لكن المجلس العلمي الأعلى الذي أُوكِلت له هذه المسألة لم يستجب لتطلعات الحركة النسوية، وبررت هذه المؤسسة الدينية كون فتح باب الاجتهاد في أحكام الإرث يتعارض مع قطعية النص.  

يستدعي النضال من أجل مساواة قانونية فعلية تحرير القوانين من وصاية موروث فقهي ثقافي، يضفي صفة “الطبيعة” على أشكال التمييز ضد النساء.  ولن يتحقق ذلك دون بناء ميزان قوى نسوي، قادر على تجاوز نطاق تعديلات تفرضه سلطة سياسية بما يخدم مصالحها الطبقية. فالأحكام الفقهية المؤطرة للإرث في مدونة الأسرة لا تعمل بمعزل عن البنية الاجتماعية والاقتصادية، بل تتماشى مع نمط توزيع الثروة والملكية داخل مجتمع تتداخل فيه أشكال اللامساواة بما يديم الاضطهاد الطبقي والجندري.  

اقرأ أيضا

  • حكايات من أسوار السجون.. ماذا تفعل الأمومة بالنساء خلف القضبان؟

    "ما هو المستقبل الذي سيعيشهُ هذا الطفل وقد فتح عينيه في السجن؟" بهذه الكلمات أنهت سجينةٌ مدانة بجريمة قتل حياتها بعد أن وضعت مولودها داخل السجن بأيّام قليلة. وهي كلمات تختزل شعور الأمّهات اللواتي يلدن في السجن بتفاوت قضاياهن وبعيدا عن الجرائم التي اقترفنهَا. تُسلب حريّات النساء خلف أسوار السجون بدرجات متفاوتة، تُنحت تجاربهن أيضا…

    يسرى بلالي|

  • “بنات السياسة”.. سرديات نسائية تحدت السجون وطمس النظام 

    بعد أربعين عاما تعود دليلة محفوظ الناشطة السياسية الى الحديث عن تجربتها السجنية، عبر خوض مغامرة الكتابة ضمن كتاب جماعي لمجموعة من السجينات السياسيات التونسيات: "بنات السياسة" وهو أثر سعت من خلاله مجموعة من الناشطات لتأريخ تجاربهن كنساء تونسيات داخل السجن وتجربة "حركة برسبكتيف " و"العامل التونسي" خلال فترة السبعينات. ويجمع كتاب "بنات السياسة" سردياتٍ…

    ريم بلقاسم|

  • من مآسي الحقول إلى شوارع العاصمة.. العاملات الفلاحيات ينتفضن من أجل الكرامة

    قطعت جميلة، عاملة زراعية، أكثر من 300 كلم قادمة من ولاية سيدي بوزيدي إلى العاصمة تونس، هذه السيدة لم تأتِ لتُخبر الناس عن حكاية شخصية فقط، بل لتحكي وجعًا مشتركًا. لتتحدث عن رفيقتها التي فقدتها في حادث شاحنة، والتي ماتت على الفور، وخلّفت طفلين صغيرين.  في حديثها لـ"هنَّ" تتذكر جميلة تفاصيل الحادثة بمرارة، وتكشف عن…

    أميمة عدواني|

  • مغربيات هويلفا.. من يضمد في آخر الصيد جرح الغزال؟ 

    "من سيضمد في آخر الصيد جرح الغزال؟ ومن للرجال.. إذا قيل ما نسبُ القومِ؟ فانسكبت في خدود الرمال دموع السؤال؟" أمل دنقل في بداية العام، كنت عائدًا من هويلفا، حيث تلتقي الأرض والسماء في أحضان حقول الفراولة الإسبانية، تلك التي لا تعرف فقط طعم الندى وحلاوة الثمار، بل تختزن في طياتها حكايات دم وعرق نساء…

    سعيد المرابط|