حوار| ضحى يحياوي: تضامننا مع غزة واجب إنساني لا يتجزأ 

منذ بداية العدوان الإسرائيلي الغاشم على غزة، شهدت تونس تحركات احتجاجية واسعة النطاق للتنديد بالمجازر المستمرة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل. كانت النساء التونسيات في طليعة هذه الاحتجاجات والمظاهرات المتكررة، ما يؤكد عمق تجذر القضية الفلسطينية في الوعي النسوي التونسي.

الاحتجاج من أجل فلسطين ليس مجرد تعاطف إنساني عابر، بل هو امتداد طبيعي لمسيرة طويلة من النضال الإنساني المشترك، الحقوقي، والثقافي الذي خاضته المرأة التونسية،  وفي هذا السياق تحدثنا المدافعة الحقوقية ضحى يحياوي، التي شاركت في غالبية التحركات المساندة لفلسطين، مؤكدة على  إيمانها الراسخ بأهمية هذا الحضور النسوي وتأثيراته الكبيرة على الأهداف والنتائج التي يمكن تحقيقها.

في هذا السياق، يجسد الدور المحوري الذي تلعبه النساء التونسيات في دعم القضية الفلسطينية، معتبرات ذلك جزءًا لا يتجزأ من نضالهن الأوسع نحو عالم يسوده العدل والمساواة.

وفي هذا الحوار الخاص على منصة “هنَّ” نتطرق مع الناشطة الحقوقية ضحى يحياوي إلى مسارها، أهدافها، ورؤيتها النضالية والحقوقية في تقاطع القضية الفلسطينية مع نضال النساء وحقوق الإنسان، منطلقة من قناعة راسخة بأن الحرية لا تتجزأ، وأن التضامن مع غزة ليس خيارًا، بل واجبًا إنسانيًا وقانونيًا وأخلاقيًا.

أميمة: بدايةً، كيف تقدمين نفسك لقراء منصة “هنّ”؟

ضحى: أنا ضحى يحياوي، باحثة في مرحلة الدكتوراه ومدافعة عن حقوق الإنسان. 

أميمة: ما الذي دفعك للمشاركة في المسيرات التضامنية مع غزة؟

ضحى: ما يدفعني هو إيماني العميق بأن حقوق الإنسان لا تتجزأ، وأن لكل شعب الحق الكامل في تقرير مصيره. وما يتعرض له الفلسطينيون والفلسطينيات هو جريمة استعمارية مستمرة، يُنتهك فيها يوميًا الميثاق الأممي وكل الأعراف الدولية. وكناشطة حقوقية، لا يمكنني أن أكون انتقائية في مواقفي؛ فالتضامن مع غزة ليس خيارًا سياسيًا أو عاطفيًا، بل واجب أخلاقي وقانوني وإنساني.

وحين أشارك في التظاهرات، فإنني أرفض في الوقت نفسه كل أشكال التطبيع، وأُذكّر بأن الحرية لا تتجزأ؛ حرية الفلسطينيين من الاحتلال، وحرية شعوبنا من الاستبداد الاجتماعي والسياسي.

أميمة: كيف تتأثر النساء بشكل خاص في الحروب والاحتلالات مثل ما يحدث في غزة؟

ضحى: النساء دائمًا يدفعن الثمن الأكبر. والفلسطينيات حاضرات اليوم كمقاومات، أمهات، إعلاميات، حقوقيات ومسعفات، ويواجهن عنفًا مركبًا يتقاطع بين العنف العسكري والنوع الاجتماعي.

وكذلك من خطر النزوح والتشرد، الاستهداف المباشر، وانعدام الحماية الطبية والغذائية، وحتى الاعتداءات الجنسية والاستغلال الاقتصادي… المرأة الفلسطينية تتحمل عبئًا هائلًا وسط هذا الدمار.

أميمة: كيف تربطين بين نضال النساء وما يحدث في فلسطين؟

ضحى: حقوق النساء لا تنفصل عن الحق في التحرر الوطني والكرامة. وحين نناضل في تونس من أجل المساواة والعدالة، فإننا لا نغضّ الطرف عما يحدث في غزة. 

ونضال النساء الفلسطينيات هو امتداد لنضالنا، لأنه لا يمكن الحديث عن تحرر نسوي حقيقي في ظل الاحتلال والعنف البنيوي.

والتضامن معهنّ هو تضامن نسوي أيضًا، لأنه يعيد التأكيد على أن لا حرية ولا كرامة ولا عدالة ممكنة تحت الاستعمار.

أميمة: برأيك، ما أهمية الحضور النسائي في الحركات التضامنية مع فلسطين؟

ضحى: الحضور النسوي في التظاهرات ليس رمزيًا فقط، بل جوهري. لأن النساء لا يكتفين بالمشاركة، بل يقدن الصفوف، يهتفن، ينظمن ويرفعن الصوت السياسي بوضوح.

وهذا الحضور يعكس وعيًا بأن المرأة ليست ضحية فقط، بل فاعلة ومؤثرة في قلب معركة التحرر، سواء كانت هذه المعركة وطنية، إنسانية أو نسوية.

أميمة: ما الأهداف التي يمكن أن تحققها هذه المشاركة النسوية؟

ضحى: التظاهر والاحتجاج مهمان أولًا لأنه لا صوت يعلو فوق صوت الشعوب الحرة حين تقرر أن تقول الحقيقة. الاحتجاج أداة أساسية للتعبير عن الرفض والغضب والكرامة، وللتأكيد أن ما يحدث مرفوض حقوقيا وإنسانيًا وسياسيًا.

ثانيا، يكسر جدار الصمت والتطبيع؛ فالتظاهرات تفضح الجرائم، وتعيد فلسطين إلى واجهة الخطاب الحقوقي والسياسي. وأيضًا يساهم في صناعة الوعي الجماعي، لأن المشاركة النسوية تساهم في خلق ثقافة مقاومة مدنية طويلة الأمد. كما يقوم ببناء الضغط الشعبي؛ حتى إن لم تُغيّر التظاهرة قرارًا حكوميًا آنيًا، فإنها تراكم قوة رمزية وشعبية مؤثرة… نحن لا نحتج فقط، نحن نُبقي الذاكرة حيّة ونقاوم الهزيمة المعنوية.

أميمة: ما الرسائل التي ترغبين بإيصالها من خلال مشاركتك؟

ضحى: من خلال مشاركتي، أريد أن أوصل ثلاث رسائل أساسية؛ رسالة إنسانية، مفادها أن ما يحدث في غزة ليس مجرد “أخبار عاجلة”، بل مآسٍ يومية حقيقية، وكل ضحية لها اسم وقصة، وهذا لا يجب أن يُمحى بالصمت أو التواطؤ.

رسالة قانونية، تؤكد على أن الاحتلال جريمة مستمرة، وحق الشعب الفلسطيني ثابت لا يسقط. والثالثة رسالة مقاومة وأمل، لأن وجودنا في الشارع هو فعل مقاومة، ورسالة تقول للفلسطينيين والفلسطينيات: لسْتم وحدكم، أصواتنا معكم.

أميمة: ما هي دعوتك للمجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية؟

ضحى: أدعو المجتمع الدولي، والمنظمات الحقوقية إلى الارتقاء بمواقفهم؛ من مستوى الإدانة الكلامية إلى مستوى الفعل المسؤول والملزم قانونيًا وأخلاقيًا. فلم يعد مقبولًا الاكتفاء ببيانات الشجب فيما يواجه المدنيون والمدنيات في غزة آلة قتل جماعي، حصارًا وتجويعًا ممنهجًا يشكل جريمة ضد الإنسانية وفق كل المواثيق الدولية.

أدعوهم إلى تفعيل كل الآليات القانونية الدولية من أجل محاسبة الاحتلال الإسرائيلي على جرائمه المستمرة، ودعم كل مسار يضمن رفع الحصار فورًا ووقف العدوان العسكري وإنهاء الاحتلال الاستيطاني من جذوره.

أميمة: كيف تقيمين التحديات التي تواجهها الناشطات خلال التظاهر من أجل غزة؟

ضحى: أقيّم الحضور النسائي و النسوي في هذه المسيرات بأنه حضور مشرف؛ فالنساء والنسويات موجودات بقوة، يرفعن الشعارات، يهتفن، ينظمن الصفوف، ويعبرن عن مواقف سياسية واضحة ويقدن. 

هذا الحضور ليس فقط عدديًا، بل هو نوعي أيضًا لأنه يبرز أن النساء والنسويات لسن غائبات عن قضايا التحرر الكبرى، بل هنَّ في قلبها وفي الصفوف الأمامية للنضال، ليس فقط دفاعًا عن حقوق النساء بل دفاعًا عن الحق الإنساني والوطني والقيمي في الحرية والكرامة والعدالة.

إن هذا الحضور يضفي بعدًا خاصًا لأنه يرسل رسالة للعالم بأن النساء لسن مجرد ضحايا حروب واحتلالات، بل هنّ فاعلات في المقاومة والصمود والتضامن.

أميمة: ما أبرز هذه التحديات التي تواجهها الناشطات خلال مشاركتهن في المسيرات والمظاهرات؟ 

ضحى: تواجه الناشطات تحديات متعددة ومتشابكة، أبرزها العنف الأمني والاعتداءات أو التهديدات أثناء التظاهر، سواء من الجهات الرسمية أو من بعض الأطراف الرافضة للدور النسوي. كما يُضاف إلى ذلك الوصم الاجتماعي والثقافي، حيث تتعرض المشارِكات لحملات تشويه أو تضييق لمجرد خروجهن للدفاع عن قضية سياسية.

وتُعاني كثيرات أيضًا من الإرهاق النفسي والعاطفي نتيجة متابعة الأخبار المؤلمة القادمة من غزة، إلى جانب الضغط الميداني. ولا يمكن إغفال الفراغ القانوني، حيث تغيب الحماية الفعلية للمدافعات عن حقوق الإنسان، مما يجعلهن عرضة للملاحقة أو المضايقة دون ضمانات.

ورغم كل ذلك، تواصل النساء مشاركتهن بشجاعة في الصفوف الأمامية، تأكيدًا على أن أصواتهن جزء لا يتجزأ من حركة التضامن والمقاومة المدنية. 

اقرأ أيضا

  • روبورتاج| تعليم أبناء المهاجرين في موريتانيا.. حق مكتسب أم حسنةٌ إنسانية؟ 

    مدرسة صغيرة في شمال موريتانيا، تقوم بتقديم دروس مجانية لمئات الأطفال من عشرين دولة إفريقية وصلت عائلاتهم إلى نقطة مدينة نواذيبو الساحلية، والشهيرة بانطلاق قوارب الهجرة إلى أوروبا، تحديدًا جزر الكناري الإسبانية. تتلو مريم دروس الجمع والطرح كما لو كانت ابتهالا دينيا، بينما يشير ثيوفيل ميرلين، مدرس الرياضيات، بمسطرة إلى السبورة، فيما يندفع الأطفال مع…

    ليلى محمد|

  • “8 مارس”.. بين إنجازات النضال النسوي وتحديات تحقيق المساواة!

    في الثامن من مارس من كل عام، يحتفي العالم باليوم العالمي لحقوق النساء، تخليدا لنضالاتهنّ وإبرازًا لدورهنّ في بناء المجتمعات، وهي مناسبة لا تأتي للاحتفاء الفولكلوري فحسب، بل تعكس لحظة تأمل عميقة في مسار طويل من الكفاح، كفاحٌ سطرت من خلاله المرأة اسمها في صفحات المجد، متألقة في مختلف الميادين، من السياسة إلى الاقتصاد، ومن…

    عفراء علوي محمدي|

  • ألم الهوية وجرح المجتمع.. قصة متحولة جنسية مع العادات والقوانين في موريتانيا 

    من موريتانيا، حيث يتراءى لك شظايا الماضي في عيون الناس وعاداتهم الراسخة، هربت مريم، فمع كل خطوة كانت تخطوها في بلاد المرابطين كانت تشعر وكأنها تحمل عبئاً ثقيلًا فوق قلبها؛ في عالم يتربص فيه الخوف من الآخر، لاسيما وأن مريم امرأة محاصرة بين هويتها الجندرية الحقيقية والمجتمع الذي يرفضها؛ فهي هي واحدة من الكثيرات اللاتي …

    سلطانة خليفة|

  • مغربية تُرحَّل في خضم علاجها من السرطان.. فضيحة تهز نظام التعاقد الموسمي في إسباني

    في صباح اليوم الرابع من شهر يونيو الجاري، كانت زينب، عاملة زراعية مغربية، تودّع حقول الفراولة الإسبانية في مدينة هويلفا ليس لأنها أنهت موسم العمل، بل لأن أحدهم قرر أن رحلتها يجب أن تنتهي هنا. لم تغادر بإرادتها، ولا أنهت عقدها بسلام. زينب، التي شُخّصت حديثًا بسرطان عنق الرحم في مرحلته الرابعة، أُجبرت على ركوب…

    Hounna | هنّ|

  • الفيديوهات

  • “لم نتوصل بالدعم”..نساء الحوز يكشفن الوجه الآخر لإهمال ضحايا الزلزال

    يبدو أن بلدة مولاي إبراهيم بإقليم الحوز، جنوب مدينة مراكش، لن تتعافى قريبا من تبعات الزلزال الذي بعثر سبل العيش هناك، خاصة أن أغلب سكان البلدة كانوا يعيشون على نشاط السياحة الداخلية التي يجلبها ضريح مولاي إبراهيم، فالتجارة والإيواء وخدمات أخرى توفرها الساكنة، خاصة نسائها، توقفت اليوم بشكل كلي، ولا أمل يلوح في الأفق لعودة…

  • محاكمة عسكرية للمعارضة التونسية شيماء عيسى

    لم تغلق المحكمة العسكرية بعد، ملف محاكمة شيماء عيسى، المعارضة التونسية والقيادية في جبهة الخلاص الوطني، فقد تم تأجيل جلسة، محاكمتها إلى 10 أكتوبر، القادم.