حوار| صفاء أقراب: نساء سيكوميك لسن ضحايا فقط بل معلمات حقيقيات في مدرسة النضال

في المغرب، حيث تتقاطع سياسات الحكومة في التقدم المبني على البنية التحتية مع واقع التهميش البنيوي، تُسطّر عاملات “سيكوم/يك” واحدة من أبلغ صفحات الصمود العمالي النسائي. 

أربع سنوات من الاعتصام أمام فندق “ريف” في مكناس، بعد طرد تعسفي وحرمان من أبسط الحقوق، كانت كافية لتحوّل الرصيف إلى مدرسة نضالية، والخيمة البالية إلى رمز للكرامة المهدورة.

في هذا الحوار، تكشف صفاء أقراب، عضو جمعية “أطاك المغرب”، عن تفاصيل هذا النضال الطويل، متوقفة عند الألم اليومي، والآثار النفسية والاجتماعية، كما تسلط الضوء على التحوّل العميق في وعي هؤلاء العاملات اللواتي رفضن الصمت.

حوار صفاء أقراب مع منصة “هنَّ” ليس فقط توثيقًا لمعركة نساء تم إقصاؤهن من دورة الإنتاج، بل هو إعلان واضح بأن “الكرامة لا تُمنح، بل تُنتزع بالنضال”. 

شادي: كيف تطورت الأوضاع الاجتماعية والصحية والنفسية لعاملات سيكوم/يك في المعتصم بعد مرور سنة؟

صفاء: الوضعية الصحية والنفسية والاقتصادية والاجتماعية عرفت تدهورًا مستمرًا. لقد دام الاعتصام لأكثر من سنة، في ظروف مناخية قاسية، بين برد الشتاء وحر الصيف، ودون أدنى مقومات الحياة. ولا أعني هنا الحياة الكريمة، بل الحياة فحسب. في كل مرة تُصاب إحدى المناضلات بوعكة صحية، تضطر إلى التوقف عن الالتحاق بالمعتصم، مما يؤثر سلبًا على الحالة النفسية الجماعية وعلى دينامية النضال.

 نحن الآن في السنة الرابعة بعد الطرد التعسفي من المعمل، ما يعني أن لدينا 500 عائلة تعيش دون دخل مادي قار، ولا تغطية صحية، منذ أربع سنوات، وسط مستويات خطيرة من التدهور النفسي والاكتئاب.

عندما تظهر بعض المبادرات البسيطة، كالبحث عن دواء لإحدى المناضلات أو لأبنائها، يُلاحظ الخوف في وجوه أعضاء المكتب النقابي، لأنهم لم يعودوا قادرين على إعطاء أمل كاذب ثم تقديم اعتذار إذا لم تنجح المحاولة. هناك شعور عام بالإرهاق الجسدي والنفسي، ليس فقط بسبب طول الاعتصام، ولكن أيضًا بسبب حجم الصمت والتعتيم الإعلامي.

شادي: ماهي نتائج كل هذا على أبناء المُعتصمات؟

صفاء: النتائج كارثية على الأطفال، وخاصة الفتيات اللواتي يُضطررن إلى مغادرة مقاعد الدراسة. وفي غياب الإمكانيات المادية للاستفادة من الدروس الإضافية، وفي ظل نظام نيوليبرالي يخرب المدرسة العمومية، تتكرر حالات الرسوب لدى عدد كبير من أبناء وبنات المعتصمات. كما أن الغياب الطويل للأمهات عن المنازل، نظرًا لالتحاقهن المستمر بالمعتصم، أدى إلى تخلي بعض الأزواج عنهن، مما عمّق أزمات نفسية متفاوتة الحدة لدى الأطفال والمراهقين.

مؤخرًا، اضطرت إحدى العاملات إلى جلب ابنتها إلى المعتصم، إذ كان زوجها قد تخلى عنها منذ مدة، بعدما خيّرها بين النضال في المعتصم أو البقاء معه، فاختارت الطلاق… وقد تعرضت الفتاة لاحقًا لتحرش جنسي من أحد زبائن البار التابع للوحدة الفندقية التي يعتصمن أمامها، والذي يعامل المعتصمين والمعتصمات بأساليب أقل ما يُقال عنها إنها غير إنسانية.

هؤلاء النساء المعتصمات من أجل حقوقهنّ هن من يدفعن الثمن الأكبر صحيًا، نفسيًا واجتماعيًا. هناك ظلم طبقي وتمييز جنسي واضح.

شادي: كيف تقيمين صمود هؤلاء النساء وتضحياتهن؟

صفاء: صمود هؤلاء النساء هو صمود بطولي، يُجسّد نضالات الطبقة العاملة، وخاصة نضالات النساء اللواتي يتحملن عبئًا مزدوجًا من الاستغلال الرأسمالي والبطرياركي. هؤلاء العاملات، اللواتي جُرّدن من الأجر ومن أبسط الحقوق، لم يستسلمن، وما زلن صامدات في وجه ربّ عمل تخلّى عنهن بعد انتهاء “صلاحيتهن” الإنتاجية، وفي وجه دولة تمارس العنف ضدهن، سواء بصمتها أو بتواطئها.

مقاومتهن لا تنبع من مبدأ “مكرهٌ أخاك لا بطل”، كما يقلن، بل من وعيٍ بأن هذا الوضع الذي يعشن فيه هو نتيجة نظام يُقدّم الأرباح على حساب الإنسان. لقد أدركن من خلال حياتهن اليومية أن النيوليبرالية، التي تضع السوق فوق كل اعتبار، هي سبب معاناتهن وسبب طردهن. وهنّ، وإن لم يستخدمن المصطلحات النخبوية أو الأكاديمية، فإن وعيهن، وإرادتهن، ومقاومتهن، تنبع من رفضهن لظروف المعاناة اليومية المفروضة عليهن، ومن التضامن بينهن، وليس من الأوساط الأكاديمية. شخصيًا، أراهنّ مدرسةً للنضال.

صمودهن يُظهر لنا أنه بالإرادة، والتنظيم، والثقة المتبادلة، يمكن للنضال أن يُثمر، رغم العداء الذي تواجهنه من بعض عمّال الفندق، والذي قد يكون نتيجة للتحريض أو الضغط من طرف ربّ العمل، ولغياب وعيٍ طبقي موحّد وتقاليد النضال المشترك، ما يجعل الانقسام بين قطاعات الطبقة العاملة أداةً في يد الاستغلال لتمزيق الصفوف. لكن رغم عدم نضج هذه الثقافة، فقد خلقن من معتصمهن فضاءً يُجسّد الصمود.

ففي قلب هذا القهر، خلقت نساء الاعتصام، وسط البرد والقمع، في خيام بالية، فضاءً للتضامن، فضاءً يستحق بحق اسم “معتصم الكرامة”.

نضال هؤلاء النساء هو نضال ضد تحويل الإنسان إلى آلة. نضال يُبيّن أنهنّ رفضن أن يكنّ ضحايا صامتات، وآثرن خوض المعركة.

شادي: ما الذي يجعلهن مقتنعات بمواصلة النضال رغم معاناة أطفالهن؟

صفاء: لا يجب أن نرى العاملات كضحايا فقط، بل هنّ خزان للمقاومة. صمودهن، وسط ظروف مهينة، والبرد، والحر، والمرض… سببه الوعي الطبقي الحي الذي تكوّن لديهن. وعي نابع من شعورهن حين يمرضن ولا يجدن وسيلة للعلاج، وعي نابع من مقاومتهن لصمت الدولة.

إنهنّ مقتنعات بمواصلة نضالهن “بسبب” وليس “رغم” المعاناة التي يعيشها أولادهن، لأنهن اكتشفن في يوم من الأيام أن في غياب نضالهن من أجل نيل كامل حقوقهن قد ينمنَ هن وأطفالهن جياعًا، أو لا يجدن مأوى ينامون فيه أصلًا.

أعتقد أننا، كطبقة عاملة مغربية، قد طبّعنا مع النيوليبرالية، وقبلنا الذل على أنه “مرونة”، وتعلّمنا أن نبيع كرامتنا باسم “المصلحة العامة” و”مرونة سوق الشغل”. لكن هؤلاء النساء لم يَعُدنَ قادرات. لا يملكن رأس مال، ولا دعمًا سياسيًا، لكن لديهن عزيمة، ووعي خرج من سنوات من الاستغلال في مصنع سيكوم للنسيج، ومن الطرد التعسفي، ومن الجلوس سنة كاملة أمام الفندق.

هنّ لا يتحدثن عن “تفكيك البنى الاقتصادية”، ولكنهنّ يعلمن أن ربّ العمل قد تركهن والدولة تتفرّج. وتجد إحداهن تقول: “عملت 40 سنة وطُردت، هل أنا مغربية؟”، هذا وعي سياسي وطبقي. الفرق أنه ليس نخبوياً، بل شعبي ونسوي.

البقاء أمام الفندق هو مقاومة. الجلوس على الرصيف، والبيع على الرصيف، والاحتجاج، والمبيت الليلي… كلها أفعال مقاومة تقول لربّ العمل وللنظام: “لن نغادر دون أن نأخذ حقّنا”. وهنّ مقتنعات بمواصلة هذا النضال لأنهن يؤمنّ بأن “الموت ولا المذلة”.

شادي: كيف تصفين تطور وعيهن السياسي والنضالي كنساء عاملات؟

صفاء: لكي أصف تطوّر وعيهن، لا بدّ لي أن أكون قد عرفتهن وهنّ فتيات صغيرات كنّ يتعرضن للاستغلال دون مقاومة. لكنني تعرفت عليهن في ذروة نضج وعيهن الطبقي. هؤلاء النساء هنّ زبدة المناضلات والمناضلين.

نضالهن يُشكّل نفيًا مباشرًا لقيم الرأسمالية؛ يتحدّين مبدأ الربح فوق الإنسان، ولا يؤمنّ بأن ربّ العمل يجب أن يكون فوق العدالة، ولديهن روح تضامنية متجذّرة. وهنّ، من دون شعارات كبيرة أو أدبيات مزخرفة، يقفن في مواجهة النظام الرأسمالي، ويقلن: “نحن لسنا فقط عاملات، نحن بشر، ونعلم تمامًا من سرق عرقنا”.

أنا شخصيًا أرى في الوعي الذي شكّلنه من خلال نضالهن، وفي الوعي الذي تولّده النضالات المشابهة لنضالهن، النابع من الاستغلال الرأسمالي… أنه إذا تطوّر أكثر، وإذا توحّدت هذه النضالات، فستشكّل بداية الطريق نحو التغيير الجذري.

لأن هذا النوع من الاستغلال والقمع قادر على خلق وعيٍ ثوريّ شامل، يدفع نحو إسقاط النظام الذي ينتج العنف والاستغلال.

عاملات سيكوم المنسيات يناضلن اليوم في الشارع، تحت الشمس والبرد، ويكتبن بأيديهنّ تاريخ المقاومة الطبقية النسائية.

شادي: كيف بدأت علاقتك بهذه القضية؟ وكم مرة تزورينهن؟ وماذا تعلّمتِ من نضالهن؟

صفاء: سمعت عنهن لأول مرة عندما كنت أغادر مكناس. في البداية، كان تضامني معهن عن بُعد فقط. ذهبت إلى الدار البيضاء لأكثر من سنتين، ولم أكن مرتبطة بقضيتهن. لكن حين عدت إلى مكناس، وجدتهن لا يزلن يعانين من نفس المشكلة دون حل، وهو ما جعلني أشعر بشيء من تأنيب الضمير لأني لم أتابع قضيتهن.

عندما اعتصمن أمام فندق “ريف”، كنّ يبعن العلكة والمناديل الورقية لتأمين لقمة العيش، وصرت أشتري منهنّ بدلًا من المحلات، تعبيرًا عن تضامن بسيط. تطورت علاقتي ببعض النساء، ثم لاحقًا بالمكتب النقابي الخاص بهن. صرت أذهب لتحيتهن، وأقف معهن في الوقفات الاحتجاجية، لإيماني بعدالة قضيتهن، ولأن ما يعشنه ليس مجرد معاناة فردية، بل هو جزء من نظام استغلالي واسع لا يعرف سوى النهب. ما حدث لهن هو صفعة في وجه الطبقة العاملة بأكملها.

الوقت الذي قضيته معهن علّمني ما هو الوعي الطبقي، وكيف يولد من المعاناة اليومية، ومن الصمود الجماعي في وجه الاستغلال والظلم والمهانة. هؤلاء النساء، رغم الفقر والتهميش، نسجن وحدة متينة، وتضامنًا صلبًا لا يمكن كسره بسهولة، رغم تعدد المحاولات.

أعتقد أن هذا التضامن وهذه الثقة المتبادلة بينهنّ هما سلاحهنّ الحقيقي، ويجب أن نتعلّم منهن أساسيات النضال الحقيقي.

رأيت فيهن روح المقاومة الحقيقية، التي لم تأتِ من كتب أو دروس، لأن أغلبهن لم يتعلمن القراءة أصلًا، بل جاء وعيهن من المعاناة، ويمتلكن فهمًا عميقًا بأن جذور ما يتعرضن له من ظلم، يكمن في الرأسمالية التي تسلبهن حقوقهن وكرامتهن.

هؤلاء النساء اللواتي خرجن من المدرسة في سن مبكرة للعمل في قطاع النسيج، غيّرن حتى النظرة الرومانسية التي كانت لديّ عن الثورة ومن يجب أن يقودها. وتعلمت منهن أن التضامن لا يجب أن يُمارَس لأنه واجب نضالي فقط، بل ينبغي أن يكون بدافع الحب… وأنا أحبهن جميعًا، وأحب كل النساء المناضلات أينما كُنّ.

اقرأ أيضا

  • “الجميع اغتصبوني”.. ضحايا الاغتصاب في موريتانيا “عراة أمام القضاء” 

    في موريتانيا، يمكن أن تعتبر ضحية الاغتصاب "زانية"، أقامت علاقات جنسية خارج إطار الزواج، أو عار وفضيحة للضحية وعائلتها، مما يترك هؤلاء النساء ضحايا الاغتصاب أو الاعتداء الجنسي يواجهن وضعا معقدا، يتمثل في الإبلاغ عن المعتدين عليهن من عدمه، نظرا لأنه قد ينتهي بهن الأمر إلى السجن أو فقدان حقوقهن وكرامتهن المنتهكة، كما ترى منظمات…

    Hounna | هنّ|

  • لا أطلب سوى العدالة.. صرخة أم تُناشد رئيس الجمهورية من أجل كشف الحقيقة

    "كُنت أشتري له السراويل القصيرة والقمصان وأجهّز له الأكل من أجل الزيارة القادمة.. وهو ميّتا! لم يعلموني بأنّه توفيّ في الساعة 10.45 صباحا بسبب فشل في عضلة القلب والكلى، وفي الليل طلبوا مني الحضور إلى المستشفى لأكتشف بالصدفة بأنّه توفيّ من أحد المرضى الذي كان معه بنفس الغرفة" بهذه الكلمات اختزلت السيّدة حياة الجبالي والدة…

    يسرى بلالي|

  • اعتداء على برلمانية ونساء محتجات يُفجّر الغضب ضد انتهاك حقوق المرأة في موريتانيا

    في حادثة تُظهر هشاشة الوضع القانوني والإنساني للنساء في موريتانيا، خاصة في قضايا النزاع العقاري، تعرضت النائبة البرلمانية والقيادية في حركة “إيرا”، غامو عاشور، لاعتداء جسدي عنيف أثناء مشاركتها في اعتصام سلمي تضامني مع مجموعة من النساء المعيلات، يطالبن بحقوقهن في أرض يمتلكنها منذ سنوات. الحادثة التي وقعت في حي I4 بمقاطعة تيارت، كشفت عن…

    Hounna | هنّ|

  •  “مواطنون من الدرجة الثانية”.. معاناة ذوات الإعاقة من الوصم والإقصاء في سوق العمل

    "عندما أرسل سيرتي الذاتية إلى الشركة، ينبهر المدير عند رؤيتها لأول وهلة، لكن ما إن يراني شخصيًا حتى يتغير كل شيء. يُطلق كلمات الإعجاب: 'برافو، سنتصل بك قريبًا'، لكن ذلك 'القريبًا' لا يأتي أبدًا، تاركًا خلفه شعورًا مريرًا بالرفض، خاصة عندما ترى علامات ذلك الرفض في نظرات المدير وهو يقلبني منذ دخولي المكتب، ينظر إلى…

    أميمة عدواني|