في الفترة الماضية، ومنذ أربعة أشهر، خاض الأطباء الشبان في تونس سلسلة من التحركات الاحتجاجية المكثفة، شارك فيها أكثر من 12 ألف طبيب شاب، وتوّجت بتوقيع اتفاق مع وزارة الصحة في يوليو الماضي، وُعدوا بموجبه بمكاسب مهمة كتحسين الأجور وظروف التكوين ومنح الاستمرار.
ومؤخرًا أعلنت “المنظمة التونسية للأطباء الشبان” عن جولة ثانية، “الروندة الثانية” من الاحتجاجات على خلفية “تعثر تطبيق الاتفاق، والمماطلة في تنفيذ بنود هامة” قام عليها الحراك كإعفاء بعض الاستثناءات من الخدمة المدنية ونشر الزيادات المتفق عليها.
ولتسليط الضوء على هذا التراجع والتحديات التي تواجه جيل الأطباء الجدد، تحاور منصة “هنَّ” الطبيبة الشابة سلمى ذُكار، والتي شاركتنا التحديات اليومية للأطباء والطبيبات الشابات اليوم في تونس، المكاسب التي تحققت في “الروندة الأولى” وأهداف “الروندة الثانية” وإلى أي مدى يستعد الأطباء الشبان إلى التصعيد في هذه التحرك الاحتجاجي المقرر يوم غدٍ الإربعاء أمام مجلس نواب الشعب.
ما هي أبرز التحديات اليومية التي تواجهونها كأطباء شبان في المستشفيات العمومية التونسية؟
في الواقع يفوق حجم التحديات اليومية التي يعيشها الأطباء ما يمكن أن يتحمله أي شخص، فنحن نعيش ضغط ثلاثي الأبعاد، يبدأ من الإرهاق الجسدي وصولاً إلى الاستنزاف النفسي والمهني. وبلغ الإرهاق الجسدي مستويات عالية، حيث يتحمل الأطباء الشبان العمل في ظروف قاسية تفتقر لأبسط مقومات الممارسة المهنية. فبسبب نقص الطواقم الطبية نتيجة لنزيف الهجرة الأطباء؛ يجد كل واحد منا نفسه يعمل بما يعادل مجهود ثلاثة أطباء. كما نعاني بشكل شبه يومي من نقص المعدات الأساسية، التي غالباً ما تكون تالفة أو عاطلة، مما يجبرنا على اتخاذ قرارات مهنية مصيرية في بيئة تتعارض مع المعايير المهنية والأخلاقية.
أما من ناحية الصحة النفسية، فوضعنا كأطباء شبان اليوم في حالة خطرة جداً، إذ نحن نعيش تحت ضغط نفسي مزمن. فكم مرة سمعنا عن محاولات انتحار متكررة بين أصدقاء وزملاء كنا نعرفهم بالأمس، نتيجة لهذا الضغط والإرهاق اليومي.
من المحزن اليوم أن المنظومة الصحية في تونس عاجزة عن حمايتنا أو المحافظة علينا كطواقمها. وليس هذا فحسب، بل أصبح العنف الجسدي واللفظي داخل أقسام المستشفيات التونسية جزءاً من روتيننا اليومي، حيث نجد أنفسنا نعمل في ظروف غير آمنة ومهددة لسلامتنا الجسدية.
إن الطبيب يظل إنساناً له حياته وعلاقاته الشخصية التي تتأثر بشكل كبير بهذا الضغط. لكن المنظومة الصحية التونسية تتعامل معنا كآلات لا تشعر، ولا تتأثر، ولا تعاني.
بعيدًا عن المطالب النقابية العامة، كيف تقيّمن اليوم واقع عمل الطبيبات الشابات في تونس؟
واقع النساء الطبيبات في تونس هو واقع معقد فيه الكثير من التحديات. فإلى جانب الضغط المشترك بين الأطباء الذكور، نجد أنفسنا أمام تمثلات مهنية وجندرية مقلقة، مانزال اليوم نواجه نظرة فيها استحقارًا وتشكيكًا في كفاءتنا، فقط لأننا نساء.
الطبيبة التونسية تصطدم بجملة من الإشكالات المتجذرة التي تكرسها المجتمعات العربية الذكورية، إذ نتعرض يوميا إلى أشكال مختلفة من الهرسلة والتضييق الممنهج الذي يستهدفنا فقط لأننا نساء حتى من قبل زملائنا في العمل، وفي هذا السياق يمكن أن أستحضرَ لك العديد من الطبيبات اللواتي تقدمن بشكايات لدى جهات أمنية نتيجة تعرضهن لأشكال مختلفة من التمييز أو المضايقة من قبل مواطنين وحتى زملاء في المهنة.
حتى المنظومة الصحية نفسها تُمارس ضدنا عقوبات غير مبررة؛ إذ يُمنع على الطبيبة أن تكون حاملاً في مراحل معينة من فترة الخدمة بالمستشفى.
لكن رغم كل هذه التحديات، تُصر الطبيبات الشابات على الاستمرار والمقاومة يومياً، بدءًا من ضغط المهنة وصولاً إلى النظرة التمييزية. وفعلاً، نجحت الطبيبات وفرضنَ مكانتهنَ وحضورهنَ، حيث أثبتنَ مهنيتهنَ وقدرتهنَ العالية على الصمود في وجه هذه المنظومة والظروف القاسية.
بعد تعليق احتجاجاتكم منذ أشهر، ما هو الدافع المباشر الذي جعلكم تتخذون قرار خوض “الروندة الثانية” من تحرك الأطباء الشبان؟
لقد قررنا خوض “الروندة الثانية” من تحركات الأطباء الشبان، هي رد مباشر على سياسة المماطلة والتسويف التي تنتهجها الوزارة. هذا التصعيد ليس تحركاً يبدأ من نقطة الصفر، بل هو استمرار لمقاومة سياسة احتقار واستصغار الأطباء الشبان، وهذا التصعيد يأتي أيضاً كرد فعل على عدم جدية والتزام وزارة الصحة بتطبيق البنود الأساسية للمطالب التي قامت عليها التحركات منذ البداية.
ما هي المطالب التي قام عليها التحرك في “الروندة الأولى” من تحرك الأطباء الشبان؟ وأي مكاسب تحققت؟
لقد ارتكز التحرك الأول على مطالب ذات طابع أكاديمي ومهني بحت؛ حيث كان القطاع يعاني في الماضي من غياب تام لمعايير واضحة وشفافة لتقييم نجاح الطبيب الشاب أثناء فترة التدريب. لذلك، طالبنا بوضع مقاييس مهنية دقيقة تمكّن الطبيب الشاب من الحصول على تقييم موضوعي وواضح لأدائه، بعيداً عن رهن النتيجة بالتقييم الذاتي لشخص المشرف غير خاضع لمعايير موحدة، الأمر الذي كان يهدد نزاهة وعدالة النتائج. وفعلاً لقد استجابت الوزارة لهذا الطلب من خلال جلسة مع عمادات كليات الطب الأربعة.
المطلب الثاني وهو السنة المدنية، وهي سنة نقضيها في المستشفيات العمومية، نحن لسنا ضد هاته السنة الالزامية، لكن نريد أن تكون في ظروف مرنة وتراعي بعض الاستثناءات؛ مثل الطبيبات الحوامل والمرضعات، المتزوجيين، وغيرها من الحالات التي تستحق الأخذ بعين الإعتبار. وهذا ما لم تستجب له الوزارة، بل طلبت حل الأمور بشكل غير رسمي، رافضةً إصدار وثيقة واضحة تحدد قائمة الاستثناءات وشروط أداء الخدمة المدنية.
طالبنا بالترفيع في أجر سنة الخدمة المدنية، نظرا لأن الأجر السابق لا يغطي كل الحاجيات المتمثلة في الكراء التنقل وغيرها، خاصة أن الخدمة المدنية لا ترتبط فقط بمنطقة واحدة إذ فغالب ما تجد نفسك تتنقل بين العديد من المناطق. وفعلاً استجابت الوزارة وقامت بتحديد مبلغ يقدر بـألفين دينار
طالبنا كذلك بتحسين المقابل المادي لحصص الاستمرار (ساعات العمل الإضافية)، والتي تتراوح قيمتها بين دينار ودينارين. كما طالبنا بتسوية فورية لوضعية الأطباء الشبان الذين لم يحصلوا على مستحقاتهم المادية المتراكمة منذ عام 2020. بشكل عام، تمت الموافقة على الزيادة بملبغ جملي قيمته 40 ديناراً لكنه يبقى في الواقع مبلغاً ضعيفاً جداً ولا يتناسب مع حجم المجهود والعمل المبذول.
كما طالبنا برفع أجور الأطباء الشبان، في البداية قالت الوزارة أنها ستستجيب، لكن إلى حدود هذه اللحظة لا توجد أي نية من قبل الوزارة تدل على جديتها والتزماها، حتى أن الوزارة لم تنشر في الجريدة الرسمية الزيادة المتّفق عليها في أجور الأطباء الشبان في تونس.
هل فقد الأطباء الشبان الثقة في جدية الوزارة لحل مشاكل القطاع والاستجابة لمطالبهم؟
لقد تضررت الثقة في الوزارة بشكل كبير، نتيجة لتنكرها لبعض المطالب وعدم التزامها بما تم الاتفاق عليه. نحن نشعر أنه يتم استصغارنا وعدم التعامل معنا بجدية، بل يتم اتباع سياسة التسويف والمماطلة. يجب التذكير بأن التعامل معنا هو واجب وليس تفضلاً. نحن نشعر بالخيبة والإحباط بسبب هذا التنكر وهو ما من شأنه أن يشجع على تدفق هجرة الأطباء الشبان إلى الخارج.
إلى أي مدى أنتم مستعدون للمضي في التصعيد إذا استمر التجاهل الوزاري؟
نحن في المنظمة التونسية للأطباء الشبان نرى أننا مُجبرون على التصعيد طالما أن السلطات لا تتعامل معنا بجدية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن حق المواطن الأساسي في الصحة هو أولوية في تحركاتنا.


















