حوار| الكاتبة حواء ميلود: المرأة الموريتانية ليست هامشًا ثقافيًا

سجّلت المرأة الموريتانية، على امتداد التاريخ، حضورًا لافتًا في مختلف المجالات، ولا سيما الحقلين الثقافي والأدبي، حيث نافست الرجل إنتاجًا ومساجلة وإبداعًا. ومن بين الأسماء النسائية التي بصمت المشهد الثقافي الموريتاني بعمق، تبرز الصحفية والكاتبة والأديبة حواء ميلود، التي عُرفت بغزارة إنتاجها وعلوّ كعبها في الثقافة الموريتانية والعربية.

وُلدت حواء ميلود في ولاية لبراكنة، في محيط علمي وأدبي، وواصلت مسارها الدراسي بتفوق في مختلف مراحله، إلى أن أصبحت واحدة من أبرز الشخصيات النسائية في المشهد الثقافي والأدبي الموريتاني. شغلت مناصب مهمة، ومثّلت النساء الموريتانيات خير تمثيل، وأسهمت بمقالات وأعمال أدبية وبحثية أغنت الساحة الثقافية الموريتانية. 

في هذا الحوار الذي أجرته معها منصة “هُنّ”، نقترب من التجربة الفكرية والإبداعية لضيفتنا، ونستكشف رؤيتها لدور النساء في المشهد الثقافي، وتحديات الحقل الأدبي، ومسارات التمكين المعرفي للنساء. 

لالتي: ماهي أهم الأعمال الثقافية والأدبية التي قدمتها خلال مسيرتك؟

 حواء: من أهم الأعمال الثقافية والأدبية التي قدمت، كتاب المرأة الموريتانية ازدواجية التوافق والتخالف (عمل مترجم إلى اللغة الفرنسية)، كتاب الصوت النسائي في الأدب الموريتاني المعاصر (دراسة نقدية)، كتب نصائح للمرأة – سلسلة كتيبات إعلامية تم تأليفها لصالح وزارة المرأة 1994-2004، كما شاركت في تأليف سلسلة كتب عن الثقافة الاجتماعية –أصدرتها وزارة الثقافة الموريتانية. 

وفي مجال البحوث أنجزت عدة بحوث من أهمها مكانة المرأة في الإعلام، جمالية الصورة في الشعر النسائي، النزعة الدينية في شعر ولد الرازكه، تاريخ الصحافة الموريتانية …الخ

هذا بالإضافة إلى الإشراف على إعداد المسوح والدراسات حول المشهد الإعلامي منذ 2008 إلى 2020.

لالتي: ما تقييمكم لحضور المرأة في مجال الأدب والثقافة؟

حواء: من المعروف أن المجتمع الموريتاني اشتهر بتعاطي الأدب نثرا وشعرا منذ قرون عديدة، ولذا فإن المرأة الموريتانية تحملت مسؤولية العمل الثقافي، فحفظت القرآن وتعلمت علوم الفقه وعلوم الشريعة والسيرة والنحو، وأسست المحاظر الكبيرة والمدارس القرآنية المشهورة، ويحفظ لنا التاريخ الثقافي الشنقيطي أسماء نساء عديدات كن في الطليعة الثقافية، وقد ذكر الشيخ محمد الأمين الجكني الشنقيطي الذي كان من أبرز سدنة العلم في الحجاز ونجد أنه درس الأدب على زوجة خاله وتلقى عنها “الآجرومية” ودروسا واسعة في أنساب العرب وأيامهم والسيرة النبوية ونظم الغزوات لأحمد البدوي الشنقيطي ونظم عمود النسب.

وهناك نساء من الدولة المرابطية شاركن في الحركة الثقافية مثل: زينب النفزاوية زوجة يوسف بن تاشفين، التي اشتهرت بالحكمة والعلم، وأم طلحة التميمية بنت يوسف بن تاشفين  صاحبة العناية بالأدب والشعر، وقمر زوجة علي بن يوسف بن تاشفين، وحواء وزينب أختي أبي بكر بن إبراهيم بن تافلويت، اللواتي اشتهرن بالأدب والشعر، 

كما استطاعت الأديبة الموريتانية المعاصرة أن تلج كل الأجناس الأدبية فكتبت القصة القصيرة، والرواية و المقالة الصحفية متعددة المواضيع وقرضت الشعر العمودي والحر والنثري، وتسارعت وتيرة إنتاجها الأدبي في العقود الأخيرة، فصدر لها العديد من المؤلفات في مختلف المجالات.

لالتي: في نظركم ماهي أهم التحديات التي تواجه المرأة الموريتانية في المجال الثقافي؟

حواء: التحديات التي تواجه المرأة لا تختلف كثيرا عن التحديات التي تواجه كل المهتمين بالمجال الثقافي، فهناك ركود عام وتراجع عن الاهتمامات الثقافية في العالم ككل لصالح وسائل التواصل الاجتماعي؛ وما تقدمه من محتوى تافه يهمش إن لم نقل يقتل كل المحتويات الثقافية الجادة، وهذا ما أدى في العقود الأخيرة إلى ظهور استراتيجيات لدى كل الدول للحفاظ على خصوصياتها الثقافية.  

لالتي: ما دور سيدات الثقافة في تعزيز الحضور الثقافي للمرأة الموريتانية في المجتمع؟

حواء: المرأة الموريتانية عموما تختلف عن كل النساء في العالم فهي مدللة، مبجلة، مسموعة الرأي، متمكنة من إحداث تغييرات عقلية في المجتمع لو أرادت ذلك، والمثقفة خاصة تتضاعف لديها هذه القدرة على العطاء، وبالتالي فإنها قادرة على تعزيز حضور المرأة في المجال الثقافي، وذلك عن طريق إنشاء جمعيات ونوادي ثقافية للنساء وتنظيم مهرجانات دورية وأماسي أسبوعية لتحريك الساحة الثقافية وتفعيل حضور المرأة.

لالتي: ما هي أبرز الإنجازات التي حققتها المرأة في هذا المجال؟

حواء: لا أبالغ لو قلت إن المرأة الموريتانية استطاعت أن تفرض وجودها في المشهد الثقافي عموما، فهناك رائدات في مجال الأدب والشعر والصحافة، وهناك جمعيات ونوادي ثقافية نسائية مثل نادي الإبداع للمرأة وجمعية أقلام نسائية وجمعية المرأة للثقافة والتنمية، وغيرها كثير. 

لالتي: ما أهمية اقبال السيدات على قراءة الكتب لتعزيز الثقافة والمعرفة لديهن، وكيف يمكن تشجيعهن على ذلك؟

حواء: نحن نعرف أن قراءة الكتب هي الوسيلة الأنسب لتحصيل الرصيد المعرفي، غير أن أزمة العزوف عن قراءة الكتب أصبحت أزمة عالمية، وبالتالي لابد للنساء المهتمات بالثقافة أن يضاعفن الجهود لتشجيع الفتيات على القراءة، وفتح مكتبات في كل الأحياء وتنظيم مسابقات للقراءة أولتلخيص الكتب.

لالتي: إذا كانت لديك تجربة معينة أو كتاب له الاثر في مسيرتك الأدبية حبذا لو تشاركتيه معنا؟

حواء: لا أذكر كتابًا معيّنًا كان له الأثر في مسيرتي الأدبية، لكنني أذكر مركزا ثقافيا يرجع له كل الفضل في مسيرتي الأدبية وحتى الإعلامية، وهو المركز الثقافي المغربي، الذي وفر لي جميع ماكنت أريد من الكتب والصحف في بداية تجربتي مع القراءة والبحث فله كل الشكر والتقدير.

لالتي: ما هي الجوائز والتكريمات التي حصلت عليها؟

 حصلت على توشيح من طرف رئيس الجمهورية 2023، على الجائزة الثانية في المسابقة المغاربية الكبرى للشعر النسائي المنظمة في الجزائر 2010، على تهنئة من وزارة المرأة، منحتُ شهادة تقدير حول أحسن مقال من طرف اللجنة الوطنية الموريتانية للتربية والثقافة والعلوم 2003، حصلت على تكريم من مركز الهدف للاتصال والإعلام، وتهنئة من شبكة النساء الصحفيات 2016، وتكريم من طرف جمعية “إصنع بسمة”، وعلى شهادة تكريم من مركز الدفاع عن اللغة العربية 2017.

ماهي رسالتك للنساء عامة وللشابات المقبلات على عالم الكتابة؟

رسالتي إلى النساء عامة هي أنهن عليهن أن يدركن عظمة دورهن في المجتمع، خاصة في هذه الظرفية الزمنية المعقدة من تاريخ البشرية، والتي أحدثت خلخلة في البنية المفاهيمية بشكل عام فتغيرت نظرة الناس إلى الأشياء، وبالتالي فالمرأة هي المسؤولة الأولى عن المحافظة على الأبناء من الضياع القيَّمي والأخلاقي، وهي المسؤولة أيضا عن خلق وعي مجتمعي مؤمن بأهمية التشبث بالخصوصية  الثقافية والاجتماعية. 

أما بالنسبة للشابات المقبلات على عالم الكتابة،  فأحذرهن من الانشغال بتفاهات عالم التواصل على حساب التحصيل المعرفي وقراءة الكتب وزيارة المراكز الثقافية وحضور الأنشطة الأدبية باستمرار، لأن الكتابة لا تنطلق من فراغ ولا تكفي فيها الموهبة وحدها، بل لابد لها من تحصيل رصيد معرفي كبير، والذي لا يكون إلا عن طريق القراءة.

اقرأ أيضا

  • اللاإنجابية.. نساء يتمردن على غريزة الأمومة في مواجهة مع المجتمع

    "لا أتصور نفسي صحبة رضيع طوال الوقت، أتكلف بكل تفاصيل يومه، جهد كبير جدا لا أجدني مستعدة له، بل لست على استعداد لأحمل ثقلا لتسعة أشهر، وأشتغل، وأسافر… لدي طموح أكبر من إنجاب أطفال أهديهم حياتي التي بنيتها بعناء، وجهد"، هكذا بدأت أسماء تفسر قرارها في ما بات يعرف بـ"اللاإنجابية"، وهو قرارٌ طوعي بعدم إنجاء…

    سناء كريم|

  • جحيم شركات “الكابلاج”.. بديل للبطالة ينهك صحة المغربيات 

     "صحتي مشات"، تقول صفاء بصوت منهك، يعتريه حزن وحنق كبيران، قبل أن تظهر الشابة ذات الـ29 سنة أوراق الفحوصات والشواهد الطبية التي تؤكد إصابتها بمشاكل في الظهر والعمود الفقري، بعد أربع سنوات من العمل في إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية، والموجهة لصناعة السيارات بمدينة القنيطرة. الشابة الحاصلة على إجازة في علم الاجتماع، تحكي…

    هاجر اعزة|

  • شاهدة على مأساة مليلية| قصة معاناة حواء من السودان إلى المغرب

    بين حوالي ألفي شخص، من المهاجرين واللاجئين الذين كانوا في ذلك اليوم الدامي، كانت هناك سيدتان، هما السودانية حواء 47 سنة، والتشادية مريم 20 سنة. وتمثل قصة حواء، فصلاً من فصول مآسي النساء المهاجرات، والهاربات من أتون الحرب والصراعات التي تعصف بالدول الإفريقية، فهذه المرأة رأت الموت مرتين، مرة في دارفور، ومرة عند سياج مليلية.…

    شادي بخاري|

  • أميرة محمد: وضع حرية التعبير في تونس أخطر مما كانت عليه في عهدي بن علي وبورقيبة

    منظمات دولية وجمعيات محلية مستقلة في تونس، تنبه إلى تصاعد  مستوى قمع الإعلام وحرية التعبير، وتعبّر عن تخوفها من المحاكمات القضائية لصحفيين وإعلاميين ومعلقين، بسبب الرأي الذي بدأ منسوب حريته يتناقص في البلاد.  وتأتي هذه المتابعات قبل الانتخابات الرئاسية الأولى، في فترة ما بعد الـ25 جويلية 2021، وفي ظل توجه ممنهج لتقويض القضاء، سجن عشرات…

    ريم بلقاسم|

  • “إشكالية النسب في مدونة الأسرة”.. توثيق مسارات فكرية جديدة لإصلاح مدونة الأسرة

    منذ خطاب العرش لسنة 2022، الذي دعا فيه الملك المغربي، محمد السادس إلى مراجعة مدونة الأسرة بما ينسجم مع التحولات الاجتماعية والدستورية، عاد ملف إثبات النسب ليحتل واجهة النقاش العمومي في المغرب.  وفي هذا السياق، أصدرت مجموعة "نساء شابات من أجل الديمقراطية" كتيبًا توثيقيًا بعنوان: “إشكالية النسب في مدونة الأسرة: نحو قراءة جديدة للنصوص الدينية…

    Hounna | هنّ|

  • عمل المرأة ليلًا في موريتانيا.. حمايةٌ أم تقييدٌ مقنّع للحقوق؟ 

    في مجتمعٍ مازال ينظر فيه كثيرون إلى عمل المرأة على أنه ترفٌ أو خروجٌ عن الدور التقليدي المفترض، تجد النساء أنفسهن أمام قيود اجتماعية وثقافية تحدّ من حريتهن وتكبح طموحاتهن. ورغم ذلك، تواصل الكثير من النساء نضالهن اليومي لإثبات جدارتهن وإسهامهنَ الفعّال في التنمية، في ظل ضغوط وتحامل متزايد. مؤخرًا، فجّر مشروع مرسوم حكومي موريتاني…

    مريم إسحاق إبراهيم|

  • “شهامة الرجل” تُثير الجدل.. وزيرة الأسرة الموريتانية تُعوّل على الأخلاق بدل تنفيذ أحكام النفقة 

    أثار تصريح وزيرة العمل الاجتماعي والطفولة والأسرة، صفية بنت انتهاه، بشأن تعويل قطاعها على “شهامة الرجل الموريتاني” في دفع النفقة، جدلاً واسعًا وردود فعل متباينة، كان أبرزها ما عبّر عنه الصحفي حنفي ولد الدهاه في تدوينة ناقدة حادة اعتبر فيها أن الوزيرة “اختزلت دور الدولة في كلمة واحدة: الشهامة”. وقال ولد الدهاه إن الوزيرة فاجأت…

    Hounna | هنّ|

  • الحب الممنوع بين مغاربة وإسبانيات.. الرسائل التي منعها نظام فرانكو

    "متى ستعود إلى إسبانيا؟، وقلي أنك لا تنظر إلى أي امرأة أخرى"، هذا ما كتبته كارميلا من غرناطة إلى حبيبها في المغرب عام 1944، عندما كانت إسبانيا تعيش تحت دكتاتورية نظام الجنرال فرانسيسكو فرانكو. ولكن تلك الكلمات، وغيرها الكثير من الحب والبوح، الذي حملته رسائل عدة؛ لم تصل أبدًا إلى وجهتها. فقد صادرها نظام فرانكو…

    ليلى محمد|